فأقول حقيقة النظر هو الفكر في حال المنظور فيه لمعرفة حكمه وقيل هو فكر القلب في شاهد يدل على غائب فان قيل أطنبت الخطبة وأحسنت السؤل فما حجتك على صحته وانه مؤد الى العلم فأقول في العالم حق وباطل والناس صنفان أهل الحق وأهل الباطل وأصحاب الصدق وأصحاب
[ ١٧ ]
الكذب ولا يتصور معرفة الحق من الباطل الا بالنظر فالآدمي خلق كامل الرأي عظيم التدبير داركا للمعاني وأعطاه الله الادراك وهو العقل فاذا استعمله على وجهه وقع عنده العلم بالمنظور فيه كما يقع العلم بالمدركات عند الادراك فعند فتح الأجفان يبصر الأشياء وعند الاستماع والاصغاء يسمع وعند الاستعمال اللسان يتكلم فعند النظر يعلم ولو كان فاسدا لم يتضمن العلم لأن الفاسد لا يحكم له بقضية صحيحة والدليل على أن النظر يوصل الى العلم وهو طريق الحقائق فزع العقلاء اليه اذا التبس عليهم حكم شيء من الغائبات كما يفزعون الى البصر والسمع في تعريف ما يخفى من أحوال المرئيات والمسموعات واذا التبس عليهم شيء من أحوال الحواس الذوق والشم واللمس رجعوا الى النظر (دليل آخر) عرفنا أن النظر دليل الى العلم ضرورة فان عقلاء العالم وجهابذة المعاني مهما نزلت بهم نازلة أو حدث لهم حادث من المشكلات المهمات فزعوا الى النظر وتفكروا وتدبروا ليعرفوا وجه الصواب من الخطأ والحق من الباطل فعرفنا بضرورة العقل أن النظر طريق العلم فها نحن معاشر المسلمين نعرف الحق من الباطل بالنظر ونعرف الكفر من الايمان بالنظر ونعرف الله ورسوله بالنظر وأن الباطنية شر خليقة الله وهم زنادقة كفار ودهرية ضلال
[ ١٨ ]
ونعرف أن التقليد باطل ولا معصوم الا رسول الله ﷺ على رغم الباطنية أعداء الله كل ذلك بالنظر وقد قيل كيف نعرف النظر أو نعرف الشيء بالشيء هذا بديع في القياس بعيد يا قاضي العدل اذا حكم عدل فأقول عن صبوح يرفعون عرفت شيئا وغابت عنك أشياء عرفت صحة النظر بما أعلم به صحته في نفسه فتصحيح الشيء بما يدعى له الصحة غير متناقض وافساد الشيء بما يدعى له الفساد متناقض لأني اذا صححت النظر بجزء من المنظور دخل ذلك الجزء من النظر أيضا في جملة ما صححته فعرفت صحته مما به صحته في نفسه.