وقال الأحوص بن محمد بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري، يمدح يزيد عبد الملك:
ألا لا تلمْهُ اليومَ أن يتبَلَّدا فقدْ مُنعَ المحزونُ أنْ يتَجلَّدا
نظرْتُ رجاءً بالمُوقَّرِ أنْ أرى أكاريسَ يحتلونَ خاخًا ومُنْشَدا
وأوفَيتُ من نَشْزٍ من الأرضِ يافعٍ وقدْ يَشعَفُ الإيفاءُ من كانَ مُقصدا
فحالَتْ لطَرفِ العينِ من دونِ أرضِها وما أتْلي بالطَّرفِ حتى تردَّدا
سُهوبٌ وأعلامٌ كأنَّ سرابَها إذا استنَّ يُغْشيها المُلاءُ المُعَضّدا
وقلتُ ألا يا ليتَ أسماءَ أصقبَتْ وهلْ قولُ ليتٍ جامعٌ ما تبدّدا
وإنّي لأهواها وأهوى لُقِيَّها كما يشتهي الصادي الشرابَ المبرَّدا
علاقةٌ حُبٍّ لَجَّ في سَنَنِ الصِّبا فبَلَّى وما يزدادُ إلاّ تجدُّدا
وكيفَ وقدْ لاحَ المشيبُ وقطّعَتْ مُدى الدهرِ حبلًا كانَ للوصلِ مُحْصِدا
لكلِّ مُحبٍّ عندَها من شفائِهِ مَشارعُ تحميها الظَّمانَ المصرَّدا
أتحسِبُ أسماءُ الفؤادَ كعهدِهِ وأيامِهِ أمْ تحسِبُ الرأسَ أسودا
لياليَ لا نلقى وللعيشِ لذّةٌ منَ الدهرِ إلاّ صائدًا أو مُصَيَّدا
وعهدي بها صفراءَ رُودًا كأنّما نضا عرَقٌ منها على اللونِ مُجْسَدا
مُهَفْهَفةُ الأعلى وأسفلُ خَلْقِها جرى لحمُهُ ما دونَ أن يَتخدَّدا
منَ المُدْمِجاتِ الحُورِ خَودٌ كأنّها عِنانُ صَناعٍ أنعمَتْ أنْ تُجوَّدا
كأنَّ ذكيَّ المسكِ تحتَ ثيابِها وريحَ الخُزامى ظَلَّةً تنضحُ الندى
كأنَّ خَذولًا في الكِناسِ أعارَها غداةَ تبدَّتْ عُنْقَها والمُقلَّدا
بكيْتُ الصِّبا جَهدي فمنْ شاءَ لامَني ومنْ شاءَ آسى في البكاءِ وأسعدا
فإنّي وإنْ أجريْتُ في طلبِ الصِّبا لأعلمُ أنّي في الصِّبا لستُ أوْحَدا
إذا كنتَ عِزهاةً عنِ اللهوِ والصِّبا فكُنْ حجرًا من يابسِ الصخرِ جلْمدا
هلِ العيشُ إلاّ ما تلَذُّ وتشتهي وإن لامَ فيهِ ذو الشَّنانِ وفَنَّدا
لعَمري لقدْ لاقَيْتُ يومَ مُوقَّرٍ أبا خالدٍ في الحيِّ نجمَكَ أسعُدا
وأعطيْتَني يومَ التقَيْنا عطيَّةً منَ المالِ أمستْ يسَّرتْ ما تشدَّدا
وأوقدْتَ ناري باليَفاعِ فلمْ تدَعْ لنيرانِ أعدائي بنُعماكَ مُوقَدا
وأصبحَتِ النُّعمى التي نِلتَني بها وقدْ رجعَتْ أهلَ الشماتةِ حُسَّدا
ولمْ أكُ للإحسانِ لما اصْطَفَيْتَني كَفُورًا ولا لاعًا منَ المصرِ قُعْدُدا
فلمّا فرَجْتَ الهمَّ عني وكُربَتي حَبَوْتُكَ منّي طائعًا مُتعمِّدا
ثناءَ امرئٍ أثْنى بما قدْ أنلْتَهُ وشُكرَ امرئٍ أمسى يرى الشُّكرَ أرْشدا
فأُقسمُ لا أنفكُّ ما عشتُ شاكرًا لنُعماكَ ما طافَ الحمامُ وغرَّدا
وقد قلتُ لمّا سِيلَ عمّا أنلْتَني ليزدادَ رَغمًا من يحبُّ ليَ الرَّدا
عطاءَ يزيدٍ كلَّ شيءٍ أحوزُهُ منَ ابْيضَ منْ مالٍ يُعَدُّ وأسودا
وما كان مالي طارِفًا عن تجارةٍ وما كان ميراثًا منَ المالِ مُتْلَدا
ولكنْ عطاءً من إمامٍ مبارَكٍ ملا الأرضَ معروفًا وعدلًا وسُؤددا
شكَوتُ إليهِ ثِقْلَ غُرْمٍ لوَ انَّهُ وما أشتكي منهُ على الفيلِ بَلَّدا
فلمّا حمدْناهُ بما كانَ أهلَهُ وكانَ حقيقًا أنْ يُسَنَّى ويُحمَدا
[ ٢٩٠ ]
فإنْ أشكُرِ النُّعمى التي سلفَتْ لهُ فأعظِمْ بها عندي إذا ذُكرتْ يدا
تَبلَّجَ لي واهتزَّ حتى كأنّما هزَزْتُ بهِ للمجدِ سيفًا مُهنَّدا
أخو فجَرٍ لم يدرِ ما البخلُ ساعةً ولا أنَّ ذا جودٍ على البذلِ أنْفَدا
أهانَ تِلادَ المالِ للحمدِ إنّهُ إمامُ هُدىً يجري على ما تعوَّدا
يُشرِّفُ مجدًا من أبيهِ وجدِّهِ وقدْ أورَثا بُنيانَ مجدٍ مُشيَّدا
شريفُ قُريشٍ حينَ يُنسبُ والذي أقرَّتْ لهُ بالمُلكِ كهلًا وأمْردا
وليسَ عطاءٌ كانَ في اليومِ مانِعي إذا عدتُ من إعطاءِ أضعافِهِ غدا
أقيمُ بحمدٍ ما أقمتُ وإنْ أبِنْ إلى غيرِكمْ لم أحمدِ المُتَوَرَّدا
وكم لكَ عندي من عطاءٍ ونعمةٍ تسوءُ عدوًّا غائبينَ وشُهَّدا
تَسُورُ بهِ عندَ العطيّةِ شِيمةٌ هيَ الجُودُ منهُ غيرَ أنْ يَتجوَّدا
فلو كانَ بذلُ المالِ والعُرفُ مُخْلِدًا منَ الناسِ إنسانًا لكنتَ المُخلَّدا
وقال الأحوص:
ألا نَوِّلي قبلَ الفراقِ قَذُورُ فقدْ حانَ من صَحبي الغَداةَ بُكورُ
نَوالَ محبٍّ غيرَ قالٍ مُودّعٍ وداعَ الفراقِ والزمانُ خَتُورُ
إذا أدلجتْ منكمْ بنا العِيسُ أو غدَتْ فلا وصْلَ إلاّ ما يُجِنُّ ضميرُ
مودّة ذي وُدٍّ تعرَّضَ دونَهُ تَشائي نوىً لا تُستطاعُ طَحُورُ
فإنْ تَحُلِ الأشغالُ دونَ نَوالِكُمْ وينأى المَزارُ فالفؤادُ أسيرُ
ويركدُ ليلٌ لا يزالُ تَطاوُلًا فقدْ كانَ يجلو الليلُ وهو قصيرُ
ويُسعدُنا صَرفُ الزمانِ بوَصلِكمْ لياليَ مَبْداكُمْ قَذُورُ حصيرُ
ونَغنى ولا نتخشى الفراقَ ونلتقي وليسَ علينا في اللقاءِ أميرُ
كذلكَ صرفُ الدهرِ فيهِ تَغلُّظٌ مِرارًا وفيهِ للمُحبِّ سرورُ
إذا سُرَّ يومًا بالوِصالِ فإنّهُ بأسخاطِهِ بعدَ السرورِ جديرُ
لعَمرُ أبيها ما جزَتْنا بوُدِّها ولا شكرتْهُ والكريمُ شَكورُ
وتنأى يكادُ القلبُ يُبدي تَشوُّقًا لوَ انَّ اشتِياقًا للمحبِّ يَضيرُ
وتدنو فتَنْوِيلي إذا الدارُ أصفَنَتْ قليلٌ وعذْلٌ بعدَ ذاكَ كثيرُ
فإنْ زرتَ ليلى بعدَ طُولِ تَجنُّبٍ تأبَّضَ منقوصُ اليدَيْنِ غَيُورُ
يرى حسرةً أن تَصْقِبَ الدارُ مرّةً ولو حالَ بابٌ دونَها وسُتورُ
هجرْتُ فقالَ الناسُ ما بالُ هجْرها وزرتُ فقالوا ما يزالُ يزورُ
أزورُ على أنْ ليسَ ينفكُّ كلّما أتيتُ عدوٌّ بالبنانِ يُشيرُ
وما كنتُ زَوّارًا ولكنَّ ذا الهوى إذا لم يزُرْ لا بدَّ أنْ سَيزورُ
وقد أنكروا بعدَ اعتِرافٍ زيارَتي وقدْ وغِرَتْ فيها عليَّ صدورُ
وشطَّتْ ديارٌ بعدَ قُربٍ بأهلِها وعادَتْ لهمْ بعدَ الأمورِ أمورُ
ولستُ بآتٍ أهلَها غيرَ زائرٍ ولا زائرٌ إلاّ عليَّ نصيرُ
وقد جهِدَ الواشونَ كَيما أطيعُهمْ بهِجْرَتِها إنّي إذنْ لصبورُ
وقد علموا واستيْقَنوا أنَّ سُخطَهمْ عليَّ جميعًا في رِضاكِ يسيرُ
وقد علمَتْ أنْ لنْ أطيعَ بصُرمِها مَقالةَ واشٍ ما أقامَ ثَبيرُ
وأنْ ليسَ للوُدِّ الذي كانَ بيننا ولو سخطَتْ أخرى المَنونِ ظهورُ
لعَمرُ أبيها إنَّ كِتمانَ سِرِّها لها في الذي عندي لها لَيَسيرُ
وما زلتُ في الكُتمانِ أكْني بغيرِها فيُنْجِدُ ظنُّ الناسِ بي ويَغُورُ
أُحدِّثُ أنّي قد سلوْتُ وكلّما تذكّرتُها كانَ الفؤادُ يطيرُ
يقولونَ أظهِرْ صُرْمَها واجتِنابَها ألا وصْلُها للواصلينَ طَهورُ
أبى اللهُ أن تلقى لوَصلِكَ غِرَّةٌ كما بعضُ وَصلِ الغانياتِ غرورُ
تُصيبُ الهدى في حُكمِها غيرَ أنّها إذا حكمَتْ حُكمًا عليَّ تجورُ
وما زالَ منْ قلبي لسَوْدةَ ناصرٌ يكونُ على نفسي لها ووزيرُ
فما مُزنةٌ بحرِيّةٌ لاحَ برقُها تَهلَّلَ في غُمٍّ لهُنَّ صَبِيرُ
[ ٢٩١ ]
ولا الشمسُ في يومِ الدُّجُنَّةِ أشرقَتْ ولا البدرُ بالميساقِ حينَ يُنيرُ
ولا شادنٌ ترنو بهِ أمُّ شادنٍ بجوٍّ أنيقِ النَّبتِ وهو خَضيرُ
بأحسنَ من سُعْدى غداةَ بدَتْ لنا بوجهٍ عليهِ نضرةٌ وسرورُ
لَعمرُكَ إنّي حينَ أكْني بغيرِها وأتركُ إعلانًا بها لًصَبورُ
أغارُ عليها أن تُقبِّلَ بعلَها لَعمرُ أبيها إنّني لغَيُورُ
أقولُ لِعَمرٍ وهو يَلْحى على الصِّبا ونحنُ بأعلى السَّيِّرَيْنِ نسيرُ
عشيّةَ لا حِلمٌ يَرُدُّ عن الصِّبا ولا صاحبي فيما لقِيتُ عَذُورُ
لقد منعَتْ معروفَها أمُّ جعفرٍ وإنّي إلى معروفِها لفقيرُ
وقد جعلَتْ مما لقيتُ من الذي وجدْتُ بيَ الأرضُ الفضاءُ تمورُ
أطاعَتْ بنا من قدْ قطعتُ منَ اجْلِها ثلاثًا تِباعًا إنّها لكفورُ
فلا تَلحَيَنْ بعدي مُحبًّا ولا تُعِنْ على لَومِهِ إنَّ المحبَّ ضَريرُ
أزورُ بيوتًا لاصِقاتٍ ببيتِها ونفسيَ في البيتِ الذي لا أزورُ
أدورُ ولولا أن أرى أمَّ جعفرٍ بأبياتِكمْ ما درتُ حيثُ أدورُ
وقال الأحوص يمدح عمر بن عبد العزيز:
يا بيتَ عاتِكةَ الذي أتعَزَّلُ حذَرَ العِدى وبهِ الفؤادُ مُوَكَّلُ
هل عيشُنا بكِ في زمانِكِ راجعٌ فلقدْ تفحَّشَ بعدَكِ المُتعَلِّلُ
أصبحْتُ أمنحْكِ الصدودَ وإنّني قسَمًا إليكِ معَ الصدودِ لأمْيَلُ
فصددْتُ عنكِ وما صددْتُ لبِغضةٍ أخشى مَقالةَ كاشِحٍ لا يغفلُ
يأتي إذا قلتُ استقامَ يَحُطُّهُ خلفلإ كما نظرَ الخِلافَ الأقبلُ
ولوَ انَّ ما عالجْتُ لِينَ فؤادِهِ فقسا اسْتُلِينَ بهِ للنَ الجَندلُ
ولئنْ صددْتِ لأنتِ لولا رِقْبَتي أشهى من اللائي أزورُ وأدخلُ
وتَجنُّبي بيتَ الحبيبِ أحبُّهُ أُرضي البغيضَ بهِ حديثٌ مُعْضِلُ
إنَّ الشبابَ وعيشَنا اللذَّ الذي كنّا به زمَنًا نُسَرُّ ونُجْذَلُ
ولَّتْ بَشاشَتُهُ وأصبحَ ذِكرُهُ شَجَنًا يُعَلُّ بهِ الفؤادُ ويُنهَلُ
إلاّ تذكُّرُ ما مضى وصَبابةٌ مُنِيَتْ لقلبِ مُتيَّمٍ لا يذهَلُ
أوْدى الشبابُ وأخلقَتْ لذّاتُهُ وأنا الحريصُ على الشبابِ المُعولُ
تبكي لِما قلَبَ الزمانُ جديدَهُ خلَقًا وليسَ على الزمانِ مُعوَّلُ
والرأسُ شامِلُهُ البياضُ كأنّهُ بعدَ السوادِ بهِ الثَّغامُ المُحْوِلُ
وشفيقةٍ هبَّتْ عليَّ بسُحرةٍ جهلًا تلومُ على الثَّواءِ وتَعذُلُ
فأجبتُها إنْ قلتُ لستِ مُطاعةً فذَري تَنصُّحَكِ الذي لا يُقبلُ
إنّي كفاني أنْ أعالجَ رِحلةً عُمَرٌ ونبوةُ من يَضُنُّ ويبخلُ
بنَوالِ ذي فجَرٍ يكونُ سِجالُهُ عِصَمًا إذا نزلَ الزمانُ المُمْحِلُ
ماضٍ على حدَثِ الأمورِ كأنّهُ ذو رَونقٍ عضْبٌ جلاهُ الصَّيقلُ
يُغضي الرجالُ إذا بدا إعظامُهُ فِعلَ الخَشخاشِ بدا لهنَّ الأجدلُ
ويروْنَ أنّ لهُ عليهمْ سَورةً وفضيلةً سبقَتْ له لا تُجهلُ
مُتحمِّلٌ ثِقْلَ الأمورِ حَوى لهُ شرفَ المكارمِ سابقٌ مُتمهِّلُ
ولهُ إذا نُسبَتْ قريشٌ فيهمِ مجدُ الأرومةِ والفَعالُ الأفضلُ
ولهُ بمكّةَ إذْ أميّةُ أهلُها إرثٌ إذا ذكرَ القديمُ مُؤثَّلُ
أغنَتْ قرابَتْهُ وكانَ لُزومُهُ أمرًا أبانَ رَشادَهُ من يعقِلُ
ولقدْ بدأتُ أريدُ وُدَّ مَعاشرٍ وعَدوا مواعدَ أخلفَتْ إذْ حُصِّلوا
حتى إذا رجعَ اليقينُ مَطامعي يأسًا وأخلَفَني الذين أؤمِّلُ
زايلْتُ ما صنعوا إليكَ بنَقلِهِ عجلٌ وعندَكَ عنهُمُ مُتحوَّلُ
ووعدْتَني في حاجَتي وصدقْتَني ووفَيْتَ إذْ كذبوا الحديثَ وبدَّلوا
وشكَوتُ غُرْمًا فادحًا فحملْتَهُ عنّي وأنتَ لمثلِهِ مُتحمِّلُ
فأعِدْ فِدىً لكَ ما أحوزُ بنعمةٍ أخرى تَرُبُّ بها نَداكَ الأولُ
[ ٢٩٢ ]
فلأشكُرَنَّكَ حُسنَ ما أولَيْتَني شُكرًا تُحَلُّ بهِ المَطيُّ وتُرحَلُ
مِدَحًا يكونُ لكمْ غرائبُ شِعرِها مبذولةً ولغيرِكمْ لا تُبذَلُ
وإذا تَنخَّلتُ القَريضَ فإنّهُ لكمُ يكونُ خِيارُ ما أتنخَّلُ
أُثني عليكمْ ما بقيتُ فإنْ أمُتْ تَخلُدْ غرائبُها لكمْ تُتَمَثَّلُ
فلَعمرُ منْ حجَّ الحجيجُ لوجهِهِ تَهوي بهمْ خُوصٌ طلائحُ ذُبَّلُ
إنَّ امرءًا قد نالَ منكَ قَرابةً يرجو منافعَ غيرِها لمُضلَّلُ
تعفو إذا جهِلوا بحِلمِكَ جهلهمْ وتُنيلُ إنْ طلبوا النَّوالَ فتُجزِلُ
وتكونُ مَعقِلَهُمْ إذا لم يُنجِهمْ من شرِّ ما يخشَوْنَ إلاّ مَعقِلُ
حتى كأنّكَ يُتَّقى بكَ دونَهمْ منْ أُسْدِ بِيشَة خادرٌ مُتَبسِّلُ
وأراكَ تفعلُ ما تقولُ وبعضُهمْ مَذِقُ الحديثِ يقولُ ما لا يفعلُ
وأرى المدينةَ حينَ كنتَ أميرَها أَمِنَ البريءُ بها ونامَ الأعزلُ
وقال الأحوص:
ما ضرَّ جيرانَنا إذا انتجَعوا لو أنّهمْ قبلَ بينِهمْ ربَعُوا
إنَّ لُبَيْنى قدْ ضَرَّ أقْرَبُها ولو أرادوا أنْ ينفعوا نفعوا
هم باعَدوا بالذي كَلِفْتُ بهِ أليسَ باللهِ بئسَ ما صنعوا
أحْمَوا على عاشقٍ زيارَتَهُ فهْوَ بهِجرانِ بيتِهمْ فَظِعُ
بانوا فقدْ فجَّعوا ببَينِهمِ ولم يبالوا أحزانَ من فجَعوا
وهْوَ كأنَّ الهُيامَ خالطَهُ وشابَهُ غيرُ حبِّها وجَعُ
تصُدُّ عنها من غيرِ هيبتِهمْ مخافةً أنَّ يمسَّها طمعُ
لمَنعِهمْ أُكْلِفَ الفؤادُ بها وليسَ يهوى إلاّ التي منعوا
كأنَّ من لامَني لأصرِمَها كانوا لِلُبْنى ببَينِهمْ شفعوا
أعطي لُبَيْنى منّي وإنْ نزحَتْ صفْوًا من الوُدِّ خالقٌ صنَعُ
فاللهُ بيني وبينَ قيّمِها يفِرُّ منّي بها وأتَّبِعُ
كأنَّ لُبْنى صَبيرُ غاديةٍ أو دميةٌ زُيِّنَتْ بها البِيَعُ
أو ظبيةٌ مُطْفِلٌ أطاعَ لها بقْلٌ بجوٍّ ومَشْرَعٌ كرَعُ
لم ترْعَ يومًا جدبًا بمَسرحِها ولم يرُعْها في مَرتَعٍ فزَعُ
أرْخُ لَعوبٌ كأنَّ مَضحكَها برقٌ تلألأَ في المزنِ يلتَمِعُ
تَعقِصُ وحْفًا كأنَّ مُرسَلَهُ أساوِدٌ شَبَّ لونَها جرَعُ
على نقيِّ اللِّيتَيْنِ مُعتدلٍ لا وَقَصٌ هابَهُ ولا هَنَعُ
من نسوةٍ خُرَّدٍ مُشابِهُها منَ الظباءِ العيونُ والتِّلَعُ
أوانِسٌ أمْرُهُنَّ ما أشِرَتْ هُنَّ للُبْنى في أمرِها تَبَعُ
يضعْنَ لهوَ الصِّبا مواضعَهُ فلا جفاءٌ يُرى ولا خَرَعُ
إذا مشتْ قاربَتْ على مهَلٍ مشيًا مَكِيثًا واللونُ مُنتقِعُ
تَدافُعُ السيلِ مالَ في جرَعٍ ينعرجُ الطَّورَ ثمّ يندفِعُ
بل ليتَ شِعري عمّنْ كلِفْتَ بهِ منْ خَثعَمٍ إذْ نآوكَ ما صنعوا
إذْ شطّتِ الدارُ عن ديارِهمِ أأمسكوا بالوِصالِ أمْ قطعوا
بل همْ على خيرِ ما عهدتْ وما ذاكَ إلاّ التأميلُ والطمعُ
قدْ يحفظُ الوُدَّ والصفاءَ إذا كانَ كريمًا والشِّعْبُ مُنصدِعُ
كأنّهمْ إذْ غدَتْ بأجمَعِهمْ في الفجرِ بُزْلُ الجِمالِ تَهتَرِعُ
دلُّوا على بَكْرَةٍ أضرَّ بها نُزّاعُها أو أفاضَها نزَعُ
قد شَفَّ قلبي وهاجَ فُرقَتُهمْ شوقًا فنفسي لها جس تقعُ
هلْ لي منَ الشوقِ إذْ كَلِفْتُ بها شافٍ فإنّي بحُبِّها طَمِعُ
قدْ ضمّنَتْ حُبَّها أخا كُرَبٍ قد شفَّهُ الشوقُ فهْوَ مُوتَزَعُ
لا بدَّ من نظرةٍ أُسَرُّ بها منكِ لُبَيْنى والحبلُ مُنقطِعُ
قد هيَّجَ الشوقَ منزِلٌ لهمُ بالجوِّ أمسى وأهلُهُ بِدعُ
وزوَّدوني في النفسِ شَوقَهمُ فالعينُ منّي بالدمعِ تَندرِعُ
إنّي وأيدي الخِفافِ يُعملُها شُعثٌ إلى البيتِ قَلَّ ما هجعوا
[ ٢٩٣ ]
ما إنْ أردْنا وِصالَ غيرِهمِ ولا قطعْناهمُ كما قطعوا
وقال الأحوص يمدح الوليد:
أمَنْزلَتَيْ مَيٍّ على القِدَمِ اسْلَما فقدْ هِجْتُما للشوقِ قَلبًا مُتيَّما
وذكَّرْتُما عصرَ الشبابِ الذي مضى وجِدَّةَ حبلٍ وصلُهُ قد تَجذَّما
فإنّي إذا حلَّتْ ببِيشٍ مُقيمةً وحلَّ بوَجٍّ سالمًا أو تتهَّما
عراقيّةٌ شطَّتْ وأصبحَ نفعُها رجاءً وظنًّا بالمَغيبِ مُرَجَّما
أُحبُّ دُنوَّ الدارِ منها وقدْ أبى بها صَدْعُ شَعْبِ الدارِ أنْ يتلاءَما
بكاها وما يدري سوى الظنِّ ما بكى أحَيًَّا يُرَجِّي أمْ ترابًا وأعظُما
نأتْ وأتى خوفُ الطَّواعِينِ دونَها وقدْ أنعمَتْ أخيارُها أنْ تَصرَّما
وُعدتُ بها شهرَيْنِ ثُمَّتَ لم يزلْ بكَ الشوقُ حتى غِبتَ حَولًا مُحرَّما
أفالآنَ لما جلَّ ذو الأثْلِ دونَها ندمْتَ ولم تندمْ هنالكَ مَندَما
سلمْتَ بذِكراها وما حُكمُ ذِكرِها بفارعةِ الظُّهرانِ إلاّ لتَسْقَما
فدعْها وأحدِثْ للخليفةِ مِدحةً تُزِلْ عنكَ بؤسى أو تُفِدْ لكَ مَغنَما
فإنَّ بكفَّيهِ مفاتيحَ رحمةٍ وغيثَ حَيًا يحيى بهِ الناسُ مُرْهِما
إمامٌ أتاهُ المُلكُ عَفوًا ولم يُصِبْ على مُلكِهِ مالًا حرامًا ولا دما
تَخيَّرهُ ربُّ العبادِ لخَلْقِهِ وَلِيًّا وكانَ اللهُ بالناسِ أعلما
فلما ارتضاهُ اللهُ لمْ يدَعْ مُسلمًا لبَيعتِهِ إلاّ أجابَ وسَلَّما
ينالُ الغِنى والعزَّ من نالَ وُدَّهُ ويرهَبُ موتًا عاجلًا إنْ تَنقَّما
ألمْ ترَهُ أعطى الحَجيجَ كأنّما أنالَ بما أعطى منَ المالِ دِرهما
تفقَّدَ أهلَ الأخشبَيْنِ فكلَّهمْ أنالَ وأعطى سَيْبَهُ المُتَقَسَّما
فراحوا بما أسدى إلى كلِّ بلدةٍ بحمدٍ يهُزُّونَ المَطِيَّ المُخَزَّما
كشمسِ نهارٍ أبَتْ للناسِ إنْ بدَتْ أضاءَتْ وإنْ غابَتْ محَتْهُ فأظلما
ترى الراغبينَ المُرْتَجينَ نَوالَهُ يُحيُّونَ بَسّامَ العشِيّاتِ خِضْرِما
كأنّهمُ يستمطِرونَ بنَفعِهِ ربيعًا مرَتْهُ المُعصِراتُ فأثْجَما
تَلِيدُ الندى أرْسى بمكّةَ مجدُهُ على عهدِ ذي القَرنَيْنِ أو كانَ أقدما
همُ بيَّنوا منها مَناسكَ أهلِها وهمْ حجَروا الحِجرَ الحرامَ وزَمزما
وهمْ منعوا بالمرجِ منْ بطنِ راهِطٍ ببِيضِ الصَّفيحِ حَوضَهمْ أنْ يُهَدَّما
عليهمْ منَ الماذيِّ جدْلٌ تَخالُها تَرِيكَ سيولٍ في نِهاءٍ مُصَرَّما
فمن يكتُمُ الحقَّ المبينَ فإنّني أبَيتُ بما أُعطَيتُ ألاّ تَكلُّما
وإنّي لأرجو منْ نَداكَ رَغيبةً أفيدُ غِنىً منها وأفرُجُ مَغرما
مُشابهُ صدقٍ من أبيكَ وشِيمةٌ أبَتْ لكَ بالمعروفِ إلاّ تقدُّما
فإنّكَ من أعزَزْتَ عَزَّ ومن تُرِدْ هَضِيمَتَهُ لم يُحْمَ أنْ يتهضَّما
قضَيتَ قضاءً في الخلافةِ لم تدَعْ لذي نخوةٍ يرجو الخلافةَ مَرغَما
رضِيتُ لهمْ ما قد رضُوا لنفوسِهمْ وأفْلَجْتَ من قد كان بالحقِّ أعصما
وقدْ رامَ أقوامٌ رَداكَ فعالجوا على رَغمِهمْ أمرًا من اللهِ مُحكَما
قضى فعصَوه رغبةً عن قضائِهِ فلم يجدوا عمّا أرادوكَ مَرغَما
أبى لهمُ أنْ يخلُصوا من هَوانِهِ وأنْ ينزِعوا إكرامَ من كانَ أكرما
ولم يتركوا ذا لُبْسةٍ رأيُهُ عَمًا ولم يتركوا ذا الدَّرْءِ حتى تَقوَّما
بأسيافِها بعدَ العَما نصروا الهدى يقينَ البيانِ لا الحديثِ المُرجَّما
وقال الأحوص وهو بالشام، وأقام بعمّان، وهي مدينة البلقاء فارق ليلةً، وقال ويمدح فيها:
أقولُ بعمّانٍ وهلْ طَربي بهِ إلى أهلِ سَلْعٍ إنْ تشوَّقْتُ نافعُ
أصاحِ ألمْ تحزُنْكَ ريحٌ مريضةٌ وبرقٌ تَلالا بالعَقيقتَيْنِ رافعُ
فإنَّ غريبَ الدارِ مما يشوقُهُ نسيمُ الرياحِ والبروقُ اللوامعُ
[ ٢٩٤ ]
نظرْتُ على فَوتٍ وأوفى عشيّةً بنا منظرٌ من حِصنِ عمّانَ يافعُ
لأُبصِرَ أحياءً بِخاخٍ تضمَّنتْ منازلَهمْ منها التلاعُ الدَّوافعُ
ومن دونِ ما أسمو بطرْفي لأرضِهمْ مَعانٌ ومُغبَرٌّ من البيدِ واسعُ
فأبدَتْ كثيرًا نظرَتي من صَبابَتي وأكثرُ منهُ ما تُجِنُّ الأضالعُ
وللعينِ أسرابٌ تفيضُ كأنّما تُعَلُّ بكُحلِ الصابِ منها المدامعُ
لَعمرُ ابنةِ الزيْدِيِّ إنَّ ادِّكارَها على كلِّ حالٍ للفؤادِ لرائعُ
وإنّي إليها حيثُ طارَتْ بها النَّوى منَ الغَورِ أو جَلْسِ البلادِ لنازعُ
وقدْ ثبتَتْ في القلبِ منكِ مودّةٌ كما ثبتَتْ في الراحتَيْنِ الأصابعُ
أهُمُّ لأنسى ذِكرَها فيشُوقُني رفاقٌ إلى أهلِ الحجازِ نَوازِعُ
فيا ليتَ أنّا قد تعسَّفتِ المَلا بنا قُلُصٌ يَلْحَبْنَ والفجرُ ساطعُ
مَوارِقُ منْ أعتاقِ ليلٍ كأنّها قَطًا قارِبٌ ماءَ النُّمَيرةِ ساطعُ
رَوايا تأنِّيها على كلِّ مَنهلٍ قليلٌ إذا ما أمكنَتْها المشارعُ
طَوَيْنَ أدواى أحْكَمَ اللهُ صُنعَها إذا لم تعالِجْ خَرْزَهُنَّ الصَّوانعُ
بفتوى نحورٍ ما يكَلِّفْنَ مُمسِكًا حناجرَها لمّا استقَيْنَ المَقامعُ
بُغِثْنَ بها زغبًا برأسِ مفازةٍ تَضمنَّها منها رُبًا وأجارِعُ
مُلبَّدةٌ غُبْرًا جُثومًا كأنّها أفانِيُّ لولا رُوسُها والأكارِعُ
تَبوَّأْنَ بَيضًا في أفاحيصِ قَفرةٍ فهُنَّ بفَيْفاءِ الفلاةِ ودائعُ
وإنّا عَدانا عن بلادٍ نُحبُّها إمامٌ طَبانا خَيرُهُ المُتتابعُ
أغَرُّ لمروانٍ وليلى كأنّهُ حسامٌ جلَتْ عنهُ الصَّياقلُ قاطعُ
هوَ الفرعُ من عَبدَيْ منافٍ كأنّهُ إليهِ انتهَتْ أحسابُهمْ والدَّسائعُ
إذا ما بدا للناظرينَ كأنّهُ هلالٌ بدا في ظلمةِ الليلِ طالعُ
فكلُّ غنيٍّ قانعٌ بنَوالِهِ وكلُّ عزيزٍ عندَهُ مُتواضعُ
هوَ الموتُ أحيانًا يكونُ وإنّهُ لغيثُ حَيًا يحيا بهِ الناسُ واسعُ
فما أحدٌ يبدو له من حجابِهِ فينظرُ إلاّ وهْوَ بالذلِّ خاشعُ
فنحنُ نُرجِّي نفعَهُ ونخافُهُ وكِلتاهُما منهُ برِفقٍ نُصانِعُ
لهُ دِسَعٌ فيها حياةٌ وسَورَةٌ تُميتُ وحِلمٌ يَفضُلُ الحِلمَ بارعُ
رمى أهلَ نَهرَي بابلٍ إذْ أضلَّهُمْ أزْلُّ عُمانيٌّ بهِ الوشمُ راضعُ
بتسعينَ ألفًا كلُّهمْ حينَ يُبتلى جميعُ السلاحِ باسلُ النفسِ دارِعُ
منَ الشامِ حتى صبحتهمْ جُموعُهُ بأرضِهمْ والمقْرباتُ النزائعُ
فلمّا رأوا أهلَ اليقينِ تخاذلوا ورامُوا النجاةَ والمنايا شوارعُ
على ساعةٍ لا عُذرَ فيها لظالمٍ ولا لهمُ من سطوةِ اللهِ مانعُ
فظلَّ لهمْ يومٌ بهمْ حلَّ شرُّهُ تزولُ لهم فيهِ النجومُ الطوالعُ
يَحُوسُهمُ أهلُ اليقينِ فكلُّهمْ يلوذُ حِذارَ الموتِ والموتُ كانعُ
وكم غادرَتْ أسيافُهمْ من مُنافقٍ يَمجُّ دمًا أوداجُهُ والأخادعُ
قتيلٌ نرى ما لا ينالُ وفاتُهُ ولاقى ذميمًا موتَهُ وهْوَ خالِعُ
عَوى فاستجابَتْ إذْ عوى لعُوائِهِ عبيدٌ لهمْ في كلِّ أمرٍ بدائعُ
وما زالَ ينوي الغَيَّ من نَوْكِ رأيِهِ بعمياءَ حتى احْتَرَّ منه المَسامعُ
وحتى استُبيحَ الجَمعُ منهمْ فأصبحوا كبعضِ الأُلى كانتْ تصيبُ القوارعُ
فأضحوا بنَهرَيْ بابلٍ ورؤوسُهمْ تُجيزُ بها البيدَ المطايا الخواضعُ
فريقانِ مقتولٌ صريعٌ بذَنْبِهِ شقيٌّ ومأسورٌ عليهِ الجوامعُ
لَعمري لقدْ ضلَّتْ ودارَتْ عليهمِ بما كرهوا تلكَ الأمورُ الفظائعُ
عصائبُ ولّتْكَ ابنَ دَحْمةَ أمرَها وذلكَ أمرٌ يا بنَ دَحمةَ ضائعُ
أفالآنَ لمّا بايَعوا لضلالةٍ دعَوْتَ فهَلًا قبلَ إذْ لم يُبايِعوا
[ ٢٩٥ ]
ومنْ دونِ ما حاولتَ من نكْثِ عهدِهمْ وأمِّكَ موتٌ يا بنَ دَحمةَ ناقعُ
فذُقْ غِبَّ ما قد جئتَ إنّكَ ضَلَّةٌ إلى جُرمِ ما لاقَيْتَ عطشانَ جائعُ
كفرْتَ الذي أسدوا إليكَ وسدَّدوا من الحُسنِ والنُّعمى فخدُّكَ ضارِعُ
هلَ انتَ أميرَ المؤمنينَ فإنّني بودِّكَ من وُدِّ البريّةِ قانعُ
مُتمِّمُ أجرٍ قد مضى وصنيعةٍ لكمْ عندَنا إذْ لا تُعَدُّ الصنائعُ
وكم من عدوٍّ كاشِحٍ ذي كَشاحةٍ ومُستمِعٍ بالغيبِ ما أنتَ صانعُ
وقال الأحوص:
أفي كلِّ يومٍ حَبَّةُ القلبِ تُقرَعُ وعيني لبَينٍ من ذوي الوُدِّ تَدمَعُ
ألَلْجِدُّ إنّي مُبتلىً كلَّ ساعةٍ بهمٍّ لهُ لوعاتُ حزنٍ تَطلَّعُ
إذا ذهبَتْ عني غَواشٍ لعَبْرَةٍ أظلُّ لأُخرى بعدَها أتوقَّعُ
فلا النفسُ من تَهْمامِها مُستريحةٌ ولا بالذي يأتي من الدهرِ يَقنعُ
ولا أنا باللائي تَسنَّيْتُ مُرْزأ ولا بذوي خَلْصِ الصَّفا مُتمتِّعُ
وأولعَ بي صرفُ الزمانِ وعَطفُهُ لتَقطيعِ وصْلٍ خُلّةٌ حينَ تقطعُ
وهاجَ ليَ الشوقَ القديمَ حمامةٌ على الأيْكِ بينَ القريتَيْنِ تَفجَّعُ
مُطوَّقةٌ تدعو هديلًا وتحتَها لهُ فنَنٌ ذو نضرةٍ يتزعْزَعُ
وما شَجوُها كالشجوِ منّي ولا الذي إذا جزعَتْ مثلُ الذي منهُ أجزَعُ
فقلتُ لها لو كنتِ صادقةَ الهوى صنعْتِ كما أصبحْتُ للشوقِ أصنعُ
ولكنْ كتمْتُ الوجدَ إلاّ تَرنُّمًا أطاعَ له منّي فؤادٌ مُروَّعُ
وما يستوي باكٍ لشَجوٍ وطائرٌ سوى أنّهُ يدعو بصوتٍ ويسجَعُ
فلا أنا فيما قد بدا منكِ فاعلَمي أصَبُّ بعيدًا منكِ قلبًا وأَوجَعُ
ولوْ أنَّ ما أُعنى بهِ كانَ في الذي أوَمِّلُ منْ معروفِهِ اليومَ مَطمَعُ
ولكنّني وُكِّلْتُ منْ كلِّ باخلٍ عليَّ بما أُعنى بهِ وأُمَنَّعُ
وفي البخلِ عارٌ فاضحٌ ونقيصةٌ على أهلهِ والجودُ أبقى وأوسعُ
أجِدَّكَ لا تنسى سُعادَ وذِكرها فيرقأُ دمعُ العينِ منكَ فتهجَعُ
طربْتَ فما تنفكُّ يحزُنُكَ الهوى مُودِّعُ بَينٍ راحلٍ ومُودَّعُ
أبى قلبُها إلاّ بِعادًا وقسوةً ومالَ إليها وُدُّ قلبِكَ أجمعُ
فلا هي بالمعروفِ منكَ سخيّةٌ فتُبرمُ حبلَ الوصْلِ أو تَتبرَّعُ
ولا هو إمّا عاتبٌ كانَ قابلًا من الهائمِ الصَّبِّ الذي يتضرَّعُ
أفِقْ أيُّها المرءُ الذي بهمومِهِ إلى الظاعنِ النائي المحَلَّةِ ينزِعُ
فما كلُّ ما أمَّلتَهُ أنتَ مُدركٌ ولا كلُّ ما حاذَرْتَهُ عنكَ يُدفَعُ
ولا كلُّ ذي حرصٍ يُزادُ بحرصِهِ ولا كلُّ راجٍ نفعَهُ المرءُ ينفعُ
وكم سائلٍ أمْنِيَّةً لوْ ينالُها لظَلَّ بسوءِ القولِ في القومِ يقنعُ
وذي صَممٍ عندَ العِتابِ وسَمعُهُ لِما شاءَ منْ أمرِ السفاهةِ يسمعُ
ومن ناطقٍ يُبدي التكلُّمُ عِيَّهُ وقدْ كانَ في الإنصافِ عنْ ذاكَ مَرْبَعُ
ومن ساكتٍ حِلمًا على غيرِ ريبةٍ ولا سَوْأةٍ من خِزيَةٍ يَتقنَّعُ
وقال الأحوص يمدح عبد العزيز:
أقْوَتْ رُواوَةُ منْ أسماءَ فالسَّنَدُ فالسَّهْبُ فالقاعُ من عَيْرَيْنِ فالجُمُدُ
فعرشُ خاخٍ قَفارٍ غيرَ أنَّ بهِ ربْعًا أقامَ به نُؤْيٌ ومُنتضَدُ
وسُجَّدٌ كالحماماتِ الجُثومِ بهِ ومُلْبدٌ من رمادِ القِدرِ مُلْتَبِدُ
وقدْ أراها حديثًا وهْيَ آهلةٌ منها بواطنُ ذاكَ الجِزعِ فالعَقِدُ
إذ الهوى لم يُغيِّرْ شَعْبَ لِيَّتِهِ شَكْسُ الخليقةِ ذو قاذورةٍ وحَدُ
يظلُّ وجْدًا وإنْ لم أنْوِ رؤيتَهُ كأنّهُ إذْ يراني زائرًا كَمِدُ
فيا لها خُلّةٌ لو أنّها بهوىً منها تُثيبُكَ بالوجْدِ الذي تجِدُ
قامَتْ تُريكَ شَتيتَ النبْتِ ذا أشُرٍ كأنّهُ من سَواري صيِّفٍ برَدُ
[ ٢٩٦ ]
أهدى أهِلَّتَهُ نَوءُ السَّماكِ لها حتى تناهَتْ بهِ الكثبانُ والجرَدُ
ومُقلتَيَّ مُطْفِلٍ فرْدٍ أطاعَ لها بَقْلٌ ومَرْدٌ صفًا مُكّاؤُهُ غَرِدُ
يَزينُ لَبَّتَها درٌّ تكنَّفَهُ نُظّامُهُ فأجادوا السَّرْدَ إذْ سرَدوا
درٌّ وشَذْرٌ وياقوتٌ يُفصِّلُهُ كأنّهُ إذْ بدا جمرُ الغضا يقِدُ
