سئلت عائشة ﵂ عن خلق النبي ﷺ فقالت خلقه القرآن يخزن لسانه إلا فيما يعنيه ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ولا ينفرهم ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس ويحسن الحسن ويقويه ويقبح القبيح ويوهيه ويحذر الناس ولا يقصر عن الحق ولا يتجاوز ولا يجلس ولا يقوم الا عن ذكر الله ويجلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه ولا يحسب أحد من جلسائه أن احدا أكرم عليه منه ومن جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف ومن سأله حاجة لم ينصرف الا بها أو بميسور من القول مجلسه مجلس علم وحياء
[ ٤٨ ]
وصدق وأمانة لا ترفع فيه الأصوات ولا تنتهك فيه الحرمات وكان دائم البشر في جلسائه سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا صخّاب بالاسواق ولا فحاش ولا عياب لا يذم أحدا ولا يطلب عوراته اذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير واذا سكت تكلموا.
يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون. وكان لا يغضبه شيء وكان أبر الناس وأكرم الناس ضحاكا بساما قال أنس ان امرأة كان في عقلها شيء قالت يا رسول الله ان لي إليك حاجة قال يا أم فلان خذي في أي طريق شئت قومي فيه حتى أقوم معك فخلا معها رسول الله ﷺ يناجيها حتى قضت حاجتها وقال أنس خدمت رسول الله ﷺ فما سبني قط ولا ضربني ضربة قط ولا انتهرني ولا عبس في وجهي ولا أمرني بأمر فتوانيت فيه فعاتبني عليه فان عاتبني أحد من أهله قال دعوه فلو قدر شيء كان وقال أنس أيضا ﵁ أدرك اعرابي النبي ﷺ فأخذ بردائه فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت الى صفحة عنق النبي ﷺ وقد أثرت فيه حاشية الرداء من جذبته ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت النبي ﷺ وضحك وأمر له بعطاء فلو أن أزهد الناس قال لشحنة بلدة أو واليها اتق الله لأمر بضرب عنقه وكان أشد حياء من
[ ٤٩ ]
العذراء في خدرها وأتى بقليل من ذهب فقسمه بين أصحابه فقام بدوي وقال يا محمد ان الله أمرك أن تعدل فما عدلت فقال ويحك من يعدل عليك بعدي فلما ولى قال ردوه رويدا عليّ وكان في بعض الغزوات فجاء رجل حتى قام على رسول الله ﷺ بالسيف وقال من يمنعك مني قال الله فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله ﷺ وقال من يمنعك مني قال كن خير أحد قدر قال أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال لا غير أني لا أقاتلك ولا أكون معك ولا مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله فجاء الى أصحابه فقال جئتكم من عند خير الناس وقسم يوما قسما فقال أنصاري ان هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فاحمر وجه النبي ﷺ وقال رحمة الله على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر وعن أنس أن رجلا أتى النبي ﷺ فسأل فأعطاه غنما بين جبلين فأتى قومه فقال اسلموا فان محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر وقدم على النبي ﷺ سبعون ألف درهم وهو أكثر مال ما أتى به أحد قط فوضع على حصير ثم قام اليها يقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منها وقال لمعاذ حين بعثه الى اليمن يا معاذ اذا كان الشتاء فغلس بالفجر وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملهم واذا كان الصيف فأسفر بالفجر فان الليل قصير والناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوا وأعطى اعرابيا
[ ٥٠ ]
شيئا فقال أحسنت إليك قال لا ولا أجملت فغضب المسلمون وهموا به فقال ﷺ كفوا عنه فأعطاه حتى رضي.