القصيرة المحمودة والمشكورة
سئل الحسن بن وهب عن ليلة فقال: كانت والله ليلة رقد الدهر عنها، وطلعت سعودها، وغاب عذالها.
وقال أيضًا: شربت البارحة على عقد الثريا، ونطاق الجوزاء، فلما انتبه الصبح، نمت فلم أستيقظ إلا بعد أن لبست قميص الشمس.
ووصف غيره ليلة فقال: كانت والله فضية الأديم، مسكية النسيم، معطرة بأنفاس الحبيب، مهنأة بغيبة الرقيب.
وقال أبو الحسن بن طباطبا:
يا رُبَّ ليلٍ خلوتُ فيه بمنْ يقصرُ عن وصفِ كنهِ وجديَ بِهْ
ليلٌ كبُرْدِ الشبابِ حالكهُ نعمتُ في ظِلِّه وفي طِيبِهْ
وقال أيضًا وأبدع وأطرف:
وليلةٍ قد غيبتْ نحسَها ووفرتْ حظّيَ مِنْ سَعدِها
كأنها طرَّةُ فتانةٍ دعجاؤها سوداءُ من جعدها
[ ٤٩ ]
قصيرةٌ قَصَّرَها طيبُها كأنها عمريَ مِنْ بعدِها
وله أيضًا في معنى مقتبس من القرآن العظيم وأجاد جدًا:
وليلةٍ مثلِ أمرِ الساعة اشتبهتْ حتى تقضَّتْ ولمْ تشعرْ بها قِصَرا
ما يستطيعُ بليغٌ وصفَ سرعتِها فاتتْ ولم تعتلقْ وهمًا ولا خَطَرا
يريد قول الله تعالى: " وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ".
وللإمام إبراهيم بن العباس الصولي في وصف الليالي قصرًا:
وليلةٍ من حسناتِ الدهرِ قابلتُ فيها بدرهَا ببدري
لم تكُ غيرَ شفقٍ وفجْرِ حتّى تولتْ وهي بكرُ العُمْرِ
وقد حذا حذوه ابن المعتز فقال:
وليلةٍ من الليالي الزهرِ سريتُ فيها بخيولٍ شُقْرِ
سياطُها ماءُ السحابِ الغرِّ وشادنٌ ضعيفُ عقدِ الخَصرِ
يمضي بموجٍ ويجي ببدرِ في صدغِه عقاربٌ لا تسري
من سبَج قد قيدَتْ بالعطرِ يا ليلةً سرقتُها منْ عُمْري
[ ٥٠ ]
ومن مطربات لياليه قوله:
كم ليلةٍ شغلَ الرقادُ عذولَها عن راقدَيْنِ تواعدا للقاءِ
ما راعنا تحتَ الدجى ليلًا سِوى شبهِ النجومِ بأعينِ الرقباءِ
وقوله:
يا ليلةً ما كان أطيبَها سوى قصرِ البقاءْ
أحييتُها فأمتُّها وطويتُها طيَّ الرداءْ
حتَى رأيتُ الشمَ تتلو البدرَ في أفق السماءْ
وكأنها وكأنه قَدَحانِ من خمر وماءْ
وقوله:
لا تَلْقَ إلا بليلٍ من تواصُله فالشمسُ تمَّامةُ والبدرُ قَوَّادُ
كم عاشقٍ وظلامُ الليل يسترُه لاقى أحبتَه والناسُ رُقَّادُ
وزعم ابن جني أن المتنبي أخذ مصراع البيت الأول في قوله الذي هو من وسائط قلائده وهو:
أزورُهمُ وسوادُ الليل يشفعُ لي وأنثني وبياضُ الصبحِ يُغْري بي
[ ٥١ ]
ومن مطربات أبي فراس الحمداني:
يا ليلةً لستُ أنسى طيبَها أبدًا كأن كُلَّ سرورٍ حاضرٌ فيها
وقوله:
يا ليلُ ما أغفلُ عما بي حبائبي فيك وأحبابي
يا ليلُ نام الناسُ عن موجعٍ ناءٍ على مضجعِه نابي
هبتْ لنا ريحٌ شآمِيَةٌ مَدَّتْ إلى القلب بأسبابِ
أدتْ رسالاتِ حبيب بها فهمتُها مِنْ بينِ أصحابي
وكان الصاحب يستحسنها ويكثر الإعجاب بها. ومن مطربات السري قوله:
كستكَ الشبيبةُ ريْعانَها وأهدتْ لك الراحُ رَيْحانها
فدمْ للنديمِ على عهدِه وغادِ المدامَ وندمائها
سكرتُ بقطربُّلٍ ليلةً لهوتُ فغازلتُ غزلانها
وأيُّ ليالي الهوى أحسنتْ إليَّ فأنكرتُ إحسانها؟
ومن مطربات الخالدي قوله:
[ ٥٢ ]
رُبَّ ليلٍ فضحتُه بضياءِ الراحِ حتى تركتُه كالنهارِ
بتُّ أجلو فيه شموسَ وجوهٍ حملتْ في الدُّجى وجوهَ عقارِ
ومن مطربات ابن المعتصم الأنطاكي قوله:
وليلٍ كأنَّ نجومَ السماء به مُقَلٌ رَنَّقَتْ للهجوعْ
ترى الغيمَ من دونِها حاجبًا كما احتجبتْ مقلةٌ بالدموعْ
ومن مطربات الصنوبري قوله:
يا ليلةً طلعتْ بأحسنِ طالعِ تاهت على ضوءِ النهارِ الطالعِ
بمحاسن مقرونةٍ بمحاسنٍ وبدائعٍ مقرونةٍ ببدائعِ
ضوءُ الشُموس وضوءُ وجهِك مازجًا ضوءَ العقارِ وضوءَ برقٍ لامعِ
فكأنما ألقى الدجى جلبَابَه وأراك جلبابَ النهارِ الساطعِ
وقال مؤلف الكتاب رحمه الله تعالى:
يا ليلةً كالمسكِ مخبرُها كذاك في التشبيهِ منظرُها
أحييتُها والبدرُ يخدمني والشمسُ أنهاها وآمُرُها
وقال:
[ ٥٣ ]
هذه ليلة لها بهجةُ الطاووسِ حسنًا واللونُ لونُ الغدافِ
رقدَ الدهرُ فانتبهنا وسارقناهُ حظًا من السرور الصافي
بمدامِ صافٍ وخِلٍّ مصافِ وحبيبٍ وافٍ وسعدٍ موافِ