وقال فيه الصادق المصدوق وهو منبئ عن فضله ومعلم (أطيب الطيب وهو المسك) . رواه أبو سعيد الخدري.
ومن كلام العرب المأثور من قديم، ليس الطيب إلا المسك بالرفع على لغة تميم.
وقد طيب به رسول الله في حنوطه عند وفاته، وفضلت منه فضلة فأوصى علي ﵁ أن يحنط به تبركا بفضله فضالته.
وأوصى سليمان الفارسي ﵁ عند احتضاره أن يرش به البيت في أثر صحيح، وقال إنه تحضرني ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولكن يجدون الريح وكم روينا حديثا صحيحا جاء فيه ذكر المسك صريحًا.
ومن ذلك أنه شبه به دم الشهيد، وخلو ف فم الصائم، وجعل عليه المزيد وأن أنهار الجنة تفجر من تحت جباله.
وأن في الجنة مراغًا من المسك يتمرغ فيه كما يتمرغ فيه بهيم الدنيا في رماله وشبه لحاملها الجليس الصالح إما أن يحذيك أو تجد منه ريحا طيبة فأنت في الحالين رابح رائح رائح.
وقد أمر به رسول الله ﷺ الحائض إذا طهرت واغتسلت وقدمه على سائر أنواع الطيب لحكمة علمت ما جهلت، وذلك أنه في الدرجة الثانية من الحرارة التي اشتعلت وما اعتدلت، فهو يسرع إلى العلوق فإذا ألم بها الزوج جبلت.
ومن منافعه الطبية، ومحاسنه الطيبة
[ ٥ ]
أنه يطيب العرق ويسخن الأعضاء وينفع من الرياح الغليظة المتولدة في الأمعاء، ويقوي القلب ويسجع أصحاب المرة السوداء، وفيه من التو حسن تفريح، ومن السدد تفتيح ويصلح الأفكار، ويذهب بحديث النفس وما فيه من الاستنكار، ويقوي الأعضاء الظاهرة وضعا، والباطنة شربا، وناهيك بذلك نفعا ويعين على الباه وينفع من بارد الصداع، وإذا طلي به مع دهن الخيري رأس الإحليل أعان على سرعة الإنزال وكثرة الجماع، ويقوي الدماغ وينفع من جميع علله الباردة، ويبطل عمل السموم ونهش الأفاعي فيا لها من فائدة وهو جيد للغثي وسقوط القوة والخفقان، وللرياح التي تعرض للعين وفي سائر جسم الإنسان ويجلو البياض الرقيق من العين ويقويها وينشف رطوبتها من غير شين، ويعقل البطن ويزيل من الوجه الإصفرار وينفع من أوجاع البواسير الظاهرة طلاء عليها بالتكرار، وإذا استعمل للحرارة الغريزية قواها، وفي أدوية الحواس الأربع كلها ذكاها، وإذا خلط بالأدوية المسهلة كان أبلغ في إبقائها، وينفع من إضعاف الأدوية المسهلات وإذا حل في دهن البان وطلي به الرأس نفع من النزلات، وإذا أسعط به المفلوج وصاحب السكتة الباردة نبهه، وإذا حل في الأدهان المسخنة وطلي به فقار الظهر نفع من الجدري والفالج وما أشبهه، وأكثر نفعه للمشايخ والمرطوبين وخصوصًا في الأزمنة والبلدان القارة، ويصدع الشباب والمحرورين، ولاسيما في البلدان والأزمنة الحارة، ولعظم شأنه وعلو مكانه جبته الشعراء بالتنزيه ولم يشبهوه بشيء بل جعلوه أصلا للتشبيه، فشبهوا به لون المحبوب والخال، وكلما استطيب ريحه شبه به في الحال.
قال في اللون بعض من قال:
أشبهك المسك وأشبهته في لونه قائمة قاعدة
لا شك إذ لونكما واحده أنكما من طينة واحدة
وقال في الخال صاحب شغل الحال
[ ٦ ]
بدا في خده المحمر خال تحير فيه ألباب الرجال
فقلت أليس ذا قلبي أبيس وذاك المسك من بعض دم الغزال
وأبدع أبو الطيب في تشبيهه حيث قال في تعظيم ممدوحه وتنويهه
رأيتك في الذي نرى ملوكا كأنك مستقيم في محال
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
وقال السروجي
في الجانب الأيمن من خدها نقطة مسك أشتهي لثمها
حسبتها لما نرى خالها وجدته من حسنه عمها
وقال ابن عبد الظاهر
عنبري يروقني الفجر منه ولكم فاق عاشق تفريكه
كلما قلت خاله المسك قال المسك حاشاه إنني مملوكه
وقال آخر
لا عجب أن مال من نشوة فريقه صهباء سلسال
وكيف لا تنسب أنفاسه للطيب والمسك له خال
ثم رأيت بعض الشعراء شبهه بالشباب، وذلك يدل على تميزه عند أولي الألباب. قال وجيه الدين أبو الحسن بن عبد الكريم المناوي رحمه الله تعالى
المسك أنفس طيب مثل الشباب وزينه
حكاه ظرفا وحسنا وفي شذاه ولونه
إن كان للطيب عين=فالمسك إنسان غيره وقال آخر
للمسك فضل على الطيب إذا أراد احتكاما
يكفيه أن راح في الخلد فاللرحيق ختاما