أول دليل على أجل جليل قال الامام المطلبي ﵁ استقبلني سبعة عشر زنديقا في طريق غزة فقالوا ما الدليل على الصانع فقلت لهم ان ذكرت دليلا شافيا هل تؤمنون قالوا نعم قلت نرى ورق الفرصاد طبعها ولونها وريحها سواء فيأكلها دود القز فيخرج من جوفها الابريسم ويأكلها النحل فيخرج من جوفها العسل وتأكلها الشاة فيخرج من جوفها البعر فالطبع واحد إن كان موجبا عندك فيجب ان يوجب شيئا واحدا لأن الحقيقة الواحدة لا توجب إلا شيئا واحدا ولا توجب متضادات متنافرات ومن جوز هذا كان عن المنقول خارجا وفي التيه والجا فانظر كيف تغيرت الحالات عليها فعرفت انه فعل صانع عالم قادر يحول عليها الأحوال ويغير التارات قال فبهتوا ثم قالوا لقد أتيت بالعجب العجاب فآمنوا وحسن إيمانهم. وجاء رجل الى الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى فقال ما الدليل على الصانع قال أعجب دليل النطفة التي في الرحم والجنين في البطن يخلقه الله في ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة ثم ان كان كما زعم أفلاطون الزنديق ان في الرحم قالبا منطبعا ينطبع الجنين فيه فلزم الحمار أن يكون الولد إما ميناثا أو مذكارا لأن
[ ٢٥ ]
الحقيقة لا تختلف فلما رأينا المرأة تلد ذكرا ومرة أنثى ومرة توأمين وطورا ثلاثة وتريد أن تلد فلا تلد وتريد أن لا تلد فتلد وتريد الذكر فتكون أنثى وتريد الأنثى فيكون الذكر على خلاف اختيار الأبوين فعرفنا قطعا أنه قدرة قادر عالم حكيم وان الفلاسفة ينادون من مكان بعيد لقد هلكوا وبالله كفروا ووقعوا في الهوى فتبا لمن يدعي الفهم وهو أعمى (دليل) قال الشافعي ﵁ وقد سئل عن التوحيد فقال رأيت قلعة حصينة ملساء ولا فرجة فيها ظاهرها كالفضة وباطنها كالذهب الابريز وجدرانها حصينة محكمة ثم رأيت الجدار ينشق فيخرج من القلعة حيوان سميع بصير مصوت فعلمت ضرورة أن الطبيعة لا تقدر على ذلك وانه فعل صانع حكيم فالقلعة هي البيضة والحيوان هو الدجاجة (دليل آخر) سأل هرون الرشيد الشافعي ﵁ عن التوحيد فقال اختلاف الأصوات وتردّد النغمات وتفاوت اللغات يا أمير المؤمنين دليل على أن المحرك واحد والنيران الموقدة المتضادة في تركيب الآدمي فيألف بعضها على بعض لمصلحة البنية وقوام البشرية دليل على الصانع (دليل آخر) قال حكيم اسأل الأرض من شقق أنهارك وأوتد أوتادك وغرس أشجارك وجنى ثمارك فان لم تجبك جؤارا فقد أجابتك اعتبارا. ويقال شيئان صامتان ناطقان الوقت
[ ٢٦ ]
والقبر ويقال ما الأشياء الصامتة الناطقة يقال الدلائل المخبرة والعبر الواعظة (دليل آخر) ذكره المقدسي قال من له ملك العالمين والناس أجمعين عنده صواعق الزلزلة وطوارق الحوادث في وقت الاضطرار في البراري والبحار لذي الجوع والعطش الى الله تعالى فهذا دليل على الصانع فان المؤمن والكافر اذا اضطرا في البر والبحر لا يفزعان الى الشجر والحجر بل يفزعان الى الله سبحانه كما يفزع الصبي الى ثدي أمه فأمة الترك تقول يا تكري وأمة الهند تقول يا لاح وأمة المجوس تقول يا يردان وأمة العرب تقول يا الله وأمة العجم تقول يا خداي. قال يزيد بن عمير في الجاهلية:
الى الله أهدي مدحتي وثنائيا وقولا رضيا لا يني الدهر باقيا
الى الملك الأعلى الذي ليس فوقه إله ولا رب سواه مدانيا
فأنت الذي من فضل منّ ورحمة بعثت الى موسى رسولا مناديا
فقلت له اذهب مع هرون فناديا الى الله فرعون الذي هو طاغيا
(دليل آخر) سئل الشافعي ﵁ عن التوحيد
[ ٢٧ ]
فقال بالنوم واليقظة عرفت الرب أريد السهر فيغلبني النوم وأريد أن أنام فيغلبني السهر ترى الرجل العادي الضخم العبل يغلبه النوم من اختياراته وقد أسره وقد قال العلماء النوم واليقظة مثل الحياة والنشور وكما يشتهي أن يبيت لا يشتهي أن يموت وكما لا يشتهي في حال النوم أن يستيقظ لا يشتهي أن يحيا فيحيا إلا باذن الله ذلك تقدير العزيز العليم (دليل آخر) قال الحسن بن عليّ عرفت الله بنسخ العزائم ونقض الهمم وضعف الأركان وتحويل الحالات في الأزمان.
وقال آخر بموت الملوك وابقاء الفقراء. وقال آخر بحظّ الجهول وحرمان العاقل. وقال آخر عرفت الله بليل داج ونهار وهاج وسماء ذات أبراج وبحار ذات أمواج ورياح ذات عجاج وأرض ذات سبل وفجاج وجبال مثبتة بلا درج ومعراج دليل على رب حكيم فراج (دليل آخر) قال شمس براق ومعصرات ذات ابراق وأشجار ذات أوراق وقلوب ذات فرح وانشقاق دليل على حكيم خلاق.
الحمد لله كم في الأرض من حكم تنبي اللبيب عن الأيام والقدر
إن شئت في فلك أو شئت في رجل أو شئت في مدر أو شئت في حجر
[ ٢٨ ]
كل يدل بأن الله خالقه لا يستطيع دفاع النفع والضرر
فلنمسك عنان القلم فإن هذا الباب لا ينتهي الى حد.