وقال الخطيم المحرزي من بني عبشمس، وهو من اللصوص، يستعطف قومه وهو مسجون بنجران:
أبت ليَ سعدٌ أن أضامَ ومالكٌ وحيُّ الربابِ والقبائلُ من عمرو
وإن أدعُ في القيسيةِ الشمِّ تأتني قرومٌ تسامى كلهم باذخُ القدرِ
وإن تلقَ ندماني يخبركَ أنني ضعيفُ وكاءِ الكيسِ لم أغذَ بالفقرِ
وتشهدُ لي العوذُ المطافيلُ أنني أبو الضيفِ أقري حينَ لا أحدٌ بقري
[ ١٠٨ ]
فلولا قريشٌ ملكها ما تعرضت لي الجنُّ بلهَ الإنسُ قد علمت قدري
وما ابنُ مراسٍ حينَ جئتُ مطردًا بذي علةٍ دوني ولا حاقدِ الصدرِ
عشيةَ أعطاني سلاحي وناقتي وسيفي جدًا من فضلِ ذي نائلٍ غمرِ
خليلي الفتى العكليّ لم أرَ مثلهُ تحلبُ كفاهُ الندى شائعُ القدرِ
كأنَّ سهيلًا نارهُ حينَ أوقدت بعلياء لا تخفى على أحدٍ يسري
وتيهاءَ مكسالٍ إذا الليلُ جنها تزملَ فيها المدلجونَ على حذرِ
بعيدةِ عينِ الماءِ تركضُ بالضحى كركضكَ بالخيلِ المقربةِ الشقرِ
فلاةٍ يخافُ الركبُ أن ينطقوا بها حذارَ الردى فيها مهولةٍ قفرِ
سريعٍ بها قولُ الضعيفِ ألا اسقني إذا خبَّ رقراقُ الضحى خببَ المهرِ
سمت لي بالبينِ اليماني صبابةٌ وأنتَ بعيدٌ قد نأيتَ عن المصرِ
أتيحَ لذي بثٍّ طريدٍ تعودهُ همومٌ إذا ما باتَ طارقها يسري
بنجرانَ يقري الهمَّ كلَّ غريبةٍ بعيدةِ شأوٍ الكلمِ باقيةَ الأثرِ
يمثلها ذو حاجةٍ عرضت لهُ كئيبٌ يؤسى بينَ قرنةَ والفهرِ
فقالَ وما يرجو إلى الأهلِ ردةً ولا أن يرى تلكَ البلاد يدَ الدهرِ
لعمركَ أني يومَ نعفِ سويقةٍ لمعترفٌ بالبينِ محتسبُ الصبرِ
غداةَ جرت طيرُ الفراقِ وأنبأت بنأيٍ طويلٍ من سليمى وبالهجرِ
ومرت فلم يزجرُ لها الطيرُ عائفٌ تمرُّ لها من دونِ أطلالها تجري
سنيحًا وشرُّ الطيرِ ما كان سانحًا بشؤمى يديهِ والشواحجُ في الفجرِ
فما أنسَ مل أشياءِ لا أنسَ طائعًا وإن أشقذتني الحربُ إلاَّ على ذكرِ
عيوفُ الذي قالت تعزَّ وقد رأت عصى البين شقت واختلافًا من النجرِ
عليكَ السلامُ فارتحل غير باعدٍ وما البعدُ إلاَّ في التنائي وفي الهجرِ
وعفت لجفنِ العينِ جائلَ عبرةٍ كما ارفضَّ نجمٌ من جمانٍ ومن شذرِ
تهللَ منها واكفٌ مطرت بهِ جمومٌ بملءِ الشأنِ مائحةُ القطرِ
وقالت تعلم أنَّ عندي معشرًا يرونكَ ثأرًا أو قريبًا من الثأرِ
فقلتُ لها إني ستبلغ مدتي إلى قدرٍ ما بعدهُ لي من قدرِ
ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً بأعلى بليِّ ذي السلامِ وذي السدرِ
وهل أهبطن روضَ القطا غير خائفٍ وهل أصبحنَّ الدهرَ وسط بني صخرِ
وهل أسمعن يومًا بكاءَ حمامةٍ تنادي حمامًا في ذرى تنضبٍ خضرِ
وهل أرين يومًا جيادي أقودها بذاتِ الشقوقِ أو بأنقائها العفرِ
وهل تقطعنَّ الخرقَ بي عيدهيةٌ نجاةٌ من العيديِّ تمرحُ للزجرِ
طوت لقحًا مثلَ السرارِ وبشرت بأصهبَ خطارٍ كخافيةِ النسرِ
