إن أول ما يجب على المكلف القصد الى النظر المؤدي الى معرفة الله تعالى فان قلت انك مدع واذا آل الأمر الى الدعاوى استوى كل طائع وغاو فأقول ما أبين الصبح لذي عينين وان الرحيل أحد اليومين والدليل عليه أن معرفة الله تعالى واجبة بالآيات المتقدمة والسعادة هي اليقين والدنيا هي فتنة الدين وما سواه فضلال مبين. فماذا بعد الحق الا الضلال فأنى تصرفون واعلم أن الواجب اشتقاقه من السقوط واللزوم يقال وجب الحائط اذا سقط وحده في
[ ٢٠ ]
الشرع المنقول وقضية المعقول ما يستوجب اللزوم والعقاب بتركه وحد النظر هو فكر القلب وتأمله في حال المنظور فيه وأقمت الدليل على أن قاعدة الدين هو النظر لأن المسلمين من لدن آدم ﵊ الى منقرض العالم اذا نزلت بهم نازلة يرجعون الى النظر والفكر سواء كان في أمر الدين أو الدنيا ويقول بعضهم لبعض انظروا وتفكروا ولا يقولون اسمعوا وتقلدوا خلافا لما يدعيه الباطنية الضلال والملاحدة الجهال وقال تعالى هل عندكم من علم ولم يقل من معلم وقال هاتوا برهانكم ولم يقل معصومكم وبركاتكم وقال اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ولم يقل يسمعوا وقال عربي مبين ولم يقل حبشي فعرفت أن الدين بالحجة والبرهان دون التقليد الذي هو عصا العميان والعقلاء بقضهم وقضيضهم ينظرون في أمر الدين والدنيا لمعرفة الصالح من الفاسد والسار من الضار فلولا أنه طريق واضح ومنهج لائح لما فزعوا إليه.
فالناس أكيس من أن يمدحوا رجلا حتى يروا عنده آثار احسان
فإن قيل يا ناصر الدين وفارس المتقين لقد شفيت علتي وأزحت غلتي فمن الموجب الله تعالى أو رسوله ﷺ أو
[ ٢١ ]
العقل ففي هذا مزلة الأقدام ومدحض الأقوام فأقول:
أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا
الموجب هو الله سبحانه لأنه خالق الأعيان وموجد الخلائق فالأصل في الخطاب خطاب الله تعالى فإنه دليل بنفسه وما بعده من الخطاب فرع خطاب الله صار بخطاب الله دليلا من حيث انه خالق الأعيان له الخلق والأمر وما سواه دليل من وجه ومدلول من وجه مثلا خطاب رسول الله ﷺ فانه مدلول خطاب الله اذ بخطاب الله صار دليلا قال الله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فلولا خطاب الله لما عرفنا خطاب رسول الله وخطاب رسول الله دليل الاجماع والاجماع مدلوله وهو دليل القياس والقياس مدلوله وهو دليل الحكم والخطاب أمر ونهي وهما سيان في حقيقة الطلب والاستدعاء فأمر رسول الله ﷺ واجب بأمر الله وطاعته معترض لأمر الله فإذا أمرنا الله بشيء ونهانا عن شيء فكأنا نسمع خطاب الله بتبليغ رسول الله وبواسطته لأنا لا نسمع من الله شفاها والرسول مبلغ ومبشر ومنذر بشير للموحدين ونذير للملحدين وكذلك أقوال الصحابة ﵃ حجة بخطاب رسول الله وأقوال
[ ٢٢ ]
العلماء حجة بخطاب الرسول وطاعة الأمراء واجبة بقول الرسول وطاعة الزوج على زوجته والسيد على غلمانه واجبة بقول رسول الله فليعلم بأن هذا أصل عظيم (سؤال عظيم) اشتبه على زهاء خمسمائة فلسفي قالوا كيف نعرف النبي أنه نبي فان الله لا يخاطبه مواجهة ولو جاءه ملك احتمل أنه شيطان تصور بصورة ملك فكيف نثق بقوله؟ (الجواب) البراهمة أوتوا حين كفروا من هذه الشبهة وانها لكبيرة الا على الخاشعين فنقول نعرف النبي انه نبي بطرق الأول أن يخلق الله له علما ضروريا فنعرف أنه رسول الله.
الطريق الثاني أن يظهر الله آيات وعلامات فيضطر الرسول الى أنه من قبل الله وأن البشر يعجز عن مثله.
الثالث أن يخبره الله بما في قلبه وصدره فيضطر النبي الى معرفة كلامه لأن الغيب لا يعلمه الا الله عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا.