وما أدراك ما القرع، ذو الفضل الذي انتشر، والذي كان يحبه سيد البشر، ﷺ، وشرف وعظم وكرم، كم فيه من حديث ورد، وخبر مقبول ورد. ففي الصحيح أنه ﷺ كان يتتبعه من حوالي الصفحة. وروى النسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (كان النبي ﷺ يحب القرع) وكفى بذلك تحفة. وفي حديث رواه الحافظ من المتقنين المبرزين (إذا طبختم قدرًا فأكثروا فيها من الدباء فإنه يشد قلب الحزين) . وفي حديث رواه أئمة البلاغ (عليكم بالقرع فإنه يزيد في الدماغ) بارد رطب في الدرجة الثالثة، دواء نافع من الأدواء العايثة العابثة، وهو أقل الثمار الصيفية مضرة، وأيسرها في المعدة لابثة، مذكور في المشهورين، ومشهور في المذكورين، وهو من طعام المحرورين، جيد لأصحاب الصفراء، ولأصحاب الكبد الحارة أصلح وأحرى، لم يداوى المبرسمون والمحررون بمثله صنعًا، ولا أعجل منه نفعًا، ولا أعظم منه وقعًا، يبرد ويطفي ويلين البطن، ويغفي ويسكن العطش واللهيب، وله في نفع الحميات نصيب، ومرقة الفروج المطبوخ في منعشة من الغثيات الناشئة
[ ٣٧ ]
من حدة الأخلاط الصفراوية في الحميات، وذا ضمد به شيء من الأورام الحادة بردها وأطفأها، وسواء في ذلك الدماغ والعين والنقرس وما سواها، وماؤه إذا شرب أو غسل به الرأس سكن الصداع، وينوم من يبس دماغه من مرض الزكام تقطيرًا في الأنف بلا نزاع، وإذا لطخ بعجين وشوي واستخرج ماؤه سكن حرارة الحمى الملتهبة، وقطع العطش، وحسن غذاؤه وان شرب بخيار شنبر وبنفسج مربى، أحدر صفرا محضة، وأزال كربا، وان كحل بمائه المذكور العينان اذهب عنهما صفرة اليرقان، وجرادة القرع إذا لطخ به الرأس سكن من الصداع، أو ضمدت به العين من الرمد الحاد سكن منه الأوجاع، أو الحمرة حصل لمادتها الإرداع، وماء قشر القرع إذا استعط به نفع من وجع الأسنان، أو قطر مع دهن ورد نفع الوجع الحاد في الآذان، وإذا طبخ القرع بالخل نقص من غلظه وانهضم، وكان اشد تطفية للصفراء والدم، وسو يقه نافع من السعال ووجع الحلق والصدر الصادرين حرًا، ومن الكرب الحادث من الصفراء، ودهن القرع نحو دهن البنفسج والنيلوفر جيد للحر والسهر، وهو مناجل الأدوية لتنويم المحمومين والمسلولين. كيف ما استعمله البشر، وإذا اكتحل بماء زهرة اذهب الرمد الحاد واقلعه، وقشر القرع اليابس إذ احرق وزر على الورم المنبعث قطعه، وإذا عجن والحالة هذه بخل وطلى به على البرص نفعه، وينفع من قروح الذكر والأعضاء اليابسة المزاج، وهو جيد لتطهير الصبيان ولحرق النار معجونا بسمن النعاج، وإذا قشر حبه ودق واستخرج منه الأدهان نفع وجع الأمعاء الحادة ووجع الآذان. ولب بزره ينفع من السعال الحاد المواد، ويرطب الصدر ويبرئ حدقة المثانة المتولدة من خلط حاد. ولو لم من فضله المبين إلا أنه
[ ٣٨ ]
داوى الله ﷿ به رسولا من أصفيائه المرسلين. قال تعالى: (فنبذناه بالعراء وهو سقيم، وأنبتنا عليه شجرة من يقطين) (١٤٤، ١٤٥الصافات) . وفيه يقول الشاعر:
وقرع تبدى للعيون كأنه خراطيم أفيال لطخن بذنجار
مررنا فعايناه بين مزارع فأعجب منا حسنه كل نظار
وقال آخر:
باكورة من قرعنا ناضر في كف حلو الدل بغداذ
كأنها كافورة أقبلت في خرق خضر من اللاذ