هبوعٌ إذا ما الريمُ لاذَ من اللظى بأولِ فيءٍ واستكنَّ من الهجرِ
وباشرَ معمورَ الكناسِ بكفهِ إلى أن يكونَ الظلُّ أقصرَ من شبرِ
وقد ضمرت حتى كأنَّ وضينها وشاحَ عروسٍ جالَ منها على خصرِ
حديثةُ عهدٍ بالصعوبةِ ديثت ببعضِ الركوبِ لا عوانٍ ولا بكرِ
تخالُ بها غبَّ السرى عجرفيةً على ما لقينَ من كلالِ ومن حسرِ
ولو مرَّ ميلٌ بعد ميلٍ وأصبحت عتاقُ المطايا قد تعادينَ بالفترِ
وهل أرين بين الحفيرةِ والحمى حمى النيرِ أو يومًا بأكثبة الشعرِ
جميعَ بني عمي الكرامِ وإخوتي وذلكَ عصرٌ قد مضى قبلَ ذا العصرِ
أخلايَ لم يشمت بنا ذو شناءةٍ ولم تضطرب مني الكشوحُ على غمرِ
ولا منهمُ حتى دعتنا غواتنا إلى غايةٍ كانت بأمثالنا تزري
أتيناهمُ إذ أسلمتهم حلومهم فكنا سواءً في الملامةِ والعذرِ
فلأيًا بلأيٍ ما نزعتا وقبلهُ مددنا عنانَ الغيِّ متسقًا يجري
فكنا لأقوامٍ عظاتٍ وقطعت وسائلُ قربى من حميمٍ ومن صهرِ
لحى اللهُ من يلحى على الحلمِ بعدما دعتنا رجالٌ للفخارِ وللعقرِ
وجاؤوا جميعًا حاشدينَ نفيرهم إلى غايةٍ ما بعدها ثمَّ من أمرِ
[ ١٠٩ ]
وقلتُ لهم إن ترجعوا بعدَ هذهِ جميعًا فما أمي بأمِّ بني بدرِ
قدحنا فأورينا على عظمِ ساقنا فهل بعدَ كسرِ الساقِ للعظمِ من جبرِ
بني محرزٍ هل فيكمُ ابنُ حميمةٍ يقومُ ولو كانَ القيامُ على جمرِ
بما يؤمنُ المولى وما يرأبُ النأي وخيرُ الموالي من يريشُ ولا يبري
كما أنا لو كان المشردُ منكمُ لأبليتُ نجحًا أو لقيتُ على عذرِ
لأعطيتُ من مالي وأهلي رهينةً ولا ضاقَ بالإصلاحِ مالي ولا صدري
بني محرزٍ من تجعلونَ خليفتي إذا نابكم يومًا جسيمًا من الأمرِ
بني محرزٍ كنتم وما قد علمتمُ كفاريةٍ خرقاءَ عيت بما تفري
رأت خللًا ما كلهُ سدُّ خرزها وأثأى عليها الخرزُ من حيثُ لا يدري
بني محرزٍ إن تكنسِ الوحشُ بينكم وبيني وتبعدُ من قبوركمُ قبري
فقد كنتُ أنهى عنكمُ كلَّ ظالمٍ وأدفعُ عنكم باليدين وبالنحرِ
معنى إذا خصمٌ أدلَّ عليكمُ بني محرزٍ يومًا شددتُ لهُ أزري
بحدِّ سنانٍ يستعدُّ لمثلهِ ورقمِ لسانٍ لا عييٍّ ولا هذرِ
وقال الخطيم أيضًا لسليمان بن عبد الملك وقد استجار به:
وقائلةٍ يومًا وقد جئتُ زائرًا رأيتُ الخطيمَ بعدنا قد تخددا
أما إنَّ شيبي لا يقومُ بهِ فتىً إذا حضرَ الشحُّ اللئيمَ الضفنددا
فلا تسخري مني أمامةُ أن بدا شحوبي ولا أنَّ القميصَ تقددا
فإني بأرضٍ لا يرى المرءُ قربها صديقًا ولا تحلى بها العينُ مرقدا
إذا نامَ أصحابي بها الليلُ كلهُ أبت لا تذوقُ النومَ حتى ترى غدا
أتذكرُ عهدَ الحارثيةِ بعدما نأيتَ فلا تستطيعُ أن تتعهدا
لعمرك ما أحببتُ عزةَ عن صبىً صبتهُ ولا تسبي فؤادي تعمدا
ولكنني أبصرتُ منها ملاحةً ووجهًا نقيًا لونه غيرَ أنكدا
منَ الخفراتِ البيضِ خمصانةِ الحشا ثقال الخطا تكسو الفريدا المقلدا
