قال الطبائعيون سقراط وأفلاطون أئمة الكفر أصل العالم أربعة أشياء هن طبائع العالم الحرارة والبرودة وهما فاعلتان والرطوبة واليبوسة وهما منفعلتان فمن قائل تركيب هذه الاشياء الاربعة من غير صانع ومن قائل هذه الطبائع فاعلات تدبر العالم بطبعها قالوا الطباع تتغالب في الاجسام فربما تغلب الحرارة على البرودة ولا يعلم الطبيب قدر الغلبة فيموت الجسم لجهل الطبيب ولولا تغالب الطباع لم يمت أحد فالقواطع على هؤلاء الزنادقة أن تقول أتقرون بالصانع وإن الصنع لا بد له من صانع أم تشكون فيه فإن أقررتم بذلك فالعالم صنع فلا بد له من صانع وذلك الصانع لا بد أن يكون عالما قادرا مريدا ليتأتى منه الفعل ومن جوّز أن يكون صنعا من غير صانع فلنجوز أن يكون قصرا مشيدا وقلعة حصينة تظهر في برية من غير صانع ولا شك في أن الآدميين يبنون من الارض والزرع ينبت من غير بذر ومن جوّز هذا فلا يكون إنسانا يكون أحمق مجنونا محتاجا من يأتيه بمارستان (دليل آخر) ذو مقدار وأقطار فلا بد من مقدر قدّره ودبّره (دليل آخر) ان الطبائع كانت متفرقة فما الذي جمع بينها
[ ١١١ ]
فإن أجابوا إنها اجتمعت بنفسها لا بجامع فهذا محال لما بينا أن الصنع لا بد له من صانع فإن قالوا جمعها جامع فقد نزلت الرحمة ولا جامع إلا الله. (دليل آخر) إن اجتماع الطبائعيين بأولى من الافتراق فلا بد من مخصص وأيضا فإن أحد هذه الطبائع إذا غلب على ضده يفنيه ألا ترى النار تغلب الحطب فتفنيه وأنت تقول تجتمع الطبائع المتنافرة في شخص واحد مع تضادها. (دليل آخر) الطبع إما أن يكون معدوما فيوجد أو موجود فيعدم وكلاهما محال لان المعدوم محال أن يكون له طبع حتى يوجد شيئا إذ لو كان له طبع لم يكن معدوما ومحال أن يكون الطبع موجودا فيوجد العالم بطبع في العالم فكان يجب أن تكون الحوادث كلها على وفق الطبع من جميع الوجوه فلما رأينا الابريسم يحصل من الدود والعسل من النحل، ومن الآدمي الذي يأكل الطيب العذرة المستقذرة عرفتا ان الطبع باطل فتتعجب العقلاء من إلقاء السماء في الارض وخروج الفواكه الطيبة وطيب رائحتها وفي الربيع الذي يشتد الجو وتبلغ الشمس كبد السماء ينزل البرد الصلب أشد من الجليد وفي الشتاء ينزل الثلج مع برودة الهواء فيشتد فسبحان رب العالمين فإن قال يضم شيء إلى الطبع فيوجب تركيب الجو قلنا ذاك الانضمام ما يوجبه ان قلت موجبه الطبع الثاني
[ ١١٢ ]
يحتاج إلى ثالث وإلى رابع وإلى ما لا يتناهى.