المختار من شعر الراعي، واسمه عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل بن قطن ابن ربيعة بن عبد الله بن الحارث بن نمير بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر ابن هوازن بن مصنور بن عارمة بن حفصة بن قيس بن عيلان بن مضر، ويكنى أبا جندل، ولقب الراعي لكثرة وصفه الإبل، قال يمدح عبد الملك بن مروان ويشكو من السعاة وكان يقول من لم يروِ لي هذه القصيدة وقصيدتي بان الأحبة بالعهد الذي عهدوا من ولدي، فقد عقني: الكامل
ما بالُ دفك بالفراشِ مذيلا أقذى بعينكِ أمْ أردتِ رحيلا
لما رأتْ أرَقِي وطولَ تقلبي ذاتَ العشاءِ وليليَ الموصُولا
قالتْ خليدةُ ما عراكَ ولمْ تكنْ قبلَ الرقادِ عن الشؤونِ سؤولا
أخليدُ إنَّ أباكِ ضافَ وسادهُ همانِ باتا جنبةً ودخيلا
طرقا فتلكَ هماهِمي أقرِيهما قلصًا لواقِحَ كالقسيِّ ذحولا
شمَّ الكواهلِ جنحًا أعضادُها صهبًا تناسبُ شدقمًا وجديلا
كانتْ نجائبَ منذرٍ ومحرقٍ أماتهنَّ وطرقهنَّ فحيلا
وكأنَّ ريضها إذا باشرتها كانتْ معاودةَ الرحيلِ ذلولا
حوزيةٌ طويتْ على زفراتِها طيَّ القناطرِ قدْ نزلْنَ نزولا
وكأنما انتطحتْ على أثباجِها فدرٌ بشابةَ قد تممنَ وعولا
قذفَ الغدوِّ إذا غدونَ لحاجةٍ دلفَ الرواحِ إذا أردنَ قفولا
لا يتخذْنَ إذا علونَ مفازةً إلا بياضَ الفرقدينِ دليلا
قودٌ تذارعُ غولَ كلِّ تنوفةٍ ذرعَ النواسِج مبرمًا وسحيلا
وإذا ترقصتِ المفازةُ غادرتْ ربذًا يبغلُ خلفها تبغيلا
زجِلَ الحداءِ كأنَّ في حيزومهِ قصبًا ومقنعةَ الحنينِ عجولا
وإذا ترجلتِ الضُّحَى قذفَتْ بهِ فشأونَ عقبتَهُ فظلَّ ذميلا
حتى إذا حسرَ الظلامُ وأسفرتْ فرأتْ أوابدَ يرتعينَ هجولا
حدتِ السرابَ وألحقَتْ أعجازَها روحٌ يكونُ وقوعها تحليلا
وجرَى على حدَبِ الصوَى فطردْنَهُ طردَ الوَسِيقَةِ في السَّماوةِ طولا
[ ٢٣٦ ]
ذي نفنفٍ قلقتْ بهِ هاماتُها قلقَ الفؤوسِ إذا أردنَ نصولا
حتى وردنَ لتمِّ خمسٍ بائصٍ جدًا تعاورَهُ الرياحُ وبيلا
سدمًا إذا التمسَ الدلاءُ نطافَهُ لاقينَ مشرفَةَ المثابِ دحولا
جمعوا قوًى مما تضمُّ رحالهمْ شتًى النجارِ ترى بهنَّ وصولا
فسقَوا صوادِيَ يسمعونَ عشيةً للماءِ في أجوافِهِنَّ صليلا
حتى إذا بردَ السجالُ لهاثَها وجعلنَ خلفَ غروضهِنَّ ثميلا
وأفضْنَ بعدَ كظمِهِنَّ بجرةٍ من ذي الأبارِقِ إذْ رَعينَ حقيلا
قعدوا على أكوارِها فتردفَتْ صخبَ الصدَى جذَعَ الرعانِ رجيلا
ملسُ الحصى باتتْ توجَّسُ فوقَهُ لغطَ القطا بالجلهتينِ نزولا
يتبعنَ مائرةَ اليدينِ شملةً ألقتْ بمخترقِ الرياحِ سليلا
جاءتْ بذِي رمقٍ لستةِ أشهرٍ قدْ ماتَ أو جرضَ الحياةَ قليلا
نفضَتْ بأصْهبَ للمراحِ شليلها نفضَ النعامةِ زفها المبلولا
أبلغْ أميرَ المؤمنينَ رسالة شكوى إليكَ مطليةً وعويلا
من نازحٍ كثرتْ إليكَ همومه لوْ يستطيعُ إلى اللقاءِ سبيلا
طالَ التقلبُ والزمانُ ورابهُ كسلٌ ويكرهُ أن يكونَ كسولا
وعلا المشيبُ لداتهِ ومضتْ لهُ حقبٌ نقضنَ مريرهُ المجدولا
فكأنَّ أعظمهُ محاجِنُ نبعةٍ عوجٌ قدمنَ فقدْ أردْنَ نحولا
كبقيةِ الهنديِّ أمسَى جفنهُ خلقًا ولمْ يكُ في العظامِ نكولا
تغلى حديدتهُ وتنكرُ لونَهُ عينٌ رأتهُ في الشبابِ صقيلا
ألفَ الهمومُ وسادهُ وتجنبتْ ريانَ يصبحُ في المنامِ ثقيلا
وطوى الفؤادَ على قضاءِ صريمةٍ حذاءَ واتخذَ الزماعَ خليلا
أوليَّ أمرِ اللهِ إنَّ عشيرتِي أمسَى سوامهمُ عزِينَ فلولا
قطعوا اليمامةَ يطردونَ كأنهمْ قومٌ أصابُوا ظالمينَ قتيلا
يحدونَ حدبًا مائلًا أشرافُها في كلِّ منزلةٍ يدعنَ رعيلا
شهريْ ربيعٍ ما تذوقَ لبونهمْ إلا حموضًا وخمةً ودويلا
حتى إذا جمعتْ تخيرَ طرقُها وثنى الرعاءُ شكيرَها المنخولا
وأتوْا نساءَهمُ بنيبٍ لمْ تدعْ سوءُ المحابسِ تحتهنَّ فصيلا
أوليَّ أمرِ اللهِ إنا معشرٌ حنفاءُ نسجدُ بكرةً وأصيلا
عربٌ نرى للهِ في أموالِنا حقَّ الزكاةِ منزلًا تنزيلا
قومٌ على الإسلام لما يمنعُوا ما عونهمْ ويضيعوا التهليلا
فادفَعْ مظالِمَ عيلَتْ أبناءَنا عنا وأنقذْ شلونا المأكولا
فنرى عطيةَ ذاكَ إنْ أعطيتهُ من ربنا فضلًا ومنكَ جزيلا
أنتَ الخليفةُ حلمهُ وفعالهُ وإذا أردتَ لظالمٍ تنكيلا
وأبوكَ ضاربَ بالمدينةِ وحدهُ قومًا همُ جعلوا الجميعَ شكولا
قتلوا ابنَ عفانَ الخليفةَ محرمًا ودعا فلمْ أرَ مثلهُ مخذولا
فتصدعَتْ من بعدِ ذاكَ عصاهُمُ شققًا وأصبحَ سيفهم مسلولا
حتى إذا استعرتْ عجاجةُ فتنةٍ عمياءَ كانَ كتابُها مفعولا
وزنتْ أميةُ أمرها فدَعَتْ لهُ من لمْ يكنْ غمرًا ولا مجهولا
مروانُ أحزمها إذا نزلتْ بهِ حدبُ الأمورِ وخيرُها مسؤولا
أزمانَ رَفعَ بالمدينةِ ذيلهُ ولقدْ رأى زرعًا بها ونخيلا
وديارُ ملكٍ خربتها فتنةٌ ومشيدًا فيه الحمامُ ظليلا
إني حلفتُ على يمينٍ برةٍ لا أكذبُ اليومَ الخليفةَ قيلا
ما زُرتُ آلَ أبي خبيبٍ وافدًا يومًا أريدُ لبيعتي تبديلا
ولا أتيتُ نجيدةَ بنَ عويمرٍ أبغي الهدى فيزيدني تضليلا
من نعمةِ الرحمن لا من حيلتي إني أعدُّ لهُ عليَّ فضولا
أزمانَ قومِي والجماعَةُ كالذي لزمَ الرحالةَ أنْ تميلَ مميلا
وتركتُ كلَّ منافقٍ متقلبٍ وجدَ التلاتلَ دينهُ مدخولا
ذخرِ الحقيبةِ ما تزالُ قلوصُهُ بينَ الخوارجِ هزةً وذميلا
من كلهم أمسَى ألمَّ ببيعةٍ مسحَ الأكفِّ تعاورُ المنديلا
[ ٢٣٧ ]
وإذا قريشٌ أوقدَتْ نيرانها وثنتْ ضغائنَ بينها وذحولا
فأبوكَ سيدُها وأنتَ أميرُها وأشدُّها عندَ العزائمِ جولا
إنَّ السعاةَ عصوكَ حينَ بعثتهمْ وأتوا دواعي لو علمتَ وغولا
إنَّ الذينَ أمرتهمْ أن يعدلُوا لمْ يفعلوا مما أمرتَ فتيلا
أخذوا العريفَ فقطعوا حيزومهُ بالأصبحيةِ قائمًا مغلولا
حتى إذا لمْ يتركوا لعظامهِ لحمًا ولا لفؤادِهِ معقولا
نسيَ الأمانةَ من مخافةِ لقحٍ شمسٍ تركنَ بضبعِهِ مجزولا
كتبَ الدهيمُ وما تجمعَ حولها ظلمًا فجاءَ بعدلها معدولا
وغدوا بصكهمِ وأحدَبَ أسأرَتْ منهُ السياطُ يراعَةً إجفيلا
من عاملٍ منهمْ إذا غيبتهُ غالى يريدُ خيانةً وغلولا
خربِ الأمانةِ لوْ أحطتَ بفعلِهِ لتركتَ منهُ طابقًا مفصولا
كتبًا تركنَ غنينا ذا خلةٍ بعدَ الغنَى وفقيرنا مهزولا
أخذُوا حمولتهُ فأصبحَ قاعدًا ما يستطيعُ عن الديارِ حويلا
يدعُو أميرَ المؤمنينَ ودونَهُ خرقٌ تجرُّ به الرياحُ ذيولا
كهداهدٍ كسرَ الرماةُ جناحهُ يدعو بقارعةِ الطريقِ هديلا
وقعَ الربيعُ وقد تقاربَ خطوهُ ورأى بعقويهِ أزلَّ نسولا
متوضحَ الأقرابِ فيهِ شبهةٌ نهشَ اليدينِ تخالُهُ مشكولا
كدخانِ مرتجلٍ بأعلى تلعةٍ غرثانَ ضرمَ عرفجًا مبلولا
ولئنْ سلمتُ لأدعونَّ لظعنةٍ تدعُ الفرائضَ بالشريفِ قليلا
وأرى الذي يدعُ المطامعَ للتقى منَّا أتَى خلقًا بذاكَ جميلا
وقال الراعي يمدحُ سعيد بن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد: الوافر
