والاستظهار على البرد والثلج بالشرب
من أحسن ما قيل فيه قول ابن المعتز:
[ ٤٥ ]
جادَ الزمانُ بشمألٍ وصَبا يلقاهما المقرورُ بالضِدِّ
فازمْ قرارَك لا تكن شرِهًا تشقى بطولِ السعي والكدِّ
إن الكبيرَ تقله سَحَرًا ترياقُ لسعِ عقاربِ البَرْدِ
وكتب الصاحب إلى بعض ندمائه في يوم ثلج: كتبت والدنيا كقطعة كافور والدر ينثر، والكؤوس تدور. والراح ياقوت أحمر ونحن بين أطباق البرد فيما نستغيث منه إلى حر الراح وسورة الأقداح. وهي خير من كل شعر ووبر.
ومن أحسن ما قيل في الشرب على الثلج قول الصنوبري:
ذَهِّبْ كؤوسَك يا غلامُ فإنهُ يومٌ مفضَّضْ
والجوُّ يجلى في الريا ض وفي حليّ الدُّرِ يُعْرَضْ
وردُ الربيعِ مُلَوَّنٌ والوردُ في كانونَ أبيضْ
[ ٤٦ ]
ومثله في الحسن قول الصاحب:
هاتِ المدامةَ يا غلامُ معجلًا فالنفسُ في أيدي الهوى مأسورَهْ
أو ما ترى كانونَ ينثر وردَه فكأنما الدنيا به كافورَهْ
وأحسن منه قوله وإن لم يكن فيه ذكر الشراب:
أقبلَ الجوُّ في غلائلِ نور وتهادى بلؤلؤ منثورِ
فكأن السماءَ صاهرتِ الأرضَ فصارَ النثارُ من كافورِ
وأجاد في وصف الثلج كشاجم حيث قال:
الثلجُ يسقط أم لجينٌ يُسْبَكُ أم ذا حصى الكافورِ ظَلَّ يُفَرَّكُ
ضحكتْ به الأرضُ الفضاءُ كأنما في كُلِّ ناحيةٍ بثغركَ تضحكُ
وتزيِّن الأشجارُ منه ملاءةً عما قليل بالرياحِ تُهَتَّكُ
شابتْ مفارقُها فَبَيَّنَ شيبها طربًا وعهدًا بالمشيب يُنَسِّكُ
فاليومُ يومُ نزاهةٍ ولذاذةٍ سَيُطَلُّ فيه دمُ الدنانِ ويُسْفَكُ
والغيمُ من أرجِ الهواءِ كأنه ثوبٌ يعصفرُ مرةً ويُمَسَّكُ
وقال أبو بكر الروز باري أنشدني أبو منصور المهلبي:
ما لابن هَمٍّ سوى شربِ ابنةِ العنبِ فهاتِها قهوةً فراجةَ الكُرَبِ
أدهقْ كؤوسَك منها واَسقني طربًا على الغيومِ فقد جاءتْكَ بالطربِ
[ ٤٧ ]
أما ترى الأرضَ قد شابتْ مفارقُها مما نثرنَ عليها وهْيَ لم تشبِ
راحتْ مفضضةَ الحافاتِ قد لَبستْ بيضًا من الحللِ الديباجةِ القُشُبِ
جادَ الزمانُ بدمعٍ كاللجينِ جرى فجدْ لنا بالتي في اللونِ كالذهبِ
وأنشدني أبو الفتح البستي لنفسه:
كم نظمنا عقودَ أنسٍ وقصفٍ وجعلْنا الزمانَ للهو سِلْكا
وفتقنا الدنانَ في يومِ ثلجٍ عزلَ الكأسُ فيه رشدًا ونسكًا
فكأنّ الزمانَ ينخل كافو رًا علينا ونحنُ نعبقُ مِسكا
وما أنسى قول المهلبي في ثلج ربيع وهو في نهاية الإعجاب والإطراب ومن أليق الأشعار في هذا المكان:
الوردُ بين مضمخٍ ومضرّجِ والزهرُ بين مكلَّلٍ ومُتَوَّجِ
والثلجُ يسقطُ كالنثارِ فقمْ بنا نلتذُّ بابنةِ كرمةٍ لم تُمْزَجِ
طلع النهارُ ولاحَ نورُ شقائقٍ وبدتْ سطورُ الورد بين بنفسجِ
فكأن يومَك في غلالةِ فضةٍ والنوْرُ من ذهبٍ على فيروزجِ