اعلم أن الطاعة علم السعادة والمعصية علم الخذلان فمن شعار أصحاب الحديث أنهم لا يكفرون واحدا من أهل القبلة بالذنوب، ومن خرج من الدنيا من غير توبة لا يحكمون عليه بالنار، ولا يجوزون الخروج على السلطان، ولا يكفرون بعضهم وكل دار غلب الظلم والجور عليها وصار ظاهرا على العدل والمعصية على الطاعة لا يقولون انها دار كفر ومن شعارهم تقديم أبي بكر وعمر على سائر الصحابة ويقدمون السنة على القياس ولهذا سموا أصحاب الحديث ويقدمون الشافعي المطلبي على أبي حنيفة النعمان لأن الشافعي قدم الحديث على الرأي والشافعي قرشي يصلح
[ ٦٣ ]
للخلافة ولم يصلح لها أبو حنيفة والشافعي ابن عم رسول الله ﷺ وقد قال تعالى قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
والشافعي أحسن مساقا وأحسن حالا وأقوم قيلا وأسلم منه فقها ومذهبا اذ لم يتناقض مذهبه كما تناقض مذهب الخصم وهو أحمد الناس فعلا وأكثرهم ثناء عند السلف وأعلم الناس بالعربية وطريق اللغة فجاء من هذه القاعدة ان الطاعات علم اذا تقبلها الله أثاب عليها عشرة أمثالها الى سبعين وسبعمائة فكل سلطان وملك ورئيس يتمسك بالدين ويسعى في الخيرات ويجتهد في الصالحات فأبشر له ثم أبشر فالطاعة ليست بعلة للثواب ولا المعصية علة للعقاب بل علامة. فمن كان مطيعا لله مستسلما لقضائه فذلك علامة سعادته ومن كان خليع العذار مسخطا لقضائه فذلك علامة خذلانه والموافاة شرط في ذلك فلو كانت الطاعة علة لكان آدم بالعتاب أولى والسر في هذا أن الفاعل الحقيقي هو الله لكن الأسباب والوسائط مشكورة في وقت ومذمومة في وقت فخلق أقواما مفاتيح للخير ومغاليق للشر، وأقواما بالعكس. طوبى لمن جرب الأمور وأجرى الله الخير على يديه والويل لمن أجرى الشر على يديه فقد سال به السيل لأمه الويل ولا تجوز الشهادة بالجنة ولا بالنار لأحد من الكفار، وأيضا من هؤلاء لأن الموافاة شرط فربما سلب إيمان المؤمن.
[ ٦٤ ]
ويرزق الكافر الايمان لدى الموت، اللهم الا في حق العشرة المشهود لهم بالجنة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح. فمن حلف بالطلاق انهم في الجنة قطعا فقد برّ في يمينه. أما من سواهم فانا نعرف الظاهر دون الباطن ونعرف الحال دون المآل. ومن مات على الايمان والتوبة فيجوز القطع أنه من أهل الجنة ومن مات على الكفر فيقطع أنه من أهل النار خالدا مخلدا. (فصل) ويجوز للمؤمن أن يقول أنا مؤمن حقا في الحال اذ لا شك له في إيمانه في الحال. وأما في الخاتمة فلا يقول أنا مؤمن وسأموت على الايمان حقا فان العاقبة مخفية ومن مات من أصحاب الكبائر فلا يقطع عليه بالجنة والنار بل أمره في مشيئة الله، والله رؤوف بالعباد هذا مذهب أهل السنة ونعم المذهب وقالت الخوارج من كذب أو فجر أو شرب أو زنى أو سرق أو قذف فقد كفر فيكفرون العبد بالذنب وقالت المعتزلة صاحب الكبيرة يخرج من الايمان ولا يدخل في الكفر يكون في منزلة بين المنزلتين. فان مات قبل التوبة يكون في النار أبدا مع فرعون وهامان وأهل السنة بريئون من هذا المذهب فان الوعد المطلق للمؤمن والوعيد المطلق للكافر. فخذها جواهر منظمة خير لك من خزائن السلطان وفوائد الزمان
[ ٦٥ ]
وبالله المستعان.