فاسد المزاج يحتاج إلى العلاج ".
وكان المأمون يقول: " أغلظ الناس طبعًا، من لم يكن ذا صبوة ".
وقال علي بن عبيدة: " الربيع جميل الوجه، ضاحك السن، رشيق القد، حلو الشمائل، عطر الرائحة، كريم الأخلاق ".
وقال آخر: الربيع شباب الزمان، ونسيمه غذاء النفوس، ومنظره جلاء العيون.
وقال آخر: قد زارنا حبيب، من القلوب قريب وكله حسن وطيب.
وقال آخر: تبلج عن وجه بهج، وخلق غنج، وروض أرج، وطير مزدوج.
وقال آخر: مرحبًا بزائر وجهه وسيم، وفضله جسيم، وريحه نسيم.
وقال آخر: تنفس الربيع عن أنفاس الأحباب، وأعار الأرض أثواب الشباب، أذال الربيع أثواب الحرير، وعبرت أنفاسه عن العبير، سحاب الربيع ماطر، وترابه عاطر.
فصل
في ذلك نظمًا
[ ١٦ ]
أحسن ما قيل في وصف الربيع وأكثره إطرابًا قول سعيد بن حميد:
طلعتْ أوائيلُ الربيع فبشرَتْ نَوْرَ الرياضِ بجدةٍ وشبابِ
وغدا السحابُ لذاك يسحَبُ في الثرى أذيالَ أسحمَ حالكِ الجلبابِ
يبكي فيضحكُ نَوْرُهُنَّ فيا له ضحكًا تَوَلَّدَ عن بكاءِ سحابِ
فترى السماءَ إذا أَسَفَّ ربابُها فكأنها كسيتْ جناحَ غرابِ
وترى الغصونَ إذا الرياحُ تناوحت ملتفةً كتعانقِ الأحبابِ
وأحسن منه قول البحتري:
أتاك الربيعُ الطلقُ يختالُ ضاحكًا من الحسنِ حتى كادَ أن يتكلما
وقد نبه النيروزُ في غسِق الدجى أوائلَ ورد كنَّ بالأمس نُوِّما
يفتقُها بردُ الندى فكأَنَّه يبثُّ حديثًا كانَ قبلُ مكتَّما
فمن شجرٍ رَدَّ الربيعُ لباسَه عليه كما نَشَّرْتَ وَشْيًا مُنمنما
أحلَّ فأبدى للعيونِ بشاشةً وكان قذىً للعين إذا كانَ محرما
[ ١٧ ]
ورقَّ نسيمُ الريح حتى حسبتَه يجيءُ بأنفاسِ الأحبَّةِ نعما
وأحسن منه قول ابن المعتز:
اسقني الراحَ في شبابِ النهار وأنِف هَمي بالخندريس العُقارِ
ما ترى نعمةَ السماءِ على الأرضِ وشكرَ الرياضِ للأمطارِ
قد تولتْ زُهرُ النجومِ وقد بشَّرَ بالصبحِ طائرُ الأسحارِ
وغناءَ الطيورِ كلَّ صباح وانفتاقَ الأشجارِ بالأنوارِ
وكأن الربيعَ يجلو عروسًا وكأنَّا من قَطْرِه في نثارِ
وقد أحسن وأطرب ابن المعتز:
أما ترى الأرضَ قد أعطتْك زهرتَّها مخضرةً واكتسى بالنَّوْرِ عاريها
فللسماءِ بكاءٌ في حدائِقها وللرياض ابتسامٌ في نواحيها
وأطرب وأملح محمد بن سليمان المخزومي حيث قال:
نيسانُ وقتُ مسرةِ الإِنسانِ وأوانُ طيبِ الراحِ والرَّيْحانِ
شهرٌ له بنسيمهِ ونعيمِه صفةٌ تحاكي جنةَ الرضوانِ
وقال الصنوبري في تفضيل الربيع على سائر الفصول:
[ ١٨ ]
إن كان في الصيف أثمارٌ وفاكهة فالأرضُ مستوقدٌ والحَرُّ تنورُ
وإن يكنْ في الخريفِ النخلُ مخترفًا فالأرض عُريانةٌ والأفقُ مَقْرورُ
ما الدهرُ إلا الربيعُ المستنيرُ إذا جاءَ الربيع أتاكَ النَّوْرُ والنُّورُ
فالأرضُ ياقوتةٌ والجوُّ لؤلؤةٌ والنبتُ فيروزجٌ والماءُ بلورُ
تبارك اللهُ ما أحلى الربيعَ فلا تُغْرَرْ فَقائِسُه بالصيفِ مغرورُ
من شمَّ ريحَ تحياتِ الربيعِ يقلْ لا المسكُ مسكٌ ولا الكافورُ كافورُ
وقد ملح المُعَوّجُ الرَّقي حيث قال من أبيات:
طابَ هذا الهواءُ وازدادَ حتى ليس يزدادُ طيبُ هذا الهواءِ
ذهبٌ حيثما ذهْبنا ودُرُّ حيث دُرنا وفضة في الفضاءِ
وقلت في الصبا:
أظُنُّ ربيعَ العامِ قد جاءَ تاجرًا ففي الشمسِ بزّازًا وفي الريح عطّارا
وما العيشُ إلا أن تواجهَ وجهَه وتقضي بين الوشِي والمسكِ أوطارا
وقال مؤلف الكتاب في شتقان أجل منتزهات نيسابور
[ ١٩ ]
غفر الله له:
ولما نزلْنا بشتقان التي غدت وراحتْ بجناتِ الربيعِ تُشَبَّهُ
وقد برزتْ شجْراتها في ملابسٍ ربيعيّةٍ تحوي مدى الأنسِ كُلَّهُ
وعارضَنا ماءٌ يروقُ مصندَلٌ ووجهنا وردٌ يشوقُ موجَّهُ
وقهقهَ رعدٌ في السماءِ مجلجلٌ وفي الأرضِ إبريقُ المدامِ يُقهقِهُ
وغنى مغني العندليبِ كأنما يجاوبُه في حلفِه مزهرٌ له
تنزهَ سمعي ما أرادَ وناظري وقلبي مع الإِخوان لا يتنزَّهُ