فقد حليت عيني بها وهويتها هوى عرضٍ ما زال مذ كنتُ أمردا
كأنَّ منَ البردي ريانَ ناعمًا بحيثُ ترى منها سوارًا ومعضدا
تهادى كعومِ الركِّ كعكهُ الصبا بأبطحِ سهلٍ حينَ تمشي تأودا
يهيمُ فؤادي ما حييتُ بذكرها ولو أنني قد متُّ هامَ بها الصدا
لها مقلتا مكحولةٍ أمُّ جؤذرٍ تراعي مها أضحى جميعًا وفردا
وأظمى نقيًا لم تغلل غروبهُ كنورِ أقاحٍ فوقَ أطرافهِ الندى
لدى ديمٍ جادت وهبت لهُ الصبا تلقينَ أيامًا من الدهرِ أسعدا
فلا والذي من شاءَ أغوى فلم يكن لهُ مرشدٌ يومًا ومن شاءَ أرشدا
يمينُ بلاءٍ ما علمتُ بسيئٍ عليها وإن قالَ الحسودُ فأجهدا
وإني لمشتاقٌ إلى اللهِ أشتكي غليلَ فؤادٍ قد يبيتُ مسهدا
وما لامني في حبِّ عزةَ لائمٌ من الناسِ إلاَّ كانَ عندي من العدا
ولا قالَ لي أحسنتُ إلاَّ حمدتهُ بما قالَ لي ثمَّ اتخذت لهُ يدا
فلو كنت مشعوفًا بعزةَ مثل ما شعفتُ بها ما لمتني يا ابنَ أربدا
إذن لازدهاك الشوقُ حتى ترى الصبا من الجهلِ في أدنى المعيشة أحمدا
وما لمتني في حبها بل عذرتني فأصبحتَ من وجدٍ بعزةَ مقصدا
لياليَ أهلانا جميعًا وعيشنا رفيعٌ وشعبا الحيِّ لم يتبددا
لها بينَ ذي قارٍ فرملِ مخفقٍ من القفِّ أو من رملهِ حينَ أربدا
أواعسُ في برثٍ من الأرضِ طيبٍ وأوديةٌ ينبتنَ سدرًا وغرقدا
أحبُّ إلينا من قرى الشامِ منزلًا وأجبالها لو كانَ أن أتوددا
أعوذُ بربي أن أرى الشام بعدها وعمانَ ما غنى الحمامُ وغردا
فذاكَ الذي استنكرتُ يا أمَّ مالكٍ وأصبحتُ منهُ شاحبَ اللونِ أسودا
وإني لماضي الهمِّ لو تعلمينهُ وركابُ أهوالٍ يخافُ بها الردى
ومسعرُ حربٍ كنتُ ممن أشبها إذا ما الجبانُ النكسُ هابَ وعردا
وأزدادُ في رغمِ العدوَ لجاجةً وأمكنُ من رأسِ العدوِّ المهندا
[ ١١٠ ]
ويعجبني نصُّ القلاصِ على الوجا وإن سرنَ شهرًا بعدَ شهرٍ مطردا
عواسفُ خرقٍ ما لهنَّ تئيةٌ إذا ملنَ في سهبٍ تعرفنَ قرددا
يخصنَ بأيديهنَّ بيدًا عريضةً وليلًا كأثناءِ الرويزي أسودا
إذا مالَ جلُّ الليلِ واطرقَ الكرى أثرنَ قطًا من آخرِ الليلِ هجدا
ورحلي على هوجاءَ حرفٍ شملةٍ ذمولٍ إذا التاثَ المطيُّ وهودا
موثقةِ الأنساءِ مضبورةِ القرى تسومُ بهادٍ في القلادةِ أقودا
على مرساتِ الجندلِ الصمِّ رفعت بهنَّ كما رفعتَ ظلًا ممددا
لها عجزٌ تمت ورجلٌ قبيضةٌ تشلُّ يدًا ما الخطو فيها بأحردا
بها أثرٌ في موضعِ النسعِ لاحبٌ ومصدرُ فضل النسعِ من حيثُ أوردا
جرى النسعُ منصبًا من الرحلِ واردًا فلما مضى من خلفهِ الرحلُ أصعدا
إلى كاهلٍ منها إذا شدَّ فوقهُ بأحبلهِ الميسُ العلافيُّ أوفدا
كأنَّ أمامَ الرحلِ منها وخلفهُ صفيحًا لدى صفقي قراها مسندا
سفينةُ برٍّ تحتَ أودعَ لا تني براكبها تجتابُ سهبًا عمردا
إذا امتدَّ أثناءُ الزمامِ ازدهت بهِ كما يزدهي الذعرُ الظليمَ الخفيددا