وقدْ عجبْتُ لِما قالتْ بذي سلَمٍ ودمعُها بسحيقِ الكُحلِ يطَّرِدُ
قالتْ أقِمْ لا تبْنِ منها فقلتُ لها إنّي وإنْ كنتُ ملْعوجًا بيَ الكمَدُ
لتاركٌ أرضَكمْ منْ غيرِ مَقْلِيَةٍ وزائرٌ أهلَ حُلُوانٍ وإنْ بَعُدوا
إنّي وجَدِّكِ يدعوني لأرضِهمِ قُربُ الأواصرِ والرفْدِ الذي رفدوا
كذاكَ لا يزْدَهيني عنْ بني كرمٍ ولو ضِنِيتُ بهنَّ البُدَّنُ الخُرُدُ
بلْ ليتَ شِعري وليتٌ غيرُ مَدْرِكَةً وكلُّ ما دونَهُ ليتٌ لهُ أمَدُ
هلْ تُبْلِغَنِّي بني مروانَ إنْ شحطَتْ عنّي ديارُهمُ عَيرانَةٌ أجُدُ
عِيديّةٌ علِقتْ حتى إذا عقدَتْ نَيًّا وتَمَّ عليها تامِكٌ قَرِدُ
قرَّبتُها لقُتودي وهْيَ عافيَةٌ كالبرجِ لمْ يعْرَها منْ رحلةٍ عمَدُ
يسعى الغلامُ بها تمشي مُشفّعةً مشيَ البغِيِّ رأتْ خُطّابَها شهِدوا
تُرْعَدُ وهْيَ تُصادِيهِ خَصائلُها كأنّها مَسَّها من قَرَّةٍ صَرَدُ
حتى شددْتُ عليها الرَّحلَ فانْجردَتْ مَرَّ الظَّليمِ شأتْهُ الأُبَّدُ الشُّرُدُ
وشواشةٌ سَوطُها النَّقرُ الخفيُّ بها ورَفعُها الأرضُ تَحْليلٌ إذا تَخِدُ
كأنَّ بَوًّا أمامَ الرَّكبِ تتْبعُهُ لها نقولُ هواها أينما عَمِدوا
تَنسلُّ بالأمْعزِ المَرهوبِ لاهيةً عنهُ إذا زجرَ الرُّكبانُ أو جلَدوا
كأنَّ أوْبَ يدَيْها بالفَلاةِ إذا لاحَتْ أماعِزُها والآلُ يطَّرِدُ
أوْبَ يدَيْ سابحٍ في الآلِ مجتهدٍ يهوى يُقَحِّمُهُ ذو لُجّةٍ زَبِدُ
قومٌ ولادَتُهمْ مجدٌ ينالُ بهِ من معشرٍ ذُكروا في مجدِ مَن ولَدُوا
الأكرمونَ طَوالَ الدهرِ إنْ نُسبوا والمُجتَدُونَ إذا لا يُجتدى أحدُ
والمانعونَ فلا يُسْطاعُ ما منعوا والمُنجزونَ لما قالوا إذا وعدوا
والقائلونَ بفصْلِ القولِ إنْ نطقوا عندَ العزائمِ والمُوفونَ إنْ عهدوا
مَن تُمسِ أفعالُهُ عارًا فإنّهمُ قومٌ إذا ذُكرَتْ أفعالُهمْ حُمدوا
قومٌ إذا انتسبوا ألفَيْتَ مجدَهمُ منْ أوّلِ الدهرِ حتى ينفدَ الأبدُ
إذا قُريشٌ تسامَتْ كانَ بيتُهمُ منها إليهِ يصيرُ المجدُ والعددُ
لا يبلغُ الناسَ ما فيهمْ إذا ذُكِروا مِلْ مجدِ إنْ جحفوا في المجدِ أو قَصَدوا
همُ خيرُ سكّانِ أهلِ الأرضِ تعلمُهُ لو كان يُخبرُ عن سُكّانِهِ البلدُ
يبقى التُّقى والغِنى في الناسِ ما عَمِروا ويُفقَدانِ جميعًا إنْ همُ فُقِدوا
وما مدحْتُ سِوى عبدَ العزيزِ وما عندي لحَيٍّ سوى عبدِ العزيزِ يَدُ
إذا اجتهدْتُ ليُحصي مجدَهمْ مِدَحي لم أعْشُرِ المجدَ منهمْ حينَ أجتهدُ
إنّي رأيتُ ابنَ ليلى وهو مُصطنَعٌ مُوفَّقًا أمرُهُ حيثُ انتوى رشَدُ
أقامَ بالناسِ لمّا إنْ نبا بهمِ دونَ الإقامةِ غَورُ الأرضِ والنجَدُ
والمُجتَدي مُوقِنٌ أنْ ليسَ مُخْلفَهُ سَيْبُ ابنِ ليلى الذي ينوي ويعتمِدُ
لو كانَ ينقُصُ ماءَ النيلِ نائلُهُ أمسى وقدْ حانَ منْ جَمّاتِهِ نفَدُ
يَبني على مجدِ آباءٍ لهُ سلَفوا يَنْمي لمنْ وَلَدوا المهدَ الذي مَهَدوا
يحمي ذمارَهمُ في كلِّ مُفْظِعَةٍ كما تعرَّضَ دونَ الخِيسةِ الأسدُ
صقرٌ إذا معشرٌ يومًا بدا لهمُ منَ الأنامِ وإنْ عَزُّوا وإنْ مَجدوا
رأيتَهمْ خُشَّعَ الأبصارِ هَيبَتَهُ كما استكانَ لضوءِ الشارقِ الرَّمَدُ
أوله وقال الأحوص:
[ ٢٩٧ ]
ألْمِمْ على طَلَلٍ تَقادَمَ مُحْوِلٍ نَحَلُ الزمانُ وعهدُهُ لمْ يَنْحَلِ
وافق الفراغ منه تاسع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وستين وثمان مائة من الهجرة النبوية على يد فقير رحمة ربه الكريم علي بن محمد المنظراوي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلامه.