وهي ثلاثة. (الآفة الاولى) ان المال سبب المعصية يسهل على صاحبه طريق الفسق والفجور فيبعث الشهوات من صميم قلبه ويتبع الخطرات من سويداء فؤاده فتتلاطم دواعي الفساد من كل جانب اذ يده متسعة وأمواله مجتمعة والنفس أمارة بالسوء فبطلت الرياسة، ومن كان جليس المسجد وينافس الرؤساء ومن كان مخمولا ويباري الاغنياء ومن كان معدودا في جملة الفقراء فيكون ذلك سبب هلاكه.
(الآفة الثانية) من لم يجد المال يمكنه التصبر والقناعة، أيا من استغنى فقد طغى وبغى كما قال الله تعالى
[ ١٣٢ ]
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
فلا يمكنه أن يحفظ دينه ونفسه فيمرغ في نعيم الدنيا فيأكل حلوا ويلبس ناعما يغدو ببلدة ويروح بأخرى فتصير دنياه جنته فينسى الآخرة ويكره الموت وذكره، لا يتهيأ لأحد أسباب التنعم في الدوام من وجه حلال فان المال غاد ورائح والدنيا اقبال وادبار والايام دول يوم لنا ويوم علينا فتغير الاحوال ولا يمكنه كسب الحلال فيقع في الشبهة ثم في الحرام فيحتاج الى خدمة الاتراك وخدمة السلاطين الشياطين فيداهنهم في الدين خوفا على دنياه ويمازحهم رياء ونفاقا وكذبا فيصبح مرائيا مداهنا ليس ورعا قنوعا وتتشعب به الهموم فمن شغل واحد من أشغال الدنيا تنبعث عدة أشغال فإذا فرغ من واد وقع في واد آخر وجعل الله الفقر بين عينيه فلا يتفرغ من محاسبة الفلاحين والاكارين والبقالين الى نفسه فكيف الى ربه، ولا يتفرغ من دنياه فكيف الى آخرته فيصبح حيران ويمسي سكران جيفة بالليل بطال بالنهار سكارى حيارى لا مسلمون ولا نصارى، وأيضا تكثر خصماؤه وحساده فواحد يحسده وآخر يجرد عليه فيفتح عليه أبواب المعاصي من الكذب والغيبة والطعن والحسد لانه آدمي يقوم بمجازاتهم فيضيع وقته وفي ضياع وقته ضياع عمره فان كنت في ريب من هذا فتأمل في حال السلاطين والامراء والرؤساء فان موتهم أكبر وهمومهم أعظم
[ ١٣٣ ]
على قدر أهل العزم تأتي العزائم والهموم بقدر الهمم وهذا سر قوله ﷺ حب الدنيا رأس كل خطيئة، فان شأن الدنيا هاوية لا قعر لها في كلمة منها تنبعث خصومات وأمور لا حصر لها فتأمل في خامل يكثر أشغاله كيف يتمنى الموت في كل ساعة لازدحام الآفات والخصومات وأعوذ بالله من تفرقة القلب. (الآفة الثالثة) ان لم ينفق في المعصية ولم يتمرغ في نعيمها ويكسب من الحلال وينفق من الحلال وهيهات دون عليات العبادة والخرط أليس يحتاج الى حفظه وحرزه فيشتغل قلبه عن ذكر الله فلا يتفرغ الى الله قصيره عن طويله صاحب المال يضيع عمره في محاسبة الوكلاء والغرماء والخراج والحساب فيتنغص عيشه، قرأت في بعض التفاسير في قوله تعالى كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
إنما شبه الحياة الدنيا والمقام فيها بالماء لمعنى دقيق وهو أن في البيت إذا كان بقدر الحاجة ينتفع به صاحب البيت فإذا كثر وغلب على البيت أهلك صاحب البيت كذلك صاحب بيت الدنيا اذا قنع بقدر الكفاية ينتفع بها وإذا تمرغ فيها هلك وأهلك، قال بعض ظرفاء بغداد: الكفر خير من المال فقيل له في ذلك فقال لان من يتهم بالكفر إذا تاب تقبل توبته ومن اتهم بالمال لا تقبل توبته بل يضرب عليه ضربا بعد ضرب حتى يموت فقد علم العلماء أن قدر الكفاية ترياق وما سواه وبال دعاق
[ ١٣٤ ]
ولهذه الآفات قال النبي ﷺ: الدنيا رأس كل خطيئة.