تذاءبُ أحيانًا مراحًا وحدةً زهتها فما باليتُ ألاَّ تزيدا
بذي شقةِ جوابِ أرضٍ تقاذفت بهِ سارَ حتى غارَ ثمتَ أنجدا
أعذني عياذًا يا سليمانُ إنني أتيتكَ لما لم أجد عنكَ مقعدا
لتؤمنني خوفَ الذي أنا خائفٌ وتبلعني ريقي وتنظرني غدا
فرارًا إليكَ من واريَ ورهبةً وكنتَ أحقَّ الناسِ أن أتعمدا
وأنتَ امرؤٌ عودتَ نفسكَ عادةً وكل امرئٍ جارٍ على ما تعودا
تعودتَ ألاَّ تسلمَ الدهرَ خائفًا أتاكَ ومن آمنتهُ أمنَ الردى
أجرتَ يزيدَ بن المهلبِ بعدما تبينَ من بابِ المنيةِ موردا
ففرجتَ عنهُ بعدما ضاقَ أمرهُ عليهِ وقد كانَ الشريدَ المطردا
سننتَ لأهلِ الأرضِ في العدلِ سنةً فغارَ بلاءُ الصدقِ منكَ وأنجدا
وأنتَ المصفى كل أمركَ طيبٌ وأنتَ ابنُ خيرِ الناسِ إلاَّ محمدا
وأنتَ فتى أهلِ الجزيرةِ كلها فعالًا وأخلاقًا وأسمحهم يدا
وأنتَ من الأعياصِ في فرعِ نبعةٍ لها ناضرٌ يهتزُّ مجدًا وسوددا
وقال أيضًا:
نزلنا بمخشيِّ الردى آجن الصرى تناذرهُ الركبانُ جدبِ المعللِ
غشاشا ملا حتى روينَ وعلقوا أداوى سقوا فيها ولما تبللِ
وأشعثَ راضٍ في الحياةِ بصحبتي وإن متُّ آسى فعلَ خرقٍ شمردلِ
تبدلَ بالنعمى بئيسًا وشفهُ مخاوفُ تزري بالغريرِ المغفلِ
طريدٍ مطا حتى كأنَّ ثيابهُ على جلدِ مسجونٍ وإن لم يكبلِ
دنا لي فأعداني وقالَ وقد بدت شواهدُ مشهورٍ أغرَّ محجلِ
وقالَ وقد مالت بهِ نشوةُ الكرى نعاسًا ومن يعلق سرى الليلِ يكسلِ
أنخ نعطِ أنضاءَ النعاسِ دواءها قليلًا ورفه عن قلائصَ كللِ
فقلتُ لهُ كيفَ الإناخةُ بعدما حد الليلَ عريانُ الطريقةِ منجلي
ألا ترهبُ الأعداءَ أن يمحلوا بنا أو البعثَ من ذاك الأميرِ الموكلِ
وأشعثَ قد ألقى الوسادةَ فانطوى إلى دفِّ منجاةِ الذراعينِ عيهلِ
وقد ضمرت حتى كأنَّ وضينها وشاحٌ بكفي ناهدٍ لم تسربلِ
وهنَّ يقطعنَ اللغامَ كأنهُ سبائخُ من قطنٍ بأذرعِ غزلِ
فألقى بثنييهِ على شرخِ رحلها أخو قفراتٍ ثمَّ قالَ لها حلِ
إذا وثبت من مبركٍ غادرت بهِ دمًا من أظلٍّ راعفٍ لم ينعلِ
ألم تعلمي يا عمركِ اللهُ أنني أضمنُ سيفي حقَّ ضيفي ومرجلِ
إذا الشولُ راحت وهي حدب ظهورها يسفنَ مقذى مقرمٍ لم يجزلِ
فأجلت وقد أمكنتهُ من عقيرةٍ تخيرتها سمنى أيانقَ بزلِ
أفزَّ نسًا من بعدِ ساقٍ أثرها لعابُ الفرندِ الخالصِ المتنخلِ
ولستُ بقوالٍ إذا قالَ صاحبي لكَ الخيرُ مرني أنتَ ما شئتَ أفعلِ
[ ١١١ ]
ولكنني أقضي لهُ فأريحهُ ببزلاءَ تنجيهِ من الشكِّ فيصلِ
وداعٍ دعا والليلُ من دونِ صوتهِ بهيمٌ كلونِ السندسِ المتجللِ
دعا دعوةً عبد العزيزِ وعرقلًا وما خيرُ هيجا لا تحشُّ بعرقلِ
ألا أيها الغادي لغيرِ طريقهِ تناهُ ولما تعيَ بالمتنزلِ
ولما أقل فاها لفيكَ فإنما ختلتَ رقيبَ الوحشِ غيرَ مختلِ
لعمركَ إنَّ المستثيرَ عداوتي لكالمتبغي الثكلَ من غيرِ مثكلِ