اعلم يا علم الرؤساء وصدر الوزراء حقيقة لا مجازا ان هذه المسألة من مجازات العقول ضل فيها علماء ولا يعرفها الا محقق عالم ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم والناس قد تكلموا
[ ٧٢ ]
فيها زهاء خمسمائة قول وشرح ذلك يقتضي كتابا طويلا فنقدم على ذلك سؤالا وجوابا. أما السؤال قالوا قال الله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
فلو كانت الروح معلومة للخلق ما قال الله ذلك وما كان لهذا الكلام معنى. قلنا أجمع العلماء من أصحاب الملل والاعتقادات ان المخلوقات على نوعين لا ثالث لهما، جواهر واعراض. فالروح اما أن تكون من قبل الجواهر أو الأعراض لأنه يستحيل أن يرد الشرع بخلاف ما اقتضاه العقل فقوله وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
أي ما أوتيتم من العلم الذي نص عليه الا قليلا من كثير بحسب ما تحتاجون اليه فالروح من المنزل النص عليه لأنه أراد أن يعرفوا ذلك بالاعتبار ويتوصلوا اليه بالدلائل والاستبصار وهذا بخلاف سؤالهم عن الطاعة لأنه لا طريق للعقل الى معرفة ذلك الا من طريق الأخبار هذا وجه التحقيق. (جواب آخر) ان ابن عباس ترجمان القرآن قال الروح ملك عظيم على بني آدم. وقال قتادة الروح جبريل وقال علي الروح ملك له سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله بكل لسان وهو حافظ على الملائكة كما ان الملائكة حفاظ على الخلق فان كان معنى الروح هذا فكفى الله المؤمنين القتال وان كان غيره فقد اختلفوا فقال قائل نعم في الجملة ان الروح موجودة
[ ٧٣ ]
عمارة البدن والجسد والانفصال عن خراب القالب ويكفي ذلك القدر من العلم وهذا لعمري منهج قويم ومذهب الاستقامة. وقال جمهور المحققين ان الروح هي الحياة وان الحياة عرض يقوم بالحي. فمتى وجد فيه يكون حيا واذا عدم فيه فقد حصل ضده وهو الموت. والدليل عليه أن المحدثات على نوعين صفة وموصف باتفاق العلماء، ومحال أن تكون الروح موصوفا جسما له لأن الجسم والجوهر لا يصيران صفة الحي وانما يكون مجاورا فالمجاور لا يكتسب صفة ولا وصفا لما جاوره ولا يوجب التغير والتبديل وكان يجب أن يكون القالب خاويا كما كان اذا جاور الحي ميتا أو جمادا فلما كان الأمر بخلافه علمت أن الروح غير جسم والدليل عليه ان الروح لو كانت جسما أو جوهرا لصح أن يكون حيا وقابلا لسائر الأعراض والجواهر. وذلك محال في صفة الروح فاذا ثبت هذا ثبت أن الروح صفة وهذا ظاهر لا إشكال فيه فان قلت بقي أشد من أشده فقد خالفت صاحبك الأشعري الألمعي وخالفت الكتاب، فإن الله تعالى يقول قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
فلو كانت الروح صفة ما صح قبضها لأن الصفة لا تقبض وكيف ترفع في حواصل طيور خضر والجواب أن نقول عرفت شيئا وغابت عنك أشياء. أما صاحبي فما خالفته فانه أحد قوليه المنصور في
[ ٧٤ ]
بعض كتبه. وأما قبض ملك الموت، فمعناه ان الله تعالى جعل إليه جذب الأنفاس والهواء الذي في مجاري العروق فعنده يخلق الموت الذي يضاد الحياة. ألا ترى أن الأنفاس تتتابع عند النزع ويقع الاضطراب فيحكم فيه بالوفاة فحيث قال الله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
فمعناه يخلق الموت ويأمر به وحيث قال قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
يعني يقبض ويجذب وحيث قال الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
فمعناه يسوقون العباد الى القبض فانظر الى هذا التحقيق والتدقيق الذي يتقاطر عنه ماء التوفيق ولا تلتفت الى قول الفلاسفة الكفار واليونانية الضلال ان الروح نفس ودم وانه قديم فانه من ترهات الدسائس. فما يوجد ويعدم ويتصل وينفصل كيف يكون قديما وما يتغير ويتجدد، كيف ينعت بالقدم ولهم في ذلك خبط طويل ومذهب ثقيل أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