ألمْ تسألْ بعارمةَ الديارا عنِ الحيِّ المفارِقِ أيْنَ سارا
بجانبِ رامةٍ فوقفتُ يومًا أسائلُ ربعهنَّ فما أحارا
منازلُ حولَها بلدٌ رقاقٌ تجرُّ الرامِساتُ بها الغبارا
أقمنَ بها رهينةَ كلِّ نحسٍ فما يعدمنَ ريحًا أو قطارا
ورجافًا تحنَّ المزنُ فيهِ ترجزَ من تهامةَ فاستطارا
فمرَّ على منازلها فألقى بها الأثقالَ وانتحرَ انتحارا
إذا ما قلتُ جاوزها لأرضٍ تذاءَبتِ الرياحُ لهُ فحارا
وأبقَى السيلُ والأرواحُ منها ثلاثًا في منازلها ظؤارا
أنخنَ وهنَّ أغفالٌ عليها فقدْ تركَ الصلاءُ بهنَّ نارا
وذاتِ أثارةٍ تركتْ عليهِ نباتًا في أكمتهِ قفارا
جماديًّا تحنُّ المزنُ فيهِ كما فجرتَ في الحرثِ الدبارا
رَعَتهُ أشهرًا وخلا عليها فسارَ النيُّ فيها واستغارا
طلبتُ على محالِ الصلْبِ منها غريبَ الهمِّ قدْ منعَ القرارا
فأبتُ بنفسِها والآلِ منها وقدْ أطعمتُ ذروتَها السفارا
وأخضرَ آجنٍ في ظلِّ ليلٍ سقيتُ بجمهِ رسلًا حرارا
بدلوٍ غيرِ مكربةٍ أصابتْ حمامًا في مساكنهِ فطارا
سقيناها غشاشًا واستقينا نبادرُ من مخافتها النهارا
فأقبلها الحداةُ بياضَ نقبٍ وفجًا قد رأيْنَ لهُ إطارا
بحاجاتٍ تحضرها عدُوٌّ فما يسطيعُها إلاَّ خطارا
نرجي منْ سعيدِ بني لؤيٍّ أخي الأعياصِ أمطارًا غزارا
تلقَّى نوءهنَّ سرارُ شهرٍ وخيرُ النوءِ ما لقِيَ السرارا
خليلٌ تعزبُ العلاتُ عنهُ إذا ما حانَ يومًا أن يزارا
متى ما يجدِ نائلُه علينا فلا بخلًا نخافُ ولا اعتذارا
هوَ الرجل الذي نسبتْ قريشٌ فصارَ المجدُ منها حيثُ صارا
وأنضاءٍ أنخنَ إلى سعيدٍ طروقًا ثمَّ عجلْنَ ابتكارا
على أكوارِهِنَّ بنُو سبيلٍ قليلٌ نومهمْ إلاَّ غرارا
حمدنَ مزارهُ ولقينَ منهُ عطاءً لمْ يكنْ عدةً ضمارا
فصبحنَ المقرَّ وهنَّ خوصٌ على روحٍ يقلبْنَ المحارا
وغادرنَ الدجاجَ يثيرُ طورًا مباركها ويستوفي الجدارا
كأنَّ العِرمِسَ الوجناءَ منْها عجولٌ خرقتْ عنها صدارا
[ ٢٣٨ ]
تراها عن صبيحةِ كلِّ خمسٍ مقدمةً كأنَّ بها نفارا
منَ العيسِ العتاقِ ترى عليها يبيسَ الماءِ قدْ خضبَ النجارا
إذا سدرَتْ مدامعُهُنَّ يومًا رأتْ إجلًا تعرضَ أوْ صوارا
بغائرةٍ نضا الخرطومُ عنها وسدتْ من خشاشِ الرأسِ غارا
يضعنَ سخالَهُنَّ بكلِّ فجٍّ خلاءٍ وهيَ لازمةٌ حوارا
كأحقبَ قارِحٍ بذاواتِ خيمٍ رأى ذعرًا برابيةٍ فغارا
يقلبُ سمحجًا قوداءَ كانتْ حليلتهُ فشدَّ بها غيارا
نفى بأذاتهِ الحوليَّ عنها فغادَرَها وإنْ كرهَ الغدارا
وقرَّبَ جانبَ الشرقيّ يأدُو مدبَّ السيْلِ واجتنَبَ الشعارا
أطارَ نسيلَهُ الشتوِيَّ عنهُ تتبعهُ المذانبَ والقرارا
فلما نشتِ الغدرانُ عنهُ وهاجَ البقلُ واقطَرَّ اقطِرارا
غدا قلقًا تخلى الجزءُ منهُ فيممها سريعةَ أو سرارا
يغنيها أبحُّ الصوتِ جأبٌ خميصُ البطنِ قد أجم الحسارا
إذا احتجَبَتْ بناتُ الأرضِ منهُ تبسرَ يبتغي فيها البسارا
كأنَّ الصلبَ والمتنينِ منهُ وإياها إذا اجتهدا حضارا
رشاءُ محالةٍ في يومِ وردٍ يمدُّ حطاطُها المسدَ المغارا
تعرضَ حينَ قلصَتِ الثريّا وقد عرفَ المعاطنَ والمنارا
وهابَ جنانَ مسجورٍ تردى منَ الحلفاءِ واتزَر اتزارا
فصادفَ موردَ العاناتِ منهُ بأبطحَ يحتفرنَ بهِ الغمارا
فسوَّى في الشريعةِ حافريهِ ودارتْ ألفُهُ من حيثُ دارا
وقدْ صفا خدودَهُما وبلًا ببردِ الماءِ أجوافًا حرارا
وفي بيتِ الصفيحِ أبُو عيالٍ كثيرُ الماءِ يغتبقُ السمارا
