أما صدر البيت الأخير من الأغنية الذي هو (فإن وصلًا الذُّ به فوصل) فإنه نظير قولهم المرء مجزيّ بعمله أن خيرًا فخيرٌ وإن شرًا فشرٌ وهذه المسئلة أودعها سيبويه كتابه وجوز في إعرابها أربعة أوجه أحدها وهو إجودها أن تنصب خبرًا الأول وترفع الثاني وتنصب شرًا الأول وترفع الثاني ويكون تقديره إن كان عمله خيرًا فجزاؤه خير وإن كان عمله شرًا فجزاؤه شر فتنصب الأول على أنه خبر كان وترفع الثاني على أنه خبر مبتدأ محذوف. وقد حذفت في هذا الوجه كان واسمها لدلالة حرف الشرط الذي هو أن على تقديرهما وحذفت أيضًا المبتدأ لدلالة الفاء التي هي جواب الشرط عليه لأنه كثيرًا ما يقع بعدها. والوجه الثاني أن تنصبهما جميعًا ويكون تقدير الكلام إن كان عمله خيرًا فهو يجزي خيرًا وإن كان عمله شرًا فهو يجزي شترًا فينتصب الأول على أنه خبر كان وينتصب الثاني انتصاب المفعول به. والوجه الثالث أن ترفعهما جميعًا ويكون تقدير الكلام إن كان في عمله خير فجزاؤه خير فيرتفع خبر الأول على أنه فاعل كان وتجعل كان المقدرة ههنا هي التامة التي تأتي بمعنى حدث ووقع فلا تحتاج إلى خبر كقوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ويكون التقدير في المسئلة إن كان خير ف جزاؤه خير أي يإن حدث خير فجزاؤه خير. والوجه الرابع وهو أضعفها أن ترفع الأول على ما تقدم شرحه في الوجه الثالث وتنصب الثاني على ما بين ذكره في الوجه الثاني ويكون التقدير أن كان في عمله خير فهو يجزي خيرًا وعلى
[ ٢٤٤ ]
حسب هذا التقدير والمقدرات المحذوفات فيه يجري إعراب البيت الذي غنى به. ومما ينتظم في هذا السلك قولهم المرء مقتول بما قتلب به إن سيفًا فسيفٌ وإن خنجرًا فخنجر (وإما الكلمة التي هي حرف محبوب أو اسم لما فيه حرف حلوب: فهي نعم إن أردت بها تصديق الأخبار أو العدة عند السؤال فهي حرف، وإن عنيت بها الإبل فهي اسم، والنعم تذكر وتؤنث وتطلق على الإبل وعلى كل ماشية فيها إبل، وفي الإبل الحرف وهي النّاقة الضامة، سميت حرفًا تشبيهًا لها بحرف السيف، وقيل إنه الضخمة تشبيهًا لها بحرف الجبل.
وأما الاسم المردد بين فرد حازم وجمع ملازم: فهي سراويل، قال بعضهم: هو واحد وجمعه سراويلات، فعلى هذا القول هو فرد. وكنى عن ضمه الخصر بأنه حازم. وقال آخرون: بل هو جمع واحده سروال مثل شملال وشماليل وسربال وسرابيل، فهو على هذا القول جمع. ومعنى قوله ملازم أي لا ينصرف، وإنّم لم ينصرف هذا النوع من الجمع وهو كل جمع ثالثه ألف وبعدها حرف مشدد أو حرفان أو ثلاثة أوسطها ساكن لثقله وتفرده دون غيره من الجموع بأن لا نظير له في الأسماء الآحاد. وقد كنى في هذه الأحجية عما لا ينصرف بالملازم كما كنى في التي قبلها عما ينصرف باللازم.
وأما الهاء التي إذا التحقت أماطت الثقل وأطلقت المعتقل: هي الهاء اللاحقة بالجمع المقدم ذكره كقولك: صيارفة وصياقلة، فينصرف هذا الجمع عند التحاق الهاء بها لأنها قد أصارته الى أمثال الآحاد نحو رفاهية وكراهية، فخف بهذا السبب وصرف لهذه العلة. وقد كنى في هذه الأحجية عما لا ينصرف بالمعتقل كما كنى في التي قبلها عما لا ينصرف بالملازم.
وأما السين التي تعزل العامل من غير أن تجامل: فهي التي تدخل على الفعل المستقبل وتفصل بينه وبين أن التي كانت قبل دخولها من أدوات النصب فيرتفع حينئذ الفعل وتنتقل أن عن كونها الناصبة للفعل الى أن تصير المخففة من الثقيلة، وذلك كقوله تعالى: علم أن سيكون منكم مرضى، وتقديره: علم أنه سيكون.
وأما المنصوب على الظرف الذي لا يخفضه سوى حرف: فهو عند إذ لا يجره غير من خاصة، وقول العامة ذهبت الى عنده لحن.
وأما المضاف الذي أخل من عرى الإضافة بعروة واختلف حكمه بين مساء وغدوة: فهو لدن، ولدن من الأسماء الملازمة للإضافة وكل ما يأتي بعدها مجرور به إلا غدوة فإن العرب نصبتها بلدن لكثرة استعمالهم إياها في الكلام ثم نوّنتها أيضًا ليتبين بذلك أنها منصوبة لا أنها من نوع المجرورات التي لا تنصرف. وعند بعض النحويين أن لدن بمعنى عند، والصحيح أن بينهما فرقًا لطيفًا وهو أن عند يشتمل معناها على ما هو في ملكك ومكنتك مما دنا منك
[ ٢٤٥ ]
وبعد عنك، ولدن يختص معناها بما حضرك وقرب منك.
وأما العامل الذي يتصل آخره بأوله ويعمل معكوسه مثل عمله: فهو يا، ومعكوسه أي، وكلتاهما من حروف النداء وعملهم في الاسم المنادى سيان وإن كانت يا أجول في الكلام وأكثر في الاستعمال، وقد اختار بعضهم أن ينادى بأي القريب فقط كالهمزة.
وأما العامل الذي نائبه أرحب منه وكرًا وأعظم مكرًا وأكثر لله تعالى ذكرًا: فهو باء القسم، وهذه الباء هي أصل حروف القسم بدلالة استعمالها مع ظهور فعل القسم في قولك: أقسم بالله، ولدخولها أيضًا على المضمر كقولك: بك لأفعلن، وإنما أبدلت الواو منها في القسم لأنهما جميعًا من حروف الشفة ثم لتقارب معنييهم لأن الواو تفيد الجمع والباء تفيد الإلصاق وكلاهما متفق والمعنيان متقاربان، ثم صارت الواو المبدلة من الباء أدور في الكلام وأعلق بالأقسام ولهذا ألغز بأنه أكثر لله تعالى ذكرًا. ثم إن الواو أكثر موطنًا من الباء لأن الباء لا تدخل إلا على الاسم ولا تعمل غير الجر، والواو تدخل على الاسم والفعل والحرف وتجر تارة بالقسم وتارة بإضمار رب وتنتظم أيضًا مع نواصب الفعل وأدوات العطف فلهذا وصفها برحب الوكر وعظم المكر.
وأما الموطن الذي يلبس فيه الذكران براقع النسوان وتبرز فيه ربات الحجال بعمائم الرجال: فهو أول مراتب العدد المضاف وذلك ما بين الثلاثة الى العشرة فإنه يكون مع المذكر بالهاء ومع المؤنث بحذفها، كقوله تعالى: سخره عليهم سبع ليال وثمانية أيام، والهاء في هذا الموطن من خصائص المؤنث كقولك: قائم وقائمة وعالم وعالمة، فقد رأيت كيف انعكس في هذا الموطن حكم المذكر والمؤنث حتى انقلب كل منهما في ضد قالبه وبرز في بزة صاحبه.
وأما الموضع الذي يجب فيه حفظ المراتب على المضروب والضارب: فهو حيث يشتبه الفاعل بالمفعول لتعذر ظهور علامة الإعراب فيهما أو في أحدهما، وذلك إذا كانا مقصورين مثل موسى وعيسى، أو من أسماء الإشرة نحو ذاك وهذا، فيجب حينئذ لإزالة اللبس إقرار كل منهما في رتبته ليعرف الفاعل منهما بتقدمه والمفعول بتأخره.
وأما الاسم الذي لا يفهم إلا باستضافة كلمتين أو الاقتصار منه على حرفين: فهو مهما، وفيها قولان: أحدهما أنها مركبة من مه التي هي بمعنى اكفف ومن ما، والقول الثاني، وهو الصّحيح، إن الأصل فيها م فزيدت عليها ما أخرى كما تزاد على أن، فصار لفظها ما ما فثقل عليهم توالي كلمتين بلفظ واحد فأبدلوا من ألف ما الأولى هاء فصارتا مهما. ومهما من أدوات الشرط والجزاء ومتى لفظت بها لم يتم الكلام ولا عقل المعنى إلا بإيراد كلمتين بعدها كقولك: مهما تفعل افعل، وتكون حينئذ ملتزمًا للفعل. وإن
[ ٢٤٦ ]
اقتصرت منها على حرفين وهما مه التي بمعنى اكفف فهم المعنى وكنت ملزمًا من خاطبته أن يكف.
وأما الوصف الذي إذا أردف بالنون نقص صاحبه في العيون وقوم بالدون وخرج من الزبون وتعرض للهون: فهو ضيف إذا لحقته النون استحال الى ضيفن، وهو الذي يتبع الضيف، وينزل في النقد منزلة الزيف.