قال أبو حية، واسمه الهيثم بن الربيع بن زُرارة بم كبير بن جناب بن كعب بن مالك بن عامر بن نُمير بن عامر بن صعصعة، وكان مجنونًا يُصرع:
لعلَّ الهوى إنْ أنتَ حيَّيْتَ منزِلًا بأكبادَ مُرتدٌّ عليكَ عقابِلُهْ
محتْهُ الرياحُ الهُوجُ يَحْننَّ بالحصى ونَوءُ الثريّا الجَودُ منهُ ووابلُهْ
عفا غيرَ أُخدودَيْنِ جَرَّ عليهِما جدى كلِّ دَلْوِيٍّ تُجَنُّ أصائلُهْ
فلمّا سألتُ الرَّبْعَ أينَ تيمَّمَتْ نوى الحيّ لم ينطقْ وضُلِّلَ سائلُهْ
وكنتُ إذا خُبِّرْتُ أنَّ مُكَلَّفًا بكى أو تَعنّاهُ عِدادٌ يُماطلُهْ
منَ الحُبِّ زَرَّفتُ المُحبَّ فقد بكا فؤادي حتى أسلمتْهُ عواذلُهْ
كأنَّ فؤادي طائرٌ في حِبالةٍ رأى غيَّهُ لمّا اعْتفَتْهُ حبائلُهْ
عشيّةَ رَدَّ الحيُّ بُزْلًا يَزِينُها تمامٌ ونَيٌّ طارَ عنهُ خمائلُهْ
عقائلُ ما منهنَّ إلاّ عَدَبَّسٌ ذرى شوكُهُ أو فاطرُ النابِ باقلُهْ
ومرْتٍ إذا أمسى بهِ القومُ أعظمَتْ مَخاقَتَهمْ أهوالُهُ وغوائلُهْ
تأوّلتُ آياتٍ بهِ ورمَيْنَهُ بمِردى سِفارٍ ابنُ عامَيْنِ بازلُهْ
بأتلعَ فَعْمِ المنكبَيْنِ تقابلَتْ عليهِ المهارى أروعُ القلبِ جاهلُهْ
إذا قلتُ جاهٍ لَجَّ حتى يرُدَّهُ مِراسٌ ومكِيٌّ تأوَّبَ جادِلُهْ
كأنّي ورَحلي فوقَ جأبٍ خلا لهُ وإلفَيْهِ جَنْبا صارةٍ فجُلاجِلُهْ
رِباعٍ نفى عنها وعنهُ جِحاشَها فما هنَّ إلاّ مُلْمِعاتٍ قَتائلُهْ
شهورَ الندى حتى إذا هاجَ ناصلٌ عليهِ ورامَتْهُ بصُرْمِ حَلائلُهْ
[ ٣٠٩ ]
غدا في ثلاثٍ مُرْبِعًا لاحقَ الحشا إذا هو أمسى راجعَتْهُ أفاكِلُهْ
فظلَّ بآرامَ النُّوَيْرِ كأنّهُ رَبِيئةُ قومٍ خائفُ القلبِ واجلُهْ
فلمّا رأيْنَ الليلَ جِنْحًا وقدْ بدا لها ولهُ الأمرُ الذي هو فاعلُهْ
تيمَّمَ عَينًا من أُثالَ رَوِيّةً عليها أخو بِيدٍ شديدٍ خصائلُهْ
يُعَشِّرُ في تَقريبِهِ وإذا انتحى عليهنَّ من قُفٍّ أرنَتْ جَنادلُهْ
وأوقدْنَ نيرانَ الحُباحِبِ والتقى حصىً يتراقى بينهنَّ ولاوِلُهْ
إذا قلنَ كلاّ قالَ والنَّقْعُ ساطعٌ بلى وهْوَ واهٍ بالجِراءِ أباجلُهْ
وإنْ أسهلَ اسْتَتْلَيْنَ نَقعًا كأنّهُ شَماطيطُ كتّانٍ تطيرُ رَعابلُهْ
فأوردَها والليلُ نَصفانُ بعدَما علاها حميمٌ ما رعَتْهُ شُلاشِلُهْ
يرَيْنَ نجومَ الليلِ فيها كأنّها مصابيحُ مِحرابٍ تُذَكّى قنادلُهْ
وفي الجانبِ الأدنى الذي ليس ضربةً برمحٍ بلى حَرّانُ زُرقٌ مَعابلُهْ
مُطِلٌّ بمَنحاةٍ لهُ في شِمالِهِ رَنينٌ إذا ما حرَّكتْها أناملُهْ
فَصَوَّبْنَ أعنانًا وأدنَيْنَ أذرُعًا إليهنَّ والجَرْع انتهازًا تُداخلُهْ
رمى العَيرُ أذْناهُ على الفُقْرةِ التي تَليهِ وأدنى النَّجْبِ منهُ مَقاتلُهْ
فمَرَّ تُحَيْتَ المَرفقَيْنِ وصدَّهُ عنِ الجَوفِ إنْ لمْ يلقَ حتفًا يُعاجلُهْ
فيا لكَ إخطاءً ويا لكَ جَولةً ويا لكَ شدًّا يَعْبِطُ الأكْمَ وابِلُهْ
كما انقضَّ دَرِيٌّ على مُتَعَفْرِتٍ رجيمٍ تَدرَّى وحيَ سمعٍ يُخائلُهْ
أذلكَ أمْ ذَبُّ الرِّيادِ خلا لهُ لوىً وكثيبٌ مُزْبَئِرٌّ خمائلُهْ
رعى الخَطراتِ الحُوَّ فرْدًا كأنّهُ حسامٌ جلا أطباعَ مَتْنَيْهِ صاقِلُهْ
طَباهُ عنِ الأُلاّفِ أيامُ سَلوةٍ يُناطحُ فيها ظِلَّهُ ويُخائِلُهْ
إذا رَيْدَةٌ من حيثُ ما نفحَتْ لهُ أتاهُ برَيّاها خليلٌ يُواصلُهْ
غدا والندى يَنصبُّ عنهُ كأنّهُ فريدُ العذارى ضيَّعَ السِّلْكَ ناصِلُهْ
وقال أبو حية أيضًا يذكر النِّشّاش، وهو ماء أكثره لنُمير ومن معهم من أفناء قيس:
ألا حيِّ من أجلِ الحبيبِ المَغانيا لبِسنَ البلى مما لبسْنَ اللياليا
وبُدِّلنَ أُدْمانًا وبدِّلْنَ باقرًا كبِيضِ الثيابِ المَرْوَزِيّةِ جازِيا
كأنَّ بها البَردَيْنِ أبلاقَ شِيمةٍ بُنِينَ إذا أشرفْنَ تلكَ الروابيا
نظائرُ أُلاّفٌ تَشِيعُ وتلتقي كما لاقتِ الزُّهْرُ العذارى العَذاريا
كما خَرَّ في أيدي التلاميذ بينَهمْ حصى جوهرٍ لاقَيْنَ بالأمسِ جالِيا
خبأنَ بها الغُنَّ الغِضاضَ فأصبحَتْ لهنَّ مَرادًا والسِّخالَ مَخابيا
وما بدَلٌ من ساكنِ الدارِ أن ترى بأرجائِها القصوى النعاجَ الجوازيا
تحمَّلَ منها الحيُّ وانصرفَتْ بهمْ نوىً لم يكنْ منْ قادَها لكَ آوِيا
فإنْ أكُ ودّعتُ الشبابَ فلمْ أكنْ على عهدِ إذْ ذاكَ الأخلاء زاريا
حَناكَ الليالي بعدَ ما كنتَ مرّةً سَوِيَّ العصا لو كنَّ يُبقينَ باقيا
إذا ما تقاضى المرءَ يومٌ وليلةٌ تقاضاهُ شيءٌ لا يمَلُّ التَّقاضيا
وإنّي لَمِمّا أنْ أُجَشِّمَ صُحبَتي ونفسيَ والعيسَ الهمومَ الأقاصيا
وإني لَينْهاني عنِ الجهلِ إنّني أرى واضحًا منْ لِمَّتي كانَ داجيا
وطُولِ تَجاريبِ الأمورِ ولا أرى لذي نُهيَةٍ مثلَ التَّجاريبِ ناهيا
وهَمٍّ طرى من بعدِ ليلٍ ولا ترى لهَمٍّ طَرا مثلَ الصَّريمةِ قاضيا
وجَدّاءَ مِجْرازٍ تَخالُ سرابَها إذا اطَّردَ البيدُ السِّباعُ العواديا
عميقةِ بينَ المنهلَيْنِ دليلُنا بها أن نؤمَّ الفرقدَ المُتصابيا
إذا الليلُ غشّاها كسورًا عريضةً تغنَّتْ بها جِنُّ الخلاءِ الأغانيا
قطعتُ إلى مجهولِ أخرى أنيسَها بخُوصٍ يُقلِّبْنَ النِّطافِ الهَواميا
[ ٣١٠ ]
نَشُجُّ بهنَّ البِيدَ أمًّا وتارةً على شرَكٍ نرمي بهنَّ المَراميا
إذا قالَ عاجٍ راكبٌ زلجَتْ بهِ زَليجًا يُداني البرزخَ المُتماديا
فداءٌ لركْبٍ من نُميرٍ تداركوا حنيفةَ بالنِّشّاشِ أهلي ومالِيا
أصابوا رجالًا آمنينَ وربّما أصابَ بريئًا حُرْمُ منْ كانَ جانيا
فلمّا سعى فينا الصريخُ وربّما بلبَّيْكَ أنجدْنا الصريخَ المُناديا
ركِبْنا وقدْ جدَّتْ جَدادِ ولا ترى منَ القومِ إلاّ مُحْمِشَ الجَرْدِ حامِيا
نَزائعَ من أولادِ أعوجَ قلّما تَزالُ إلى الهَيجا صباحًا غواديا
بأُسدٍ على أكتافِهنَّ إذا عصوا بأسيافِهمْ كانوا حتوفًا قواضيا
وما يأتلي منْ كانَ منّا وراءَنا لحاقًا وما نحنو لمنْ كانَ تاليا
فلمّا لحقْناهمْ شددْنا ولمْ يكنْ كِلامٌ وجرَّدْنا الصَّفيحَ اليَمانيا
هوى بينَنا رِشْقانِ ثُمّتَ لمْ يكنْ رِماءٌ وألقى القوسَ من كانَ راميا
وكانَ امتِصاعًا تحسِبُ الهامَ تحتَهُ جنى الشَّرْيِ تُهويهِ السيوفُ المهاويا
فدُرْنا عليهم ساعةً ثمَّ خبَّبوا عباديدَ يعدُونَ الفِجاجَ الأقاصيا
وأسيافُنا يُسْقِطْنَ من كلِّ مَنكِبٍ وحبلٍ ويُذْرِينَ الفَراشَ المَذاريا
فلمّا تركْناهمْ بكلِّ قَرارةٍ جُثىً لمْ يُوارِ اللهُ منها المَعاريا
رجعْنا كأنَّ الأسْدَ في ظلِّ غابِها ضرَجْنا دمًا منها الكُعوبَ الأعاليا
شكَكْنا بها في صدرِ كلِّ منافقٍ نَوافذَ يَنْشَحْنَ العروقَ العواصيا
ترى الأزرقِيَّ الحشْرَ في الصَّعدةِ التي وفى الدِّرعُ منها أربعًا وثمانيا
تصيدُ بكفَّيْ كلِّ أروَعَ ماجدٍ قلوبَ رجالٍ مُشْرِعينَ العواليا
وكنّا إذا قيلَ اظْعَنوا قد أُتيتُمُ أقمنا ولم يُصبِحْ بنا الظعنُ غاديا
بِحَيِّ حِلالٍ يَرْكزونَ رماحَهمْ على الظلْمِ حتى يصبحَ الأمنُ داجيا
جديرونَ يومَ الروعِ أنْ نخضِبَ القَنا وأن نتركَ الكبشَ المُدَجَّجَ ثاويا
وإنْ نِيلَ منّا لمْ نلعْ أن يُصيبَنا نوائبُ يلقَيْنَ الكريمَ المُحاميا
ونحنُ كفَيْنا قومَنا يومَ ناعتٍ وجُمْرانَ جَمعًا بالقنابلِ بارِيا
حنيفةَ إذْ لم يجعلِ اللهُ فيهمِ رشيدًا ولا منهمْ عنِ الغيِّ ناهيا
أتَوْنا وهمْ عَرْضٌ وجئنا عصابةً فذاقوا الذي كنّا نُذيقُ الأعاديا
ضربْناهمُ ضربَ الجنابى على جِبىً غرائبَ تغشاهُ حِرارًا صَواديا
بأسيافِ صدقٍ في أكُفِّ عصابةٍ كرامٍ أبَوا في الحربِ إلاّ تأسِيا
ترى المَشْرَفِيَّ العَضْبَ ضُرِّجَ مَتنُهُ دمًا صارَ جَونًا بعدما كانَ صافيا
كأنَّ اليدَ استَلَّتْ لنا في عَجاجةٍ لنا ولهم قرنًا من الشمسِ ضاحيا
إذا ما ضربْنا البَيضَ والبَيضُ مُطبَقٌ على الهامِ أدركْنَ الفِراخَ اللَّواطيا
ورأسٍ غزانا كيْ يصيبَ غنيمةً أتانا فلاقى غيرَ ما كانَ راجيا
هذَذْنا القفا منهُ وقدْ كانَ عاتيًا بهِ الكِبْرُ يُلوي أخدَعَيْهِ الملاوِيا
ضربْناهُ أمَّ الرأسِ أو عَضَّ عندَنا بساقَيْهِ حِجْلٌ يتركُ العظمَ باديا
وإنّا لنُنْضي الحربُ منّا جماعةً وكعْبًا لنا والحمدُ للهِ عاليا
وإنّي لا أخشى وراءَ عشيرَتي عدوًّا ولا يخشوْنَهُ من ورائيا
أبى ذاكَ أنّي دونَ أحسابِ عامرٍ مِذَبٌّ وإنّي كنتُ للضَّيمِ آبيا
وإنّي من القومِ الذين ترى لهمْ سِجالًا وأبوابًا تُفيضُ المقاريا
إذا الناسُ ماجُوا أو وزنْتَ حُلومَهمْ بأحلامِنا كنّا الجبالَ الرواسيا
وبالشِّعْبِ أسْهَلْنا الحضيضَ ولمْ نكنْ بشِعبِ الصَّفا ممّنْ أرادَ المخابيا
أتيْنا معَ ابنِ الجَونِ وابنَيْ مُحرِّقٍ مَعَدٌّ يسوقونَ الكِباشَ المَذاكيا
بنو عُدَسٍ فيهمْ وأفناءُ خالدٍ قُرومٌ تَسامى عزّةً وتَباغيا
[ ٣١١ ]
لَقُونا بدُفّاعٍ كأنَّ أتِيَّهُ أتِيُّ فُراتيٍّ يدُقُّ الصواريا
فلمّا رمَيْناهمْ بكلِّ مؤزَّرٍ بغُضْفٍ تَخيَّرْنَ الظُّهارَ الخوافيا
على كلِّ عِجزٍ من رَكوضٍ ترى لها هِجارًا يُقاسي طائفًا مُتعاديا
مشَيْنا إليهمْ في الحديدِ كأنّنا قياسِرُ لاقَتْ بالعَنِيّةِ طالِيا
إذا نحنُ لافَفْناهمُ أخذتْهمُ مَخاريقُ لا تُبقي منَ الروحِ باقيا
وقال أبو حيّة أيضًا:
حيِّ الديارَ عِراصُهُنَّ خَوالِ بحَمادِ ساقَ رسومُهنَّ بَوالِ
مُحتلُّ أحْوِيَةٍ عليهمْ بهجةٌ بسواءِ مُشْرِفةٍ بهمْ مِحْلالِ
فقَأوا بها أُنُفَ الربيعِ وفقَّأوا فيها سَوابيَ ما تجِفُّ سِخالِ
فترى المِئينَ منَ العشائرِ حولَهمْ وترى مُسَدَّمةً قُرومَ جِمالِ
فإذا غشيْتَهمُ سمعتَ هوادرًا وصَواهلًا ورأيتَ أحسنَ حالِ
وترى بأفنيةِ البيوتِ مَصنونةً جُرْدًا يَجُلْنَ معًا بغيرِ جِلالِ
كانوا بها فتقسَّمتْهمْ نِيّةٌ شَعواءُ ليسَ زِيالُها كزِيالِ
قذفَتْهمُ فِرَقًا فمنهمْ راكنٌ ومُؤَوِّبٌ لهواكَ غيرَ مُبالِ
يا دارُ وَيْبَكِ ما لعهدِكِ بعدَنا أأتى عليكِ تَجرُّمُ الأحوالِ
إنْ كانَ غيّرَكِ الزمانُ فلا أرى بملاكِ غيرَ خوالدٍ أمثالِ
سُفْع المناكبِ قدْ كُسِينَ مَعرّةً من قَدرِ منزلةٍ بغيرِ جِعالِ
فلقدْ أرى بكِ إذْ زمانُكِ صالحٌ بِيضًا فواخرَ نعمةٍ وجَمالِ
نُجْلُ العيونِ كأنّما استوْهَبْنَها فوهبْنَهُنَّ خواذلَ الآجالِ
قالَ الكواعبُ يومَ أودٍ عمُّنا حُيِّيتَ يومَ ردَدْنَ جاه وِصالي
وفزعْنَ من شمَطٍ تَجلَّلَ مَفْرِقي حتى علا وضَحٌ كلونِ هلالِ
ولقدْ أناضلُهُنَّ أغراضَ الصِّبا خَلَواتِهِنَّ فما تَطيشُ نِبالي
ولقدْ أروحُ على الجوادِ وهكذا أمشي وأيَّ تَصرُّعٍ ودلالِ
كالسيفِ يقطُرُ أوْبكُمْ سالَمتَهُ وأسِيلَ أمسِ فِرِنْدَهُ بصِقالِ
وتَنُوفةٍ موصولةٍ بتنوفةٍ وصْلَيْنِ وصْلَ تَنائفٍ أغفالِ
ترمي مُؤوَّبةً إلى أمثالِها غُبرَ الفِجاجِ مَخوفةَ الأهوالِ
كلَّفْتُهُنَّ هِبابَ كلِّ مُبرِّزٍ صدَرًا وكلَّ نجيبةٍ شِملالِ
صَغواءَ منْ أنَفِ الزِّمامِ قويةٍ بعدَ الكَلالِ عتيدةَ الإرْقالِ
وكأنَّ أحبُلَها ومَيْسًا قاترًا والمرءُ فوقَ مُلمَّعٍ ذَيّالِ
أمسى بحَومَلَ تحتَ طَلِّ مُخِيلَةٍ نحَرتْ عشيَّتُها سِرارَ هلالِ
تحبو إليهِ كأنّما أرواقُها بُخْيُ العراقِ دلَحْنَ بالأثقالِ
باتَتْ تُكَفَّى وجهَهُ مأمورةٌ خَيْرى مُفرَّغةٌ بغيرِ دَوالِ
حتى إذا انصدعَ العمودُ كأنّهُ هادي أغرَّ جرى بغيرِ جِلالِ
وغدا تلألأُ صفحَتاهُ كأنّهُ مصباحُ في دُبُرِ الظلامِ ذُبالِ
غاداهُ مُهتلِكٌ ترى أطمارَهُ يَهفونَ عاقدَ شَطرِهِ بعِقالِ
يسعى بمُغْفَلَةٍ قَواضٍ ساقَها ريشُ الظُّهارِ وزَمَّها بنِصالِ
ومصونةٍ دُفعتْ فلمّا أدبرتْ رُدَّتْ طوائفُها على الإقبالِ
خُطمتْ بأسمرَ من نواشرَ نأملُّها فيهِ كنأمِ مُصابةٍ مِثْكالِ
ومُغَرَّثاتٍ قد طُوِينَ كأنّها لمّا غدتْ وغدا أراقمُ ضالِ
فانصاعَ حينَ رأى البصيرةَ يحتذي منهُ أكارعَ ما لهُنَّ توالي
لا يأتَلي يدعُ الرِّقاقَ كأنّهُ في السابِريِّ وهنَّ غيرُ أوالي
جعلَ الصَّبا في مَنخِرَيْهِ كأنّهُ مِرِّيخُ فَوتَ لُحِيِّهِنَّ مُغالِ
حتى إذا انقطعَتْ بهِ في فِقْرةٍ وبهنَّ مَيْعةُ شاهدٍ ومِطالِ
ولهثْنَ كَرَّ مُغامرٌ ذو نجدةٍ يحمي ويَشرُكُ كلَّ إربةِ حالِ
يحمي ويطرحُهُنَّ غيرَ مُكذِّبٍ طرْحَ المُفيضِ رِبابةَ الأنفالِ
ألفَيْنَهُ ذَرِبَ السلاحِ مقاتلًا وأردْنَ ولْغَ دمٍ بغيرِ قتالِ
[ ٣١٢ ]
كلاّ لقدْ شرِقَتْ قناةٌ هزَّها في كلِّ مَنْبِضِ غائبٍ وطِحالِ
وقال أبو حيّة:
ألا حَيِّ أطلالًا بهنَّ دُثورُ كأنَّ بقايا عهدِهنَّ سطورُ
مِدادُ يهوديَّيْنِ مَجْمَجهُ البِلى وفي الوحيَ من آيِ الكتابِ زَبورُ
ديارُ التي قالتْ لوَ انكَّ زُرتَنا وُصِلتَ ولكنْ لا نراكَ تزورُ
فقلتُ عداني أنَّ أهلَكِ ظَنَّةٌ عليَّ وأنّي قد علمْتُ شهيرُ
صددْتِ ولَجَّ الهجرُ منكِ وإنّني لمثلِكِ عن غيرِ القِلى لهَجورُ
أعَرْتُكِ وُدِّي أمَّ عثمانَ فارجِعي ودائعَ لم يبخلْ بهنَّ مُعيرُ
حياءٌ نهى عمّا عهدْتِ منَ الصِّبا ويأسًا ومَثْلي بالحياءِ جديرُ
ألا حبّذا الماءُ الذي قابلَ النَّقا ومُرتَبَعٌ من أهلِنا ومصيرُ
وأيامُنا عامَ الخبِيَّيْنِ إنّني لهنَّ على العهدِ القديمِ ذَكورُ
إذِ الرأسُ أحوى حالِكُ اللونِ يرتدي جناحَيْهِ إذْ غصنُ الشبابِ نَضيرُ
وقدْ كانَ لي إذ ذاكَ منهنَّ مجلِسٌ قريبٌ ومنْ أسرارِهنَّ ضميرُ
فأعرضْنَ إعراضًا هوَ الصُّرْمُ عَينُهُ كأنْ لم يكنْ لي عندَهنَّ نَقيرُ
ألا طرقَتْنا أمُّ عثمانَ ليلةً مِدرى وقدْ كادَ السِّماكُ يَغورُ
ألمَّتْ بنَشوانَيْ كرىً صرعْتُهما بإحدى الفيافي غَرْبةٌ وفُتورُ
بعيدَيْنِ من مَهواهُما أدركَتهما وفاةٌ لها تَحليلةٌ فَنُشورُ
أناخا ولا الأرضُ التي يطلبانِها قريبٌ ولا ليلُ التِّمامِ قصيرُ
فقلتُ لها حُيِّيتِ من زائرٍ طوى مفاوزَ لا يُزجى بهنَّ حَسيرُ
وما خِلتُها كانتْ رَؤُودًا ولا سرَتْ إلى الركْبِ مِيلافُ الحِجالِ خَدورُ
أتتْكَ بها تَهويمةٌ غمَّضتْ بها معَ الصبحِ عينٌ لا تنامُ سَهورُ
وما أنتَ أمْ ما أمُّ عثمانَ بعدَما حبا لكَ من رملِ الغناءِ حَدورُ
عراقيّةٌ لمْ تبدُ يومًا ولم تكنْ شَطيرَ النَّوى لكنْ نَواكَ شَطيرُ
نَؤومُ الضحى لم نأْوِ إلاّ وتحتَها قَباطِيُّ ريشٍ تحتَهنَّ سريرُ
وبِتنا كأنّنا بَيَّتَتْنا لَطيمةٌ أتتْنا بها من سوقِ أبْيَنَ عِيرُ
شَراها بما اقتالوا شَمومٌ لمثلِها بشُمّاتِهِ الرِّبْحُ العظيمُ بصيرُ
ولمّا احتواها إحتواها غنيمةً مُخاطرُ أرباحِ الألوفِ جَسورُ
تمطَّتْ بهِ غُلْبٌ كأنَّ قُفِيَّها بهنَّ وأقْراءُ الأخادعِ قِيرُ
ولمّا أنيختْ بعدَما آبَ قبلَها ليومَيْنِ بالغُنْمِ العظيمِ يُشيرُ
تحكَّمَ فيها بالعراقِ كأنّهُ على الناسِ طُرًّا بالعراقِ أميرُ
وقيلَ هنيئًا ما رُزقتَ فإنّهُ على اللهِ رزّاقِ العبادِ يسيرُ
وما أطلقَ الأعباءَ حتى تضوَّعتْ بها سِكَكٌ ممّا لديهِ ودُورُ
وتِيهٍ تخطّتْها صُحبَتي نواهزُ في أعناقِهنَّ نُذورُ
رِكابُ نوىً أسآرُ هَمٍّ كأنّها جَوازٍ منَ الشِّيزى لهنَّ صَريرُ
طوَتْهُنَّ والبِيدَ الليالي فقدْ ذوتْ بطونٌ لها مُقورَّةٌ وظهورُ
وجُرِّدنَ واسْمَهْرَرْنَ حتى كأنّها قَنًا طارَ عنها باليدَيْنِ شَكيرُ
وبينَ القُوى والرحْلِ منهنَّ وهْمةٌ بها وهْيَ حرفٌ جُرأةٌ وضريرُ
تَغالى بها فُتْلٌ مَطاويحٌ ينتحي بهنَّ حِذاءٌ بالفلاةِ جَميرُ
وأتْلَعُ نَهّاضٌ أَنِيفٌ يقودُهُ مُلَملم جُلمودِ الدماغِ ذَكيرُ
تراها إذا لجَّتْ وقُدّامَ عينِها خِشاشٌ وفوقَ الناظرَيْنِ حَريرُ
وفي الحلْقةِ الصُّفْرِ التي خُشمتْ بها مُطيرٌ لشَغْبِ الأخدعَيْنِ قَهورُ
كذي رُمَلٍ فرْدٍ رمتْهُ عشيّةٌ لها سبَلٌ مُستقبِلٌ وصَبيرُ
بأسحمَ نثّارٍ أجشَّ جرتْ لهُ صَبًا رادَةٌ لم تجرِ فيهِ دَبورُ
إلى دفءِ أرطاةٍ إلى جَنبِ عجْمةٍ بها الشاةُ مَحبورُ المكانِ غَريرُ
لها واكفٌ يجري عليها كأنّهُ حصىً شِيفَ خانتْهُ السلوكُ قَشيرُ
[ ٣١٣ ]
فلمّا انجلَتْ عنهُ غياطلُ ليلةٍ منَ الدَّجنِ فيها حَثّةٌ وفُتورُ
غدا غدَوِيٌّ فوقَ عينَيْهِ شِكّةٌ كِلا مِغولَيْهِ اللَّهْذَمَيْنِ ضريرُ
منَ العينِ تدعوهُ الرياحُ كأنّهُ فَتيقٌ بهِ مما ألمَّ فُدورُ
وغاداهُ من جِلاّنَ ذئبُ مجاعةٍ شقيٌّ بهِ ضارورةٌ وفُقورُ
لهُ طلّةٌ شابَتْ وما مس جيبَها ولا راحتَيْها الشَّثْنَتَيْنِ عبيرُ
لَدُنْ فُطمتْ حتى علا كلَّ مَفرِقٍ لها من سِنِيها الأربعينَ قَتيرُ
كأنَّ ذراعَيْها وظِيفا نعامةٍ ووجهٌ لها لا ماءَ فيهِ نَكيرُ
ولَحْيانِ لا ينفكُّ في ناجِذَيْهِما أنِيضٌ شَوتْهُ شهوةً وقديرُ
إذا غابَ أو لم يغْدُ يومًا فإنّها بكلبَيْهِ مِغباشُ الغُدوِّ بَكورُ
ولمّا انجلى قبلَ الغُطاطِ انبرَتْ لهُ مَراريخُ في أعناقِهنَّ سُيورُ
فلمّا رأى ذاكَ الشقيُّ الذي غدا بغُضْفٍ لهُ زُرقٌ لهنَّ جَفيرُ
هِجانًا رأى منهُ على الشمسِ نُقْبةً تكادُ وإنْ جَنَّ الظلامُ تُنيرُ
وقاهُ بأمثالِ المَغالي كأنّها بأجنحةٍ فيها إليهِ تطيرُ
جلا عن مآقيها وعن حَجَباتِها خراطيمُ فيها دِقّةٌ وخصورُ
فدَأَبْنَهُ مِيلَيْنِ ثمَّ نزعْنَهُ إليهنَّ إذْ شُؤبوبهنَّ مَطيرُ
ليأخذْنَهُ أخذًا عنيفًا وأخْذُهُ عليهنَّ إلاّ أن يحينَ عسيرُ
إذا كُنَّ جَنبَيْهِ وكنَّ أمامَهُ ودُرْنَ بهِ لمْ يعيَ كيفَ يدورُ
يكُرُّ فيحمي عورةً لا يُضِيعُها وذو النجدةِ الحامي الكريم كَرورُ
يُخرِّقُ في آباطِهنَّ بلَهذمٍ يَطِرُّ إذا أمكَنَّهُ فيَغورُ
وبالكُرهِ ما يحنو لهنَّ وإنّهُ لمُستهزَمٌ لو يستطيعُ فَرورُ
لهُ في خَبارِ الهُبْرِ وثْبٌ إذا أتى عليهِ ونقْعٌ بالرَّقاقِ ذَميرُ
فتلكَ التي شبَّهتُ ذاكَ وقد جرتْ على سررٍ هِيفٍ لهنَّ ضُفورُ
نجاةٌ برى عنها عتيقٌ أثارَهُ سُرىً ورواحٌ مُغبِطٌ وبُكورُ
وأبلحَ عاتٍ لا يؤدّي أمانةً عليهِ ولاقاهُ عليهِ أميرُ
أقمتُ الصَّغا وأخدعَيْهِ بضربةٍ لها تحتَ بينِ المنكِبَيْنِ هديرُ
وقال أبو حية:
ألا يا نْعَمي أطلالُ خنساءَ وانْعمي صباحًا وإمساءً وإنْ لم تَكلَّمي
ولا زلتِ في أرواقِ واهيةِ الكُلى هَتُولٍ متى تُبْسِسْ بها الريحُ تُرزِمِ
عهدْنا بها الخنساءَ أيامَ ما ترى لخنساءَ مِثلًا والنَّوى لم تَخرَّمِ
وخنساءُ مِخماصُ الوِشاحَيْنِ خَطْوُها إلى الزوجِ أقتارٌ خُطى المُتجشِّمِ
ينوءُ بخَصْرَيْها إذا ما تأوَّدتْ نقا عُجمةٍ في صَعدةٍ لم تُوصَّمِ
خليليَّ من دونِ الأخلاّءِ قد ونَتْ عصا البينِ هلْ في البَينِ من مُتكلِّمِ
ألِمّا نُسائلْ قبلَ أن ترمي النَّوى بنافذةٍ نَبْضَ الفؤادِ المُتيَّمِ
يقفْ عاشقٌ لم يبقَ من روحِ نفسِهِ ولا عقلِهِ المسلوبِ غيرَ التوهُّمِ
وما تركَ اللائي يُرَيِّشْنَ صِيغةً هيَ الموتُ من لحمٍ عليهِ ولا دمِ
إذا هنَّ أحْذَيْنَ المراوِدَ بعدَما رقَدْنَ إلى قرنِ الضحى المُتجرِّمِ
عيونُ المها أو مثلَها سقطَتْ لها وأعيُنُ أرآمٍ صَرائدَ أسهُمِ
كما أصردَتْ حِضنَيْ جميلٍ وقبلَهُ عُرَيَّةَ والبَكّاءةَ المُترنَّمِ
رمتْهُ أناةٌ من ربيعةِ عامرٍ نَؤومُ الضحى في مأتمٍ أيَّ مأتمِ
وجاءَ كخَوطِ البانِ لا مُتتَرِّعًا ولكنْ بخلْقَيْهِ وقارٍ ومِيسَمِ
فقالَ صباحٌ قُلنَ غيرَ فواحشٍ صباحًا وما إنْ قلنَ غيرَ التذمُّمِ
فأنشدَ مشعوفًا بهندٍ وأهلِها نشيدًا كخُشّابِ العراقِ المُنظَّمِ
وقُلنَ لها سرًّا وقَيْناكِ لا يَرُحْ صحيحًا وإنْ لم تقتليهِ فألْمِمي
فأدنَتْ قناعًا دونَهُ الشمسُ واتَّقتْ بأحسنِ موصولَيْنِ كفٌّ ومِعصَمِ
[ ٣١٤ ]
فراحَ ابنُ عَجِلانَ الغوِيُّ بحاجةٍ يُجاوبُ قُمْرِيَّ الحَمامِ المُهيَّمِ
وراحَ وما يدري أفي طلقةِ الضحى تَروَّحَ أو داجٍ منَ الليلِ مُظلمِ
وأغيدَ من طولِ السُّرى برَّحَتْ بهِ أفنانيُ نَهّاضٍ على الأيْنِ مِرْجَمِ
وأقتالُهُ من مَنكبَيْهِ كأنّها نوادرُ أعناقٍ رِبابةُ مُسْهِمِ
خواضعُ يَسْتَدِمينَ في كلِّ خِلقةٍ لوَتْها بكفَّيْهِ كِلابُ المُخشِّمِ
وأدراجِ ليلٍ بعدَ ليلٍ يجوبُهُ بهِ زَورُ أسفارٍ متى تُمسِ تُجذِمِ
سرَيْتُ بهِ حتى إذا ما تمزّقتْ توالي الدُّجى عن واضحِ الليلِ مُعْلِمِ
أنخْنا فلمّا أفرغَتْ في دماغِهِ وعينَيْهِ كأسُ النومِ قلتُ لهُ قُمِ
فما قامَ إلاّ بينَ أيدٍ تُقيمُهُ كما عطفَتْ ريحُ الصَّبا عودَ ساسَمِ
خطا الكُرهَ مغلوبًا كأنَّ لسانَهُ لِما ردَّ من رجْعٍ لسانُ المُبَرْسَمِ
وودَّ بوُسْطى الخمسِ منهُ لو اننا رحَلْنا وقُلنا في المَناخِ لهُ نَمِ
فلمّا تغشّاهُ على الرحْلِ ينثَني مُسالَيْهِ عنهُ في وراءٍ ومُقْدَمِ
ضمَمْنا جناحَيْهِ بكلِّ شِمِلَّةٍ ومُرتَقِبِ اليُمنى كَتُومِ التزَغُّمِ
فأضحى وما يدري بأيّةِ بلدةٍ ولا أينَ منها مَيدةٌ لمْ تُصرَّمِ
يخِرُّ حِيالَ المَنكِبَيْنِ كأنّهُ نَخيعٌ على ذي قوةٍ مُتَغَمْغِمِ
أَميمُ كرىً أثْأى بهِ خطَلُ السُّرى وهَيْجات عُرْيانِ الأشاجعِ شَيْظَمِ
ومنهنَّ تحتَ الرحْلِ جلْسٌ جعلْنَها دواءً لنجوى الطارقِ المُتنوِّمِ
إذا المُنقِياتُ العِيدُ بلَّغْنَ أرقَلَتْ على الأيْنِ إرقالَ الفَنيقِ المُسدَّمِ
كأنَّ السُّرى ينجابُ في كلِّ ليلةٍ إلى الصبحِ عن نازِي الحماتَيْنِ صِلدِمِ
رعى الرملَ حتى استنَّ كلُّ مُزمزِمٍ على الشاةِ محبوكِ الذراعينِ كلْدِمِ
شُوَيْقٍ رعى الأنداءِ حتى تعذَّرتْ مَجاني اللِّوى من كوكبٍ مُتضرِّمِ
وآضَتْ بقايا كلِّ ثمْلٍ كأنّها عُصارةُ فَظٍّ أو دُوافةُ كُرْكُكِ
وهاجَتْ منض الغَورَيْنِ غَورَيْ تِهامةٍ نواشطُ يهجمْن الحصى كلّ مَهجَمِ
فلمّا رأى الشمسَ التي طالَ يومُها عليهِ دنتْ قالتْ لهُ أرضُهُ ارغَمي
جمى قلقٌ سهلُ الجِراءِ إذا جرى طغا ثبت ما تحتَ اللِّبانِ المُقدَّمِ
يُشِعْنَ إذا شقَّتْ عصًا يغتبِطْنَهُ يداهُ وإنْ يُدركْ قَطاهُنَّ يَكْدِمِ
يحيدُ ويخشى عازِبِيًّا كأنّهُ ذُؤالةُ في شِمطاطِهِ المُتخذّمِ
ترى رزقَهُ يومًا بيومٍ وإنّما غِناهُ إذا استغنى بفِلْقٍ وأسهُمِ
مُقِيتًا على صُلْتِ الهوادي كأنّها مُخَطَّطةٌ زُرقًا أعِنّةُ مُؤْدِمِ
رمى مِرفَقَ الدنيا فأرسلَ جوفُها إلى جوفِ أخرى مائرًا لم يُثلَمِ
فذاكَ الذي شبَّهتُ حرفًا شبيهةً بهِ يومَ أُبْنا بعدَ حَمْسٍ مُقحَّمِ
تُقاسي الفِجاجَ اللامعاتِ وتَغتلي بأتْلَعَ مسفوح العَلابِيّ شَجْعَمِ
إلى جعفرٍ أطوي بها الليلَ والفلا إلى سَبِطِ المعروفِ غيرِ مُذمَّمِ
يُغالى بها شهرانِ وهْيَ مُغِذّةٌ إلى مُستقلٍّ بالنوائبِ خِضْرِمِ
وقال رفيقاكَ اللذانَ تجشَّما سُرى الليلِ من يَجشَمْ سُرى الليلِ يَجشَمِ
وأيدي المَهاري في فَيافٍ عريضةٍ هوابطَ من اخرى تَغلَّى وترتمي
لَعمري لقد أبعدتَ همًّا ومَنْسِمًا وكم من غِنىً من بعدِ هَمٍّ ومَنسِمِ
فقلتُ لهمْ إنّي امرؤ ليسَ همَّتي ولا طلبي حظّي بأدنى التَّهَمُّمِ
فلا تُكثروا لَومي فليسَ أخوكُما بلَوّامِ أصحابٍ ولا بالمُلَوَّمِ
لعلَّكُما أنْ تسلَما وتَصاحبا بعافيةٍ من يصحَبِ اللهُ يَسلَمِ
وإنْ تُرْقِيا ريبَ المنونِ وتُقْدِما على جعفرٍ تَسْتوجِبا خيرَ مَقْدَمِ
وتعترِفا وجهًا أغَرَ وتنزِلا على سَعةٍ بالماجدِ المُتكرِّمِ
[ ٣١٥ ]
بأبيضَ نَهّاضٍ إلى سُورِ العُلى جراثيمُ يخطوها فتىً غيرُ توأمِ
وقال أبو حيّة يمدح مروان الحمار:
أشاقَتْكَ أظعانٌ دعَتْهنَّ نِيّةٌ يُوَطِّنُ شِعْباها الحزينَ على الهجرِ
ظعائنُ طَلاّبٍ ثرى الغيثِ قلَّما يُساعفْنَ إلاّ أنْ يُناسِمْنَ عن عُفْرِ
رعَيْنَ القرارَ الحُوَّ حتى إذا ارتمَتْ بنَبْلِ السَّفى أعرافَ غُوريّةٍ كُدْرِ
وجاءَتْ روايا الحيِّ من كلِّ مُسْمِلٍ بطَرْقٍ كماءِ الفظِّ من نُطَفٍ صُفْرِ
بقيّةُ أسْمالٍ زَواهُنَّ كوكبٌ مقَفٍّ ترى الحرباءَ في آلِهِ يجري
ورُدّتْ جِمالُ الحيِّ كُلْفًا تطايرَتْ عقائقُهُنَّ الغُبْسُ عن نُقَبٍ شُقْرِ
بما اسْتُوجِرَتْ من كل وادٍ مربةً مصابَ الثريا كلُ ناشئةٍ بكرِ
فعرضنَ واندَحَّتْ كُلاهُنَّ بعدَما طواهُنَّ إحناقُ المُسَدَّمةِ الذُّفْرِ
كأنَّ عصيمَ الورسِ منهنَّ جاسِدًا بما سالَ من غِربانِهنَّ منَ الخُطْرِ
وزَمَّ القِيانُ التُّلْدُ كلّ مُلَهَّثٍ مُدالِقَ لَحْيَيْ لا مُذَكٍّ ولا بَكْرِ
لأحداجِ بِيضٍ كالدمى كلِّ بادنٍ رَداحٍ تَهادى المشيَ شِبرًا إلى شِبرِ
إذا قُمنَ لم ينهضْنَ إلاّ قصيرةً خُطاهنَّ ممّا يتَّقِينَ منَ البُهْرِ
وعالَيْنَ أحداجًا لهنَّ كأنّما عُلِينَ بنُوّارِ المُكَلَّلَةِ القَفرِ
على كلِّ قَيْنِيٍّ يُغاليهِ صهوةٌ مُشرَّفةُ الأعلى مُداخلَةُ الأسرِ
دخلْنَ العلالِيَّ التي عملتْ لها أكُفٌّ أتَتْها عن يمينٍ وعن يَسْرِ
ولدَّدْنَ للأصعادِ أعناقَ ولَّهٍ إلى كلِّ وادٍ لا أُجاجٍ ولا بَثْرِ
لهُ أرجٌ من طِيبِ ما تلتقي بهِ لأينَعَ يندى من أراكٍ ومن سِدرِ
كأنَّ القطوعَ العبقريّةَ نُشِّرَتْ أسِرّةُ مُلْتَجٍّ حدائقُهُ خُضرِ
ويومٍ من الأيامِ قصَّرتُ طولَهُ بقانيةِ الأطرافِ ذاتِ حشًا ضَمرِ
لها كفَلٌ لأيًا إذا ما تدافعَتْ بهِ قامَ جُهدًا من ذَنوبٍ ومن خصرِ
كما هزَّ عَيْدانيّةً مَعْجُ رَيْدَةٍ جَنوبٍ بلا معجٍ شديدٍ ولا فَتْرِ
ولم أنسَ من سلمى وسلمى بخيلةٌ ودائعَ أدناهُنَّ مُذْ حِجَجٍ عشرِ
ولا قَولَها والقومُ قد أشرفَتْ لهمْ عيونٌ كحرِّ الجمرِ ظاهرةِ الغِمرِ
تعلَّمْ بأنَّ القومَ تغلي صدورُهمْ عليكَ فكنْ مما تخافُ على حِذْرِ
فقلتُ لها لا بَرْءَ منكِ ولا هوىً سواكِ ولا دَمُّوا بمُهجتِهِ نَجْري
لوَ انَّ سِباعَ الأرضِ دونَكِ أصبحتْ على كلِّ فجٍّ من أُسودٍ ومن نَمْرِ
رباضًا على أشبالِها لقطعتُها إليكِ بسيفي أو هلكتُ فلا أدري
وقائلةٍ قالتْ ألستِ براحلٍ ألستَ ترى ما قد أُصيبَ من الوَفْرِ
أغِثْ منْ أميرِ المؤمنينَ بنفحةٍ عيالَكَ تُبْلِتْ في صنائعِها الوُفْرِ
فقلتُ لها ذاكِ الذي ينتحي بهِ نهاري وليلي كلّ نائبةٍ صدري
لعَمرُكَ إذْ ما قلتُ ما أنا بالذي أصونُ المطايا قد علمتِ من السَّفْرِ
ولا يَثقُلُ الليلُ البهيمُ إذا دجا عليَّ إذا ما أثقلَ الليلُ من يَسري
وكنتُ إذا ما الهمُّ أطلقَ رحلَهُ إليَّ فقالَ ارحلْ شددْتُ لهُ أزري
وحمّلتُهُ أصلابَ خُوصٍ كأنّها قَنا الشَّوْحَطِ المُعوجِّ من قلقِ الضُّمْرِ
يَؤمُّ بها المَوماةَ زَولٌ كأنَّهمُ فِرِنْدِيّةُ القضبانِ ظاهرةُ الأُثْرِ
ألا يا بنَ خيرِ الناسِ إلاّ محمدا صَنيعًا وأولى الناسِ بالحمدِ والأجرِ
أتيناكَ من نجدٍ على قَطَرِيّةٍ لوى حلَقًا قُدّامَ أعيُنِها المُبْري
موائِرُ أعضادٍ مَغالي مَفازةٍ سِباط الذِّفاري لا جِعادٍ ولا زُعْرِ
بدأْنَ وتحتَ المَيسِ منهنَّ عاتقٌ أتارةُ أعوامٍ وهَبْرٌ على هبرِ
فجاءتْ وممّا أُنعلَتْ حَفَياتُها خِذامٌ بأرْساغِ المُهَلَّلَةِ الدُّبْرِ
[ ٣١٦ ]
فما أدركتْنا يا بنَ مروانَ دونَكمْ صلاةٌ لأُولى في مُناخٍ ولا فجرِ
ولا هيَ إلاّ وَقعةٌ كلّما الْتظى أُوارُ الحصى في كلِّ هاجرةٍ وغْرِ
وتَحليلٍ شُعْثٍ غَوَّروا رفعوا لهمْ بناءً بنَوهُ فوقَ ظُفْرٍ على ظُفرِ
إذا استَنْشَصَتْهُ الريحُ أو رسبَتْ لهُ علينا القُوى ضربَ الحبالةِ بالنَّسْرِ
تراهُ سماءً بينَ حَيلَيْنِ ما لهُ سوى ذاكَ ظِلٌّ من كِفاءٍ ولا سِترِ
إذا البارحُ الحامي الوَديقةِ لفَّهُ علينا ترى مُسْتَكْشِمًا أشَرَ المُهْرِ
وقال أبو حية، وأدرك زمن هشام بن عبد الملك، يمدح يزيد بن عتّاب بن الأصمّ بن مالك:
قِفا حَيِّيا الأطلالَ من مَسقِطِ اللِّوى وهلْ في تحيّاتِ الرسومِ جَداءُ
وماذا تُحيِّي من رسومٍ تَبدَّلتْ شعوبُ النَّوى عنها وهنَّ قَواءُ
علاهُنَّ بعدَ الحيِّ كلُّ مُجَلجلٍ مَحاهُنَّ تيّارٌ لهُ وغُثاءُ
وأقفرَ وادِيهِنَّ واحتفَرَتْ بهِ ماكنسُ عِينٍ باقرٌ وظِباءُ
فشاقَكَ ممّا أحْرثَ الحيَّ منزلٌ رُكامُ الحصى والمجْنَحاتُ خلاءُ
ورَبعٌ بأعلى ذي الجِذاةِ كأنّما على مَتنِهِ منْ حضرَمَوتَ رداءُ
إذا انغمستْ أولى النجومِ تلعَّبتْ بهِ قصَباتٌ مُزنُهُنَّ رَواءُ
كأنَّ لم يُرى فيهِ الجميعُ ولم تَصِحْ بهمْ نيّةٌ تُغري الديارَ جَلاءُ
بلى ثمَّ أجْلَتْ نيّةٌ ليسَ بعدَها لرَيّا ولا أمِّ البنينَ لقاءُ
تذكَّرتُ عصرًا قد مضى وصِحابةً ولم تكُ عمّا قدْ ذكرتُ عَداءُ
لياليَ تنْآها ولو شئتَ زُرتَها وكيفَ معَ الواشي المُطِلِّ تشاءُ
إليكَ ابنَ عَتابٍ رحَلْنا وساقَنا منَ الغَورِ جدْبٌ مُوصَدٌ وعِداءُ
وعامٌ كحدِّ السيفِ أمّا ربيعُهُ فنحْرٌ وأمّا قَيظُهُ ففناءُ
بمُعْصَوْصِياتِ السَّبْرِ صُعْرٍ من البُرى خواضعُ أدنى سيرِهنَّ نَجاءُ
إذا ما فلاةُ الخِمسِ أضحتْ كأنَّها مُنَطَّقةٌ أعلامُهنَّ مُلاءُ
قطعْنَ فلاةَ الخِمسِ لمّا لقِينَها غِشاشًا ولم يُرقَبْ أنىً وَضَحاءُ
مُضَبّرةَ الأصلابِ في ثَفِناتِها زُلوجٌ وفي أعضادِهنَّ عَداءُ
وكمْ قدْ تركْنا من مُعَرِّسِ ساعةٍ بهِ لحديدِ المِرفقَيْنِ عُواءُ
أصابَ طَلىً من حشْرَةٍ جاءَ فوقَهُ منَ الماءِ والغِرْسِ والفَضيضِ غطاءُ
جرى بينَ حاذَيْ عَنْتَرِيسٍ تَراغبَتْ على الرَّحْلِ منها جُفْرةٌ وبناءُ
يزُرنَ ابنَ عَتّابٍ ويرجونَ فِعلَهُ إذا حانَ من حاجاتِهنَّ قضاءُ
يزَرْنَ جَنابيًّا أغَرَّ كأنّهُ سَنا البدرِ فيهِ للظلامِ جِلاءُ
وجدْنا قِراكُمْ في حِياضٍ رَغيبةٍ وهنَّ على رَغْبٍ بهنَّ مِلاءُ
بَناهُنَّ عَتّابٌ وأوصاكَ بعدَهُ بهنَّ فلمْ يُهدمْ لهنَّ بناءُ
عَلالِيُّ مِنْ سعيِ الأصمِّ بن مالكٍ وكلُّ الذي أسدى الأصمُّ سَناءُ
إذا ضِيمَ قومٌ أو أقرُّوا ظَلامةً نفى الضيمَ عنكمْ عزّةٌ وإباءُ
وقمتُمْ بأسيافٍ حِدادٍ وألسُنٍ طِوالٍ وأرماحٍ بهنَّ دماءُ
وما قادَكمْ يومًا منَ الناسِ معشَرٌ وما زالَ فيكمْ قائدٌ ولِواءُ
إذا سارَ قومٌ للعُلى سرْتَ فوقَهمْ إلى شُرُفاتٍ ما بهنَّ خَفاءُ
بلغْتٌمْ نجومَ الليلِ فضلًا وعزّةً ومجدًا فأنتمْ والنجومُ سَواءُ
وقال أبو حيّة:
أأبكاكَ رسمُ المنزلِ المُتقادمِ بأمْراسَ أقوى من حلولِ الأصارمِ
وجرَّتْ بها العَصرَيْنِ كلُّ مُطلّةٍ جَنونٍ ومَوجٍ طَمَّ فوقَ الجراثِمِ
إلى دَبْرِ شمسٍ لم يدَعْ سنَنُ الصَّبا ولا قصفُ زَمزامِ الأتِيِّ اللوالِمِ
سوى أنَّ دَوداةً مَلاعبَ صِبيةٍ على مُستوى منْ بينَ تِيكَ المخارمِ
وأخلاقٍ أنواءٍ تَعاوَرُن مَرْبعًا عليهنَّ رُوقاتُ القِيانِ الخوادمِ
سَجَوْنَ أديمَ الأرضِ حتى أحَلْنَهُ دونَ المُفعِماتِ الغواشمِ
[ ٣١٧ ]
فأنتَ ترى منهنَّ شَدْوًا تكلَّفتْ بهِ لكَ آياتُ الرسومِ الطَّواسمِ
كما ضربَتْ وشمًا يدا بارقِيّةٍ بنَجرانَ أقْرَتْهُ ظهورَ المعاصمِ
أناءتْ ولم تُنضِجْ فأنتَ ترى لها قروفًا نمَتْ منهنَّ دونَ البَراجمِ
إلى أذرُعٍ وشَّمْنَها فكأنّها عَلاهُنَّ ذَرُّ المغْضَناتِ الرَّواهمِ
فأمرَتْ بها عيناكَ لمّا عرفْتَها بمُبْتَدِرٍ نَظْمِ الفريدَيْنِ ساجمِ
غروبًا وأجفانًا تفيضُ كأنما همتْ من مرشاتِ الشنانٍ الهزائمِ
لعِرفانِكَ الرَّبْعَ الذي صدعَ العصا بهِ البَين صَدعًا ليسَ بالمُتلائمِ
وقدْ كنتُ أدري أنَّ للبَينِ صَيحةً على الحيِّ من يومٍ لنفسِكَ ضائمِ
كصيحتِهِ يومَ اللِّوى حينَ أشرفَتْ بأسفلِ ذي بَيضٍ نعاجُ الصَّرائمِ
لبِسْنَ المُوشَّى العصْبَ ثمَّ خطَتْ بهِ لِطافُ الكُلى بُدْنٌ عِراضُ المآكمِ
يُدَرِّينَ بالداري كلَّ عشيّةٍ وحُمِّ المَداري كلّ أسحمَ فاحمِ
إذا هنَّ ساقَطْنَ الأحاديثَ للفتى سِقاطَ حصى المَرجانِ من كفِّ ناظمِ
رمَيْنَ فأنفَذْنَ القلوبَ ولا ترى دمًا مائرًا إلا جوىً في الحَيازمِ
وخبَّرَكِ الواشونَ ألاّ أحبُّكمْ بلى وستورِ اللهِ ذاتِ المحارمِ
أصُدُّ وما الهجرُ الذي تحسبينَهُ عزاءً بنا إلاّ ابتِلاعَ العَلاقمِ
حَياءً وبُقْيًا أن تشيعَ نَميمةٌ بنا وبكمْ أُفٍّ لأهلِ النَّمائمِ
أما إنّهُ لوْ كانَ غيركَ أرقلَتْ إليهِ القَنا بالمُرهفَاتِ اللهاذمِ
ولكنْ وبيتِ اللهِ ما طَلَّ مسلمًا كغُرِّ الثنايا واضحاتِ المَلاغمِ
إذا ما بدَتْ يومًا علاقاءُ أو بَدا أبو توأمٍ أو شِمتَ دَيرَ ابنِ عاصمِ
قياسرَ شِيعتْ بالهِناءِ وصُتّمَتْ مصَفّقةَ الأقيانِ قَينِ الجماجمِ
يُرَجِّعْنَ من رُقْشٍ إذا ما أسلْنَها وقَرْقَرْنَ أوْعَتْها جِراءُ الغَلاصمِ
بكيتَ وأذريتَ الدموعَ صَبابةً وشوقًا ولا يقضي لُبانةَ هائمِ
كأنْ لم أُبرِّحْ بالغَيورِ وأقتَتِلْ بتَفتيرِ أبصارِ الصِّحاحِ السقائمِ
ولمْ ألهُ بالحِدْثِ الألَفِّ الذي لهُ غدائرُ لم يُحرمْنَ فارَ اللطائمِ
إذِ اللهوُ يَطْبِيني وإذا استَمِيلُهُ بمُحْلَوْلَكِ الفَودَيْنِ وحْفِ المقادمِ
وإذ أنا مُنقادٌ لكلِّ مُقَوَّدٍ إلى اللهوِ حَلاّفِ البَطالاتِ آثمِ
مُهينِ المطايا مُتلِفٍ غيرَ أنّني على هُلْكِ ما أتلفتُهُ غيرُ نادمِ
أرى خيرَ يومَيَّ الخَسيسَ وإنْ غلا بيَ اللؤمُ لم أحفِلْ ملامةَ لائمِ
فإنَّ دمًا لو تعلمينَ جَنَيْتِهِ على الحيِّ جاني مثلِهِ غيرُ سالمِ
وقال أبو حيّة يمدح عمرو بن كعب:
سَلِ الأطلالَ بينَ براقِ سَلِّي وبينَ العُفْرِ من جرَعِ الرَّ غامِ
وما أبقى الراومِسُ كلَّ قَيظٍ ولا المُتَهَدِّجاتِ منَ الغَمامِ
ولا مُعْرَوْرِفٌ نشطَتْ جَنوبٌ بهِ هوجاءُ من بلدٍ تَهامِ
منَ العرَصاتِ غيرَ مَخَدِّ نُؤْيٍ كباقي الوحي خُطَّ على إمامِ
وغيرِ خوالدٍ لُوِّحْنَ حتى بهنَّ علامةٌ ليستْ بشامِ
كأنَّ بها حماماتٍ ثلاثًا مثَلْنَ ولم يطِرْنَ معَ الحمامِ
بها ارْفَضَّتْ مَساربُ مُقلتَيْهِ كما ارفضَّ الفريدُ منَ النظامِ
جزى اللهُ الغوانيَ يومَ قَوٍّ ويومَ لقِيتُهنَّ بذي سَلامِ
بما أخلَفْنَني وطَلَلْنَ دَيني جزاءَ المجرمينَ منَ الأنامِ
إذا رَيَّشْنَ أعيُنُهنَّ يومًا فلمْ يوجدْ كإحداهُنَّ رامِ
أردْنَ عشيّةَ الشَّرْوَيْنِ قتلي ولمْ يَرْجَبْنَ سفكَ دمٍ حرامِ
وقُلنَ لطفلةٍ منهنَّ ليستْ بمِتفالٍ ولا هَمَشى الكلامِ
يجُولُ وِشاحُها قلقًا عليها تَلُوثُ المِرْطَ فوقَ نَقًا رُكامِ
تَهادى ثمَّ يبهَرُها رديفٌ رَبا بتثاقُلِ القصبِ الفِخامِ
[ ٣١٨ ]
كأنَّ الشمسَ سُنَّتُها إذا ما حلَفْنَ لتُسفِرَنَّ منَ اللِّثامِ
أزيدي قتلَهُ فرمَتْ فؤادي بنَبلٍ غيرِ شاهدةِ الكِلامِ
وما اللائي عَقيلَتُهنَّ ريّا بعَشّاتِ العِظامِ ولا دِمامِ
نُظورةُ نِسوةٍ مُتعالِماتٍ يزِدْنَ على المَلاحةِ والوَسامِ
أُلاكَ القاتلاتُ بغيرِ جُرمٍ وما يقتلْنَ غيرَ فتىً حُسامِ
وقالَ ببطنِ عاجنةٍ رفيقي وعيناهُ بأربعةٍ سِجامِ
رأى المَوماةَ تَذرَعُها المَهارى بهِ والسِّفْرَ منقطعَ الخِطامِ
وقد قلقتْ سَفائفُ مُدْرَجاتٌ كأنَّ جُرومَها أرْماثُ قامِ
أجِدَّكَ ما تذكّرُ بردَ خيمٍ بأبطحَ مُسْهِلٍ كِفَفَ الشُّمامِ
ولا البقرُ الذي قُصرتْ عليهِ حِجالُ الأرمنيّةِ في الخيامِ
لهنَّ منَ الأراكِ مُضرّجاتٌ ومما اختزْنَ من قُضُبِ البَشامِ
يمْحِنَ بهِ ذُرى برَدٍ تداعى بهِ المتَهلِّلات منَ الغمامِ
عشيّةَ صيِّفٍ وتَضمَّنتْهُ رِهاءٌ من عَمايةَ أو حوامي
فذكَرَني لياليَ صالحاتٍ فأعْداني بنُصْبٍ واحتِمامِ
فقلتُ لهُ تعزَّ فليسَ هذا بحينِ صبابةٍ للمُستهامِ
فلا تجزعْ لعلّكَ بعدَ شَحطٍ تُلِمُّ ولوْ يئستَ من اللِّمامِ
فلستَ وإنْ بكيتَ أشدَّ وجْدًا ولكنّي امرؤٌ ثقتي أمامي
فقالَ عصيتَني ولرُبَّ ناهٍ عصيتُ ومَهْمهٍ حرَجِ القَتامِ
كأنَّ جبالَهُ والآلُ يطفو على أطرافِها قزَعُ الجَهامِ
كأنَّ الآبداتِ الرُّبْدِ فيهِ أُلاتُ الوحفِ من حِزَقِ النِّعامِ
سرحْنَ لبلدةٍ فرفضْنَ منها مَرابعُهنَّ منْ زمَعِ الكِلامِ
قوالسُ عُنصُلٍ أو طلْعُ شَرْيٍ بمأتى كلِّ مندفِعٍ نُعامِ
عُناةٌ يبتغونَ جنىً عليهمْ بِرادٌ من قبائلِ آلِ حامِ
يلوحُ بها المذَلَّقُ مِذْرَياهُ خروجَ النجمِ من صلَعِ الغِيامِ
كأنَّ شوي يدَيهِ جرى عليها نَؤورُ مُشِيطةٍ إحدى جُذامِ
قطعتُ بذاتِ ألواحٍ تَرامى بَزَوْلٍ لا ألفَّ ولا كَهامِ
وشُعثٍ أدلجوا وغدَوا وراحوا على عيسٍ مَناسمُها دَوامي
نَجائبَ من نِجارِ بناتِ رُهْمٍ كأنَّ رجالُهنَّ على نَعامِ
ترى الوهمَ الجُلالَ كأنَّ قارًا تحدَّرَ من نوابعِهِ الهوامي
إذا ما شدَّ أحبُلَهُ عليهِ تجافى حالباهُ عنِ الحِزامِ
كأنَّ الرحْلَ أشرفَ من قَراهُ قرا ذاتِ الوعولِ من الرِّجامِ
وليسَ إذا تُعُرِّمتِ المطايا بمنكودٍ ولا مَلِقِ العَرامِ
كأنَّ هديرَ أعْيَسَ في مخاضٍ وحُولٍ بالمرافضِ من رؤامِ
تَجرَّمَ قيظُهُ وجرَتْ عليهِ رياحُ البردِ طيّبةَ النِّسامِ
تَغمغُمُهُ إذا المُبْراةُ منهُ لوَتْها العُروتانِ منَ الزِّمامِ
وتحملُني مُوثّقةٌ أمُونٌ تُكلِّفُني الهمومَ إلى الهُمامِ
تَزِيفُ إذا المطايا واهفَتْها كما زافَ المُسَدَّمَ ذو الحِجامِ
إذا ارفضَّتْ صوائلُ أخدعَيْها وساقَطَ سَعمُها خبَطَ اللُّغامِ
وسافَهَتِ الزِّمامَ ولاعبَتْهُ بأتلعَ مثل آسيَةِ الرخامِ
رأيتَ تدوَّؤًا من ذاتِ لَوثٍ لَحيبِ الصُّلبِ واريَةَ السنامِ
كأنَّ قرونَ أوعالٍ مَذاكٍ منَ الفُدْرِ العواقلِ في شَمامِ
نَطحْنَ مَحالَها من جانبَيْهِ شِدادَ الأسرِ في طبقٍ لُؤامِ
تراها بعدَما قلقتْ قُواها كُلوءَ العينِ ريِّحةَ البُغامِ
تزورُ المُصطفى عمروَ بن كعبٍ تزورُ أغرَّ مرتفعَ المقامِ
إليهِ دؤوبُها وإذا أتتْهُ أتتْ بالشامِ خيرَ فتىً شآمِ
أتتْ مُتطَلِّقًا كِلتا يدَيهِ ربيعٌ مُمْرِعٌ غَدِقُ الرِّهامِ
معاويًّا منَ الأثرَيْنِ تنمي إلى عاديّةِ الحِسَبِ التِّمامِ
فتىً لا يمنعُ المعروفَ منهُ تَبسُّلُ شَتوَةٍ ومحِلُّ عامِ
[ ٣١٩ ]
وما مَدُّ الفراتِ إذا تسامى بموجٍ ذي قَصيفٍ والتِطامِ
بأغزرَ منكَ نافلةً إذا ما تحادبَ ظهْرَ جارفةٍ أُزامِ
ولا وردٌ بلحظةَ أو بتَرْجٍ منَ المُتوهِّساتِ دُجى الظلامِ
حمى أجَماتِهِ فتُركْنَ قفرًا وأحمى ما أحالَ على الإجامِ
تطايرَ من يليهِ ومن يليها تَطايُرَهمْ من اللَّجبِ اللُّهامِ
وما ينفكُّ يسحبُ كلَّ يومٍ قتيلًا من رجالٍ أو سَوامِ
كأنَّ أسنّةً ذُلقتْ فلمّا تلمَّظ كلُّ مُلتهبٍ هُذامِ
عطفْنَ خوارجًا من أهرَتَيْهِ محيطاتٍ بمَنخرِهِ الضُّخامِ
بأنجدَ سَورةً من كلِّ يومٍ كأنَّ أجيجَهُ سَنَنُ الضِّرامِ
وقال أبو حيّة يمدح الحكم بن صخر الثقفي:
ألا حيِّيا بالخبِيّ الديارا وهلْ ترجعَنَّ ديارٌ حِوارا
زمانَ الصِّبا ليتَ أيامَنا رجعْنَ لنا الصالحاتِ القِصارا
زمانٌ عليَّ غُرابٌ غُدافٌ فطيَّرَهُ الدهرُ عنّي فطارا
فلا يُبعدِ اللهُ ذاكَ الغُدافَ وإنْ كانَ لا هو إلاّ ادِّكارا
فأصبحَ موقعُهُ بائضًا محيطًا خِطامًا محيطًا عِذارا
فأما مَسايحُ قدْ أفحشَتْ فلا أنا أسطيعُ منها اعتذارا
وهازئةٍ إنْ رأتْ كَبْرَةً تَلفَّعَ رأسٌ بها فاستنارا
أجارَتِنا إنَّ ريبَ المَنو نِ قبلي عابَ الرجالَ الخِيارا
فإمّا ترَيْ لِمَّتي هكذا فأكثرتِ مما رأيتِ النِّفارا
فقدْ أرتَدي وحْفةً طَلّةً وقدْ أشعفُ العطراتِ الخِفارا
وقدْ كنتُ أسحبُ فضلَ الرِّداء وأُرخي على العقِبَيْنِ الإزارا
ورَقراقةٍ لا تطيقُ القِيا مَ إلاّ رويدًا وإلاّ انبِهارا
خلَوتُ بها نَتجازى الحَدي ثَ شيئًا علانًا وشيئًا سِرارا
كأنَّ على الشمسِ منها الخِمارَ إذا هيَ لاثَتْ عليها الخِمارا
كأنَّ الخزامى يمُجُّ الندى بمَحنيَةٍ أُنُفًا والعرارا
تَقاَّمُ في نشرِ أثوابِها إذا الليلُ أردفَ جَوزًا وحارا
وأخّرَ جَوزًا وكانتْ لهُ خُداريّةٌ يعتكِرْنَ اعتِكارا
ويومِ تساقَطُ لذّاتُهُ كما ساقطَ المُدجَناتِ القطارا
تأنفْتُ لذّاتِهِ باكرًا بَرَهْرهةً طَفلةً أو عُقارا
بكلتَيْها قدْ قطعتُ النَّها رَ خَودًا شَموعًا وكأسلً هِتارا
فأمّا الفتاةُ فمِلَكُ اليمينِ تنضِحُ نضْحًا عبيرًا وقارا
وأمّا العُقارُ فوافى بهِ سَبيئةَ حولَيْنِ تَجْرًا تِجارا
كأنَّ الشبابَ ولذّاتِهِ ورَيْقَ الصِّبا كانَ ثوبًا مُعارا
وغيثٍ تَجنَّنَ قُريانُهُ يُخايلُ فيهِ المُرارُ المُرارا
علَوناهُ يَقدُمُنا سَلْهبٌ نُسكِّنُهُ تَئِقًا مُستطارا
قَصرْنا لهُ دونَ رزقِ العيالِ بُحًّا مَهاريسَ كُومًا ظُؤارا
مَقاحيدَ يَغْبِقْنَهُ ما اشتهى فيصبحُ أحسنَ شيءٍ شَوارا
فبِتْنا بأوسطِهِ سُرّةً نُصَهْصي النُّهاقَ بهِ والعِرارا
فلما أضاءَ لنا حاجبٌ منَ الشمسُ تحسِبُهُ العينُ نارا
رأينَ المها ورأينَ النَّعامَ وأحمِرةً بغَميسٍ نِعارا
فلما رأينا صِفاحَ الوجو هِ يَبرُقْنَ نَغْتَرهُنَّ اغتِرارا
غدَونا بهِ مثلَ وقْفِ العَرو سِ أهيفَ بطنًا مُمَرًّا مُغارا
قذفْنا الحَرُوريَّ في شِدقِهِ وأُبطِنَ مُلَحَمُ فيهِ العِذارا
فلما عقلْنا عليهِ الغُلا مَ قِرنَيْنِ لا يُنكرانِ الغِوارا
حذرناهُ من فلكٍ بافعٍ يغيبُ الرَّقاقَ ويطفو الخُبارا
كأنَّ غُلَيِّمنا مُعْصِمًا ونحنُ نرى جانبَيءهِ الشَّرارا
يمرُّ بهِ برَدٌ سابحٌ يُشَقِّقُ من كلِّ بينٍ دبارا
كأنَّ مُلأتُهُ مُدْبِرًا حريقُ الغَريفِ إذا ما استدارا
هشيمٌ منَ الغافِ مُستوقدٌ يُسنِّنُ ريحًا وزادَ استعارا
وشدَّدَ أزرقَ مثلَ الشِّها بِ كنّا انتقَيْناهُ زُرقًا حِشارا
[ ٣٢٠ ]
فلما علاهُنَّ شُؤْبوبُهُ ولفَّ نفِيُّ غبارٍ غبارا
فأحْذاهُ مثلَ قُدامى الجِناحِ خَضْخَضَ قُصْبًا وأفرى سِتارا
فتزداد حَمْيًا شآبيبُهُ وتزداد أوضاحُهنَّ احمِرارا
فألغى مَهاتَيْنِ في شأوِهِ وألغى الظَّليمَ وألغى الحِمارا
وخَطّارةٍ مثلِ خطْرِ الفنِي قِ تقطعُ منهُ الحِطاطُ السِّفارا
هَوِيَّ مُصَلَّمةٍ صَعْلةٍ تأوَّبُ بالسِّيِّ زُغبًا صغارا
رماها المساءُ فما تبتلي بأرْمِيَةٍ ينهمِرْنَ انهمارا
يبادرْنَ رَيِّقَ ذي كِرْفئٍ يَقُدُّ الرُّبا ويشقُّ البحارا
خَشوفِ الظلامِ إذا أظلمَتْ فأما النهارَ فتَخْدي النهارا
رميتُ بها الليلَ حتى انحنتْ كأنَّ بها وهْيَ رهْبٌ هِجارا
تُبادرُهُ أمَّ أُدْحِيّها فتَبْدِرُهُ وتفوتُ الغبارا
فشبَّهتُ تلكَ صُهابيّةٌ منَ العيسِ تهدي قِلاصًا مِهارا
إذا يدُها وافدَتْ رِجلَها بأغبرَ يزدادُ إلاّ اغبرارا
تَواهَق أربَعُها واغتلى مُقدَّمُها وابتذلْنَ المَحارا
إلى حكَمٍ وهوَ أهلُ الثناءِ وحُسنِ الثناءِ تولّى القِفارا
أُنيختْ بهِ ولقدْ هُلّلتْ ومُقْوَرَّةً كِليتاها اقوِرارا
كأنَّ العُفاةَ على بابِهِ عفاةُ المُحَصَّبِ ترمي الجِمارا
وقال أبو حيّة يمدح الوليد بن يزيد بن القعقاع بن خُليد بن جَزء بن الحارث بن زهير، وهو أول من حبا أبا حيّة، وأجازه في أيام هشام بن عبد الملك:
يا بنَ الأكارمِ يا وليدُ ألستُمُ أهلَ الغِنى قِدْمًا وطِيبَ العُنصرِ
إنّي أتيتُكَ من شَراءَ وبِيشةٍ ومنَ العقيقِ ومن جنوبِ مُحَجَّرِ
تغلو بيَ القَفراتِ ذاتُ عُلالةٍ بعدَ الكلالِ وبعدَ خلْقٍ دَوسرِ
جادَ الربيعُ لها بفَيدٍ وأُرسلتْ في عازبٍ غَرِدِ الذبابِ مُنوِّرِ
بدأتْ وإنَّ أثارةً ملمومةً لعلى مَحالتِها كخِدرِ المُعْصِرِ
حتى إذا طرحَتْ نَسيلًا جافلًا عنها وقدْ جزأَتْ ثلاثةَ أشهرِ
راحتْ تَقَلْقَلُ من زَرُودَ فأصبحتْ بالبطنِ ذا قِنَةٍ خَفوقَ المِشْفرِ
كلّفتُها رَحلي إليكَ وإنّما ترجو نوافلَ سَيبِكَ المُتحضِّرِ
مرّتْ على قصرِ المقاتلِ بعدَما كربَتْ ظَهيرتُها ولمّا تُظهِرِ
فتزاوَرَتْ منهُ كأنَّ بدَفِّها هِرًّا يُشَبِّثُ ضَبعَها بالأظفُرِ
وأتتْ على البَردانِ وهْيَ مُدِلّةٌ عَجْلى اليدَيْنِ متى أزَعْها تَخْطِرِ
حتى أتتْكَ وقدْ رمتْ بحَنينِها ومشتْ على بخْصِ اليدَينِ الأحمرِ
آلتْ إذا ما حُلَّ عنها رَحلُها جُعلتْ تُضيفُ منَ الغرابِ الأعورِ
إنَّ الوليدَ جرى المئينَ مُبَرِّزًا وصفَتْ يداهُ بنائلٍ لمْ يَنزُرِ
وأشارتِ الأيدي إليهِ بحِلمِهِ والحزمِ حينَ أطاقَ حملَ المئزرِ
حتى إذا لبسَ العِطافَ تفرّجَتْ حلَقُ المجالسِ عنْ أغرَّ مُشهَّرِ
أعطى الجزيلَ وسادَ حينَ مضتْ سبعٌ وبعضُ لِداتِهِ لم يَثغَرِ
وغدا وراحَ إلى الأمورِ بحَزمِهِ وبأمرِ مُطَّلِع الحِمالة مِجْشَرِ