يقلبُ بالأناملِ مرهفاتٍ كساهنَّ المناكبَ والظهارا
تبيتُ الحيةُ النضناضُ فيهِ مكانَ الحبِّ تستمعُ السرارا
فيممَ حيثُ قالَ القلْبُ منها بحجريِّ ترى فيه اضطمارا
يصادفُ سهمهُ أحجارَ قفٍّ كسرنَ العيرَ منهُ والغرارا
فريعا روعةً لوْ لَمْ يكونا ذوي أيْدٍ تمسُّ الأرضَ طارا
وقال أيضًا يمدح يزيدَ بن معاوية بن أبي سفيان: الطويل
تهانفتَ واستبكاكَ رسمُ المنازِلِ بقارةِ أهوى أو بسوقةِ حائلِ
خلتْ من جميعٍ ساكنينَ وبدلتْ ظباءَ السليلِ بعدَ خيلٍ وجاملِ
ذكرتُ بها من لنْ أباليَ بعدَهُ تفرقَ حيٍّ في النوى متزايلِ
وإنَّ امرءًا بالشامِ أكثَر قومِهِ وبطنانَ ليسَ الشوقُ عنهُ بغافلِ
فدونَ الأولَى كلبٌ وأفناءُ عامرٍ ودونَ الأولَى أفناءُ بكرِ بنِ وائلِ
وحنتْ إلى أرضِ العراقِ حمولَتِي وما قيظُ أجوافِ العراقِ بطائلِ
فقلتُ لها لا تجزعي وتربصي من اللهِ سيبًا إنهُ ذو نوافلِ
كلي الحمضَ بعدَ المقحمينَ ورازمي إلى قابلٍ ثمَّ اعذرِي بعدَ قابلِ
مهاريسُ لاقَتْ بالوحيدِ سحابةً إلى أملِ العزافِ ذاتِ السلاسلِ
تواكلَها الأزمانُ حتى أجأنَها إلى جلَدٍ منها قليلِ الأسافلِ
فلما انجلتْ عنها السنونَ هوى لها مقانبُ هطلَى من غريمٍ وسائل
فلمْ يبقِ منها الحقُّ إلا أرومةً غلاظَ الرقابِ جلةً كالجنادِلِ
وضيفٍ كفتْ جيرانَها وتوكلتْ بهِ جلدةٌ من سرها أمُّ حائلِ
نعوسٌ إذا درَّتْ جروزٌ إذا غدتْ بويزلُ عامٍ أو سديسٌ كبازِلِ
إذا ما دعتْ شيبًا بجنبيْ عنيزةٍ مشافرها في ماءِ مزنٍ وباقلِ
دعتْ بصريحٍ ذي غثاءٍ هراقهُ سوارِي العروقِ في الضروعِ السحابلِ
ذا ورعتْ أنْ تركبَ الحوضَ كسرتْ بأركانِ هضبٍ كلَّ رطبٍ وذابلِ
وإنْ سمعتْ رزَّ الفنيقِ تكشفَتْ بأذْنابِ صهْبٍ قرَّحٍ كالمجادلِ
وإنْ صابَ غيثٌ من وراءِ تنوفةٍ هدى هديَ سبارٍ بعيدِ المناقلِ
وإنِّي وذكرايَ ابنَ حرْبٍ لعائدٌ لخلةِ مرعِيِّ الأمانةِ واصلِ
أبوكَ الذي أجدَى عليَّ بنصرِهِ وأسكَتَ عني بعدَهُ كلَّ قائِلِ
[ ٢٣٩ ]
وأنتَ امرؤٌ لا بدَّ أنْ قدْ أصبتني بموعدةٍ دينٍ عليك وعاجلِ
وقدْ علمتْ قيسٌ وأفناءُ خندفٍ ومذحجُ إذْ وافيتهمْ في المنازِلِ
ثنائي عليكمْ آلَ حربٍ ومنْ يملْ سواكمْ فإني مهتدٍ غيرُ مائلِ
رأتكَ ذوو الأحلامِ خيرًا خلافَةً من الزائغينَ في التلاعِ الدواخِلِ
وأجزأتَ أمْرَ العالمينَ ولمْ يكنْ ليجزئَ إلاَّ كاملٌ وابْنُ كامِلِ
إليكَ ابتذلْنا كلَّ أدْماءَ حرةٍ وأعيسَ مشاءٍ أمامَ الرواحِلِ
رباعٍ كوقفِ العاجِ تثني حبالَهُ شراسيفُ حدَّتْ غرضُها غيرُ جائلِ
مشرفُ أطرافِ المحالِ مزلهِ معادَ الملاطِ معرقٍ في العقائلِ
فيالكَ من خدٍّ وذفرَى أسيلةٍ ومنْ عنقٍ صعلٍ وموضعِ كاهلِ
ورأسٍ كإبريقِ اليهوديِّ أشرفَتْ لهُ حبكٌ أجيادُها كالمراجلِ
ومنْ عجزٍ فيها جناحانِ ألحقا توالي لا شختٍ ولا متخاذلِ
وسمرٍ خفافٍ في حذاءِ نعامةٍ ثمانيةٍ روحٍ ظماءِ المفاصلِ
إذا قلتُ عاجٍ لجَّ حتى تردَّهُ قوَى أدمٍ أطرافُها في السلاسلِ
بعيدٍ من الحادِي إذا ما ترقصتْ نيافُ الصوَى في السبسبِ المتماحلِ
ترى الأعظمَ اللائي يلينَ فؤادَهُ جنوحَ الأعالِي مائراتِ الأسافلِ
كذي رملٍ من وحشِ حوملَ بلهُ أهاضيبُ في قسٍّ من الريحِ شاملِ
تخرُّ على متنِ الكثيبِ ومتنهُ رذاذٌ هوى من ديمةٍ غيرِ وابلِ
تبيتُ بناتُ الأرضِ تحتَ لبانهِ بأحقفَ من أنقاءِ توضحَ مائلِ
كأنَّ القطارَ حركتْ في مبيتهِ حذيةَ مسكٍ في معرسِ قافلِ
فلما تجلَّى ليلهُ عن نهارِهِ غدا سالكًا بينَ اللوَى فالخمائلِ
فهاجَ بهِ لمَّا ترجلتِ الضحى شطائبُ شتى من كلابٍ ونابلِ
فأبصرَها حتى إذا ما تقاربتْ وفي النفسِ منهُ كرةٌ للأوائلِ
حمى الأنفَ من بعضِ الفرارِ فذادها بأسحمَ لامٍ ذي شباتٍ وعاملِ
ففرقَ بينَ السابقينَ بطعنةٍ على عجلٍ من سلهَبٍ غيرِ ناصلِ
فكان كذِي تبلٍ تذكرَ ما مضَى وقدْ كرَّ كراتِ الكريم المقاتِلِ
يهزُّ بأطرافِ الحبالِ وينتحي على الأجنَبِ القصوى هزيزَ المغاولِ
كما انقضَّ دريٌّ تخلَّلَ متنهُ فروجَ جهامٍ آخرَ الليلِ جافلِ
وقال الراعي يمدح عبدَ الملك بن مروانَ، ويشكو السعاة: البسيط
بانَ الأحبةُ بالعهدِ الذي عهدُوا فلا تمالكَ عنْ أرضِ لها قصدوا
ورادَ طرفُكَ في صحراءَ ضاحيَةٍ فيها لعينيكَ والأظعانُ مطردُ
واستقبلتْ سربَهُمْ هيفٌ يمانيةٌ هاجتْ نزاعًا وحادٍ خلفهمْ غردُ
حتى إذا حالتِ الأرحاءُ دونهمُ أرحاءُ أرملَ حارَ الطرفُ أو بعدُوا
حثوا الجمالَ وقالوا إنَّ مشربكمْ وادِي المياهِ وأحساءٌ بهِ بردُ
وفي الخيامِ إذا ألقتْ مراسيها حورُ العيونِ لإخوانِ الصبا صُيُدُ
كأنَّ بيضَ نعامٍ في ملاحِفِها إذا اجتلاهُنَّ ليلٌ قيظهُ ومدُّ
لها خصورٌ وأعجازٌ ينوءُ بها رملُ الغناءِ وأعلَى متنِها رؤُدُ
منْ كلِّ واضِحَةِ الذِّفْرَى منعمةٍ غراءَ لمْ يغذُها بؤسٌ ولا وبدُ
يثني مساوفُها غرضوفَ أرنبةٍ شماءَ من رخصةٍ في جيدها أودُ
لها لثاتٌ وأنيابٌ مفلجةٌ كالأقحوانِ على أطرافِهِ البردُ
يجري بها المسْكُ والكافُورُ آونةً والزعفرانُ على لباتِها جسدُ
كأنَّ ريطَةَ جبارٍ إذا طويتْ بهوُ الشراسِيفِ منها حينَ تنخضدُ
نعمَ الضجيعُ بعيدَ النومِ يلجئُها إلى حشاكَ سقيطُ الليْلِ والثأدُ
كأنَّ نشوتها والليلُ معتكرٌ بعدَ العشاءِ وقدْ مالتْ بنا الوسدُ
صهباءُ صافيةٌ أغلى التجارُ بها منْ خمرِ عانةَ يطفو فوقها الزبدُ
لولا المخاوفُ والأوصابُ قد قطعتْ عرضَ الفلاةِ بنا المهريةُ الوخدُ
في كلِّ غبراءَ مخشيٍّ متالفُها جداءُ ليسَ بها عدٌّ ولا ثَمَدُ
[ ٢٤٠ ]
تمسِي الرياحُ بها حسرَى ويتبعها سرادِقٌ ليسَ في أطرافِهِ عمدُ
بصباصةُ الخمسِ في زوراءَ مهلكةٍ يهدِي الأدلاءَ فيها كوكبٌ وحدُ
كلفتُ مجهولَها نوقًا يمانيةً إذا الحداةُ على أكسائها حفدُوا
حسبَ الجماجمِ أشباهًا مذكرةً كأنها دُمُكٌ شيزيةٌ جددُ
قامَ السقاةُ فناطُوها إلى خشبٍ على كبابٍ وحومٌ خامسٌ يردُ
ذوو جآجئَ مبتلٌّ مآزرهمْ بينَ المرافق في أيديهمِ حردُ
أو رعلةٌ من قطا فيحانَ حلأها عن ماءِ يثبرَةَ الشُّبّاكُ والرصَدُ
تنجو بهنَّ من الكُدْرِيّ جانيةٌ بالروضِ روضِ عماياتٍ لها ولدُ
لما تخلسَ أنفاسًا قرائنُها منْ غمرِ سلمَى دعاها توءَمٌ قردُ
تهوي لهُ بشعيبٍ غيرِ معصمةٍ منغلةٍ دونَها الأحشاءُ والكبدُ
دونَ السماءِ وفوقَ الأرضِ مسلكُها تيهٌ نفانفُ لا بحرٌ ولا بَلَدُ
تطاولَ الليلُ منْ همٍّ تضيفنِي دونَ الأصارِمِ لمْ يشعرْ بهِ أحدُ
إلاَّ نجيةَ آرابٍ تقلبنِي كما تقلبَ في قرموصهِ الصردُ
في صدرِي ذي بدواتٍ ما تزالُ لهُ بزلاءُ يعيا بها الجثامةُ اللبَدُ
وعينِ مضطمرِ الكشحينِ أرقهُ همٌّ غريبٌ وناوِي حاجةٍ أفدُ
وناقةٍ من عتاقِ النوقِ ناجيةٍ حرفٍ تباعدَ منها الزورُ والعضدُ
ثبجاءُ دفواءُ مبنيٌّ مرافقُها على حصيرينِ في دفيهِما جددُ
مقاءُ مفتوقةُ الإبطينِ ماهرةٌ بالسومِ ناطَ يديها حارِكٌ سندُ
ينجو بها عنقٌ صعلٌ وتلحقُها رجْلا أصكَّ خدَبٍّ فوقَهُ لَبِدُ
تضحِي إذا العيسُ أدْركنا نكايتَها خرقاءَ يعتادُها الطوفانُ والزُّؤدُ
كأنها حرةُ الخدينِ طاويةٌ بعالجٍ دونَها الخلاتُ والعُقَدُ
ترمِي الفجاجَ بِكَحْلاوَيْنِ لمْ تجدا ريحَ الدخانِ ولمْ يأخذْهُما رمدُ
باتتْ بشرقيِّ يمؤُودٍ مباشِرَةً دعصًا أرذَّ عليهِ فرقٌ عندُ
في ظلِّ مرتجزٍ تجلو بوارقُهُ من ناظريْنِ رواقًا تحتهُ نضدُ
طورينِ طورًا يشقُّ الأرضَ وابلُهُ بعدَ العزازِ وطورًا ديمةٌ رغدُ
حتى غدتْ في بياضِ الصبحِ طيبةً ريحُ المباءةِ تخدِي والثرى عمدُ
لما رأتْ ما ألاقِي من مجمجمةٍ هي النجيُّ إذا ما صحبتي هجدوا
قامتْ خليدةُ تنهانِي فقلتُ لها إن المنايا لميقاتٍ لهُ عددُ
وقلتُ ما لامرِئٍ مثلي بأرضِكُمُ دونَ الإمامِ وخيرِ الناسِ متأدُ
إنِّي وإياكِ والشكْوَى التي قصرَتْ خطوِي ونأيكِ الوجدُ الذي أجدُ
كالماءِ والظالِعُ الصدْيانُ يطلبُهُ هوَ الشفاءُ لَهُ والريُّ لوْ يردَ
إنَّ الخلافةَ من ربِّي حباكَ بها لمْ يصفِها لكَ إلاَّ الواحدُ الصمدُ
القابضُ الباسِطُ الهادِي لطاعتِهِ في فتنةِ الناسِ إذْ أهواءُهُمْ قددُ
أمرًا رضيتَ لهُ ثمَّ اعتمدتَ لهُ واعلَمْ بأنَّ أمينَ اللهِ معتمدُ
واللهُ أخرجَ من عمياءَ مظلمةٍ بحزمِ أمركَ والآفاقُ تجتلدُ
فأصبحَ اليومَ في دارٍ مباركةٍ عندَ المليكِ شهابًا ضوءهُ يقدُ
ونحنُ كالنجمِ يهوي من مطالعِهِ وغوطةُ الشامِ من أعناقنا صددُ
نرجو سجالًا من المعروفِ تنفحُها لسائليكَ فلا منٌّ ولا حسدُ
ضافِي العطيةِ راجيهِ وسائلهُ سيانَ أفلح من يُعطِي ومنْ يعدُ
أنتَ الحيا وغياثٌ نستغيثُ بهِ لو نستطيعُ فذاكَ المالُ والوَلَدُ
أزرَى بأموالِنا قومٌ أمرتهُمُ بالعدلِ فينا فما أبقوا وما قصدوا
نعطي الزكاةَ فما يرضَى خطيبهُمُ حتى يضاعِفَ أضعافُ لها غددُ
أما الفقيرُ الذي كانتْ حلوبتُهُ وفقَ العِيالِ فلمْ يتركْ لهُ سبدُ
واختلَّ ذو المالِ والمثرونَ قد بقيتْ على التلاتل من أموالِهِمْ عقدُ
فإنْ رفعتَ بهم رأسًا نعشتهمُ وإنْ لقوا مثلها في قابلٍ فسدوا
وقال الراعي يمدح بشرَ بن مروان: الطويل
[ ٢٤١ ]
أفي أثرِ الأظعانِ عينكَ تلمحُ نعمْ لاتَ هنا إنَّ قلبكَ متيحُ
ظعائنُ مئنافٍ إذا ملَّ بلدَةً أقامَ الرِّكابَ باكِرٌ متروِّحُ
من المتبعينَ الطرفَ في كلِّ شتوةٍ سنا البرقِ يدعوهُ الربيعُ المطرحُ
يسامِي الغمامَ الغرَّ ثمَّ مقيلهُ من الشرفِ الأعلى حساءٌ وأبطَحُ
رعينَ قرارَ المزنِ حيثُ تجاوبتْ مذاكٍ وأبكارٌ من المزنِ دلحُ
بأرضٍ يثيرُ النقعُ فيها قناعهُ كما انتصَّ شيخٌ من رفاعةَ أجلحُ
أقامتْ بهِ حدَّ الربيعِ وجارُها أخو سلوةٍ مسى به الليلُ أملَحُ
فلما انتهى نوءُ الربيع وأزمعتْ خفوفًا وأولادُ المصاييفِ رشحُ
رماها السفا واعتزَّها الصيفُ بعدما طباهنَّ روضٌ من زبالةَ أفيحُ
وحارَبتِ الهيفُ الشمالَ وآذَنتْ مذانبُ منها اللدنُ والمتصوحُ
تحملْنَ من ذاتِ التنانيرِ بعدَما مضى بينَ أيديها سوامٌ مسرحُ
وعالينَ رقمًا فوقَ رقمٍ كسونهُ قنا عرعرٍ فيهِ أوانِسُ وضَّحُ
على كلِّ عجعاجٍ إذا عجَّ أقبلَتْ لهاةٌ تلاقيها مخالبُ كلَّحُ
فأبصرتُهُمْ حتى تعرضَ دونهُمْ ستورٌ وحادٍ ذو غذاميرَ صيدَحُ
وقلنَ لهُ حثَّ الجمالَ وغنها بصوتكَ والحادِي أحثُّ وأنجحُ
بإحدى قياقِ الحزنِ في يومِ قتمةٍ وضاحِي السرابِ بيننا يتضحضحُ
تواضعُ أطرافُ المخارِمِ دونَهُ وتبدو إذا ما غمرةُ الآلِ تنزحُ
فلما دعا داعي الصباحِ تفاضلتْ بركبانِها صهبُ العثانينِ قرَّحُ
لحقنا بحي أوبُوا السيرَ بعدما دفعنا شعاعَ الشمسِ والطرفُ مجنحُ
تدافعهُ عنا الأكفُّ وتحتهُ من الحيِّ أشباحٌ تجولُ وتمصحُ
فلما لحقنا وازدهتنا بشاشةٌ لإتيانِ منْ كنا نودُّ ونمدحُ
أتتنا خزامى ذاتُ نشرٍ وحنوةٌ وراحٌ وعطارٌ من المسكِ ينفحُ
فنلنا غرارًا من حديثٍ نقودهُ كما اغبرَّ بالنصِّ القضيبُ المسمحُ
نقاربُ أفنانَ الصبا ويردُّنا حياءٌ إذا كدنا نلمُّ فنجمحُ
حرائرُ لا يدرينَ ما سوءُ شيمةٍ ويتركنَ ما يُلْحَى عليهِ فيفصِحُ
فأعجلنا قربُ المحلِّ وأعيُنٌ إلينا فخفناها شواخصُ طُمحُ
فكائِنْ ترى في القومِ من متقنعٍ على عبرةٍ كادتْ بها العينُ تسفحُ
لهُ تظْرَتانِ نحوَهنَّ ونظرةٌ إلينا فللهِ المشوقُ المترحُ
كحرانَ منتوفِ الذراعينِ صدَّهُ عنِ الماءِ فراطٌ ووردٌ مصبحُ
فقامَ قليلًا ثمَّ باحَ بحاجةٍ مصردُ أشرابٍ مرمى منشحُ
إلى المصطفى بشرِ بنِ مروانَ ساورَتْ بنا الليلَ حولٌ كالقسِيِّ ولقحُ
نقانقُ أشباهٌ برَى قمعاتِها بكورٌ وإسادٌ وميسٌ مشيحُ
فلم يبقَ إلاَّ آلُ كلِّ نجيبةٍ لها كاهلٌ جأبٌ وصلْبٌ مكدَّحُ
ضبارمةٌ شدقٌ كأنَّ عيونها بناتُ جفارٍ منْ هرامِيتَ نزحُ
فلوْ كنَّ طيرًا قدْ تقطعنَ دونكمْ بغبرِ الصوَى فيهنَّ للعيْنِ مطرحُ
ولكنها العيسُ العتاقُ يقودُها همومٌ بنا منتابُها متزحزحُ
بناتُ نحيضِ الزورِ يبرقُ خدهُ عظامُ ملاطيهِ موائرُ جنحُ
لهُ عنقٌ عارِي المحالِ وحارِكٌ كلوحِ المحانِي ذو سناسِنَ أفطحُ
ورجلٌ كرجلِ الأخدرِيِّ يشلُّها وظيفٌ على خفِّ النعامةِ أروحُ
يقلبُ عينيْ فرقدٍ بخميلةٍ كساها نصيُّ الخلفةِ المتروحُ
تروحنَ من حزمِ الجفولِ فأصبحتْ هضابُ شرورَى دونها والمضيحُ
وما كانتِ الدهنا لها غيرَ ساعةٍ وجوَّ قسًا جاوزنَ والبومُ يضبحُ
سمامٌ بموماةٍ كأنَّ ظلالَها جنائبُ تدنُو تارةً وتزحزَحُ
ولمّا رأتْ بعدَ المياهِ وضمها جناحان من ليلٍ وبيداءُ صردحُ
وأغستْ عليها طرمساءُ وعلقتْ بهجرٍ أداوَى ركبِها وهي نزحُ
حذاها بنا روحٌ زواجلُ وانتحتْ بأجوازها أيدٍ تمدُّ وتنزحُ
فأضحتْ بمجهولِ الفلاةِ كأنها قراقيرُ في آذِيِّ دجلةَ تسبحُ
[ ٢٤٢ ]
لهاميمُ في الخرقِ البعيدِ نياطُهُ وراءَ الذي قال الأدلاءُ تصبحُ
فما أنا إنْ كانتْ أعاصيرُ فتنةٍ قلوبُ رجالٍ بينهُنَّ تطوحُ
كمنْ باعَ بالإثمِ التقى وتفرقتْ بهِ طرقُ الدنيا ونيلٌ مترحُ
رجوتَ بحورًا من أميةَ دونَها عدوٌ وأركانٌ من الحربِ ترمحُ
وما الفقرُ من أرضِ العشيرةِ ساقنا إليكَ ولكنى بقربكَ أنجحُ
وقدْ علم الأقوامُ أنكَ تشتري جميلَ الثنا والحمدُ أبقَى وأربحُ
وأنتَ امرؤٌ تروِي السجالَ وينتحِي لأبعدَ منا سيبكَ المتمنحُ
وإنكَ وهابٌ أغرُّ وتارةً هزبرٌ عليهِ نقبةُ الموتِ أصبحُ
أبوكَ الذي نجّى بيثربَ قومهُ وأنتَ المفدَّى من بنيهِ الممدَّحُ
إذا ما قريشُ الملكِ يومًا تفاضلوا بدا سابقٌ من آلِ مروانَ أقرَحُ
وقال الراعي أيضًا: البسيط
يا أهلِ ما بالُ هذا الليلِ في صفرِ يزدادُ طولًا وما يزدادُ من قصرِ
في إثْرِ من قطعَتْ مني قرينتُهُ يومَ الحدالَى بأسبابٍ من القدرِ
كأنما شقَّ قلبِي يومَ فارقَهُمْ قسمينِ بَيْنَ أخِي نجدٍ ومنحدِرِ
همُ الأحبةُ أبْكِي اليومَ إثرَهُمُ قدْ كنتُ أطربُ إثرَ الجيرةِ الشُّطُرِ
فقلتُ والحرةُ الرجلاءُ دونهمُ وبطنُ لجانَ لما اعتادني ذكري
صلى على عزةَ الرحمانُ وابنتِها ليلى وصلى على جاراتِها الأُخرِ
هنَّ الحرائرُ لا ربّاتِ أحمرةٍ سودُ المحاجِرِ لا يقرأْنَ بالسورِ
وارَيْنَ وحفًا رواءً في أكمَّتِه منْ كرمِ دومَةَ بينَ السيحِ والجدارِ
تلقَى نواطيرَهُ في كلِّ مرقبةٍ يرمونَ عنْ وارِدِ الأفنانِ مهتصرِ
يسبينَ قلبِي بأطرافٍ مخضبةٍ وبالعيونِ وما واريْنَ بالخمرِ
على ترائبِ غزلانٍ مفاجأةٍ ريعتْ فأقبلْنَ بالأعناقِ والعذَرِ
لا تعمَ أعينُ أصحابٍ أقولُ لهمْ بالأنبطِ الفرد لمّا بذهمْ بصري
هلْ تؤنسُونَ بأعلَى عاسِمٍ ظعُنًا وركْنَ فحليْنِ واستقبلْنَ ذا بقرِ
بينهنَّ ببينٍ ما يبينُهُ صحبي وما بعُيُون القومِ من عَوَرِ
يبدونَ حينًا وأحيانًا يغيبهُمْ مني مكامِنُ بينَ الجرِّ والحفرِ
تحدُو بهمْ نبطٌ صهبٌ سبالُهُمُ من كلِّ أحمرَ من حورانَ مؤتجرِ
عومَ السفينِ على بختٍ مخيسةٍ والبختُ كاسيةُ الأعجازِ والقصرِ
كأنَّ رزَّ حداةٍ في طوائفهمْ نوحُ الحمامِ يغني غايةَ العشرِ
أتبعتُ آثارَهُمْ عينًا معودَةً سبقَ العيونِ إذا استكرهْنَ بالنظرِ
وبازلًا كعلاةِ القينِ دوسرةً لم يجذِ مرفقها في الدفِّ من زورِ
كأنها ناشطٌ حرٌّ مدامعهُ منْ وحشِ حبرانَ بينَ القنعِ والضفرِ
باتَ إلى هدفٍ من ليلِ ساريةٍ يغشَى العضاهَ بروقٍ غيرِ منكَسِرِ
يخاوشُ البركَ عنْ عرقٍ أضرَّ بهِ تجافيًا كتجافي القرْم ذي السرَرِ
إذا أتى جانبًا منها يصرفُهُ تصفقُ الريحِ تحتَ الديمةِ الدررِ
حتى إذا انجلتْ عنهُ عمايتُهُ وقلصَ الليلُ عن طيانَ مضطمرِ
غدا كطالبِ تبلٍ لا يورعُهُ دعاءُ داعٍ ولا يلوِي على خبرِ
وصبحتهُ كلابُ الغوثِ يؤسدُها مستوضحونَ يرونَ العينَ كالأثرِ
أوجسَ بالأذنِ رزًا منْ سوابقِها فجالَ أزْهَرُ مذعُورٌ من الخمرِ
واجتازَ للعدوَةِ القُصوَى وقدْ لحقَتْ غضفٌ تكشفُ عنها بلجةُ السحَرِ
فكرَّ ذو حوزةٍ يحمي حقيقتهُ كصاحبِ البزِّ من حورانَ منتصرِ
فظلَّ سابقُها في الروقِ معترضًا كالشنِّ لاقَى قناةَ اللاعِبِ الأشِرِ
فردها ظلعًا تدمى فرائصُها لمْ تدمَ فيه بأنيابٍ ولا ظفرِ
وظلَّ يعلو لوَى دهقانَ معترضًا يردِي وأظلافُهُ صفرٌ من الزهَرِ
أذاكَ أمْ مسحَلٌُ جونٌ بهِ جلَبٌ مِنَ الكدامِ فلا عنْ قرحٍ نزُرِ
قبِّ البُطونِ نفى سربالَ شقوتِها سربالُ صيفٍ رقيقٍ لين الشعرِ
[ ٢٤٣ ]
لم يبرِ جبلتها حملٌ تتابعهُ بعدَ اللطامِ ولمٍْ يغلظنَ من عقرِ
كأنَّها مقطٌ ظلتْ على قيمٍ من ثُكْدَ واعتركتْ في مائهِ الكدرِ
شقرٌ سماويةٌ ظلتْ محلأةً برجلةِ التيسِ فالروحاءِ فالأمرِ
كانتْ بجزءٍ فملتها مشاربُهُ وأخلفتها رياحُ الصيفِ بالغدرِ
فَراحَ قبلَ غروبِ الشمسِ يصفقُها صفقَ العنيفِ قلاصَ الخائفِ الحذرِ
يخرجنَ بالليلِ من نقعٍ لهُ عرفٌ بقاعِ أمعطَ بينَ السهلِ والصيَرِ
حتى إذا ما أضاءَ الصبحُ وانكشفتْ عنهُ نعامةُ ذي سقطينِ منشمرِ
وصبحتْ بركَ الريانِ فاتبعتْ فيهِ الجحافلُ حتى خضنَ بالسررِ
حتى إذا قتلتْ أدنَى الغليلِ ولمْ تملأ مذاخرَها للرِّيِّ فالصدَرِ
وصاحبا قترةٍ صفرٌ قسيهما عندَ المرافقِ كالسيدينِ في الحجرِ
تنافسا الرميةَ الأولى ففازَ بها معاودُ الرَّمي قتالٌ على فقرِ
حتى إذا ملأ الكفينِ أدرَكَهُ جدٌّ حسودٌ وخانتْ قوةُ الوترِ
فانصعنَ أسرَعَ من طيرