قوله (لقيت منها عرق القربة) هذا مثل يضرب لمن يلقى شدة من الأمر الذي يزاوله كما أن حامل القربة يلقي جهدًا حتى يعرق. وقوله (جعلته دبر أذني) يعني طرحته وهو كقوله تعالى فنبذوه وراء ظهورهم. وقوله (اكذب من سجاج) يعني التي تنبأوت في عهد مسيلمة الكذاب وسارت إليه لتناظره وتختبره ثم آمنت به ووهبت نفسها له وهذا الاسم مبني على الكسر مثل حذام وةقطام لكونه من الأسماء المعدولة واشتقاقه من السجاحة وهي السهولة ومنه قولهم ملكت فاسحج. وقولها (اكذب من أبي ثمامة) هذه كنية مسيلمة الكذاب وكان تنبأ باليمامة ومخرق بها إلى أن سار إليه خالد بن الوليد ﵁ فقتله. وقوله (لا نعم عوفك) العوف الحال والعوف أيضًا الذكر ويدعي للباني على أهله فيقال له نعم عوفك. وقوله (يا دفار يا فجار) هذان الاسمان معدولان عن دافرة وفاجرة والدفر النتن وبه سميت الدنيا أن دفر وكل ما سمي بصفة غيالبة ثم عدل بها إلى فعال بني على الكسر عند البداء كقولك يا لكاع يا خباث يا دفار يا فجار ولا يجوز استعمال ذلك في غير البداء إلا في ضرورة الشعر كقول الحطيئة
أطوف ما أطوفز ثم آوي إلى بيت قعيدته لكاع
[ ٤٢٨ ]
وإما قوله (احمق من رجلة) فهي ضرب من الحمض تنبت في مجاري السيل فيحترقها. وإما ق ولها (الأم من مادر) فهو رجل من بني هلال بن عامر كان اتخذ حوضًا لسقي إبله فلما رويت سلح فيه ومدره بسلحه لئلا ينتفع به من بعده. وإما قولها (اشأم من قاشر) فإنه فحل كان في بعض قبائل سعد بن زيد مناة بن تميم ما طرق إبلًا إلا ماتت وقيل المراد به العام المجدب وسمي قاشرًا لقشره ما على وجه الأرض من النبات. وأما قولها (اجبن من صافر) فقد اختلف في تفسيره فقال بعضهم عني به كل ما يصفر من الطير وخص بالجبن لكثرة ما يتقيه من جوارح الجو ومصايد الأرض وقيل أنه طائر بعينه إذا جنه الليل تعلق ببعض الأغصان ولم يزل يصفر طول ليلته خوفًا على نفسه من أن ينام فيؤخذ وقيل أنه الذي يصفر بالمرأة لريبة وهو بجبن وقت صفيره مخافة أن يظهر على أمره وقيل أن المراد به في المثل المصفور به وهو الذي ينذر بالصفير ليهرب فعلى هذا القول فاعل هنا بمعنى مفعول كقوله تعالى من ماء دافق مدفوق وكقولهم راحلة بمعنى مرحولة وهو كثير في كلامهم وقد جاء مفعول بمعنى فاعل كقوله تعالى حجابًا مستورًا أي ساترًا وكقوله تعالى إنه كان وعده مأتيا. وأما قولها (اطبش من طامر) فالمراد به المرغوث ويسمى طامر بن طامر لكثرة وثوبه. وأما قوله القاضي (أراكما شنًا وطبقة وحدأة وبندقة) فإنه أراد به أن كلًا منكما كفء. لصاحبه ومقاوم له ولكل من المثلين تفسير مختلف فيه. أما شن وطبقة فإن العلماء مختلفون في معنى قولهم وافق شن طبقة فقال الأكثرون أونهما قبيلتان فشن هو ابن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن بزار وطبقة حي من إياد وكانت طبقة لا تطاق فأوقعت بها شن فانتصفت منها. وقال بعضهم كان شن رجلًا من دهاة العرب وكان ألزم نفسه أن لا يتزوج إلا بامرأة تلزمته فكان يجيوب البلاد في ارتياد طلبته فصاحبه رجل في بعض أسفاره، فلما أخذ منهما السير قال له شن أتحملني أم أحملك فقال له الرجل يا جاهل وهل يحمل الراكب الراكب فأمسك وسارا حتى أتيا على زرع فقال له شن أترى هذا الزرع أكل أم لا فقال له يا جاهل أما تراه في سنبله فأمسك إلى أن استقبلتهما جنازة فقال له شن أترى صاحبها حيًا أم لا فقال له ما رأيت أجهل منك أتراهم حملوا إلى القبر حيًا ثم أنهما وصلا إلى قربة الرجل فصار به إلى منزله وكانت له بنت تسمى طبقة فأخذ يطرفها بحديث رفيقه فقالت له ما نطق إلا بالصواب ولا استفهمك إلا عما يستفهم عن مثله ذوو الألباب. أما قوله أتحملني أم أحملك فإنه أراد أتحدثني أم أحدثك حتى نطقع الطريق بالحديث. وأما قوله أترى هذا الزرع أكل أم لا فإنه أراد
[ ٤٢٩ ]
هل استسلف أربابه ثمنه أم لا. وأما استفهامه عن حياة صاحب الجنازة فإنه أراد به أخلف عقبًا يحيى ذكره به أم لا. فلما خرج إلى الرجل حدثه بتأويل ابنته كلامه فخطبها إليه فزوجه إياها فلما سار بها إلى قومه وخبروا ما فيها من الدهاء والفطنة قالوا وافق شن طبقة فسار مثلًا. وحكي أن الأصمعي سئل عن تفسير هذا المثل فقال أظن الشن وعاء من آدم كان قد استشن فلما اتخذ له غطاء وافقه ضرب فيه هذا المثل. وأما حدأة وبندقة فإنه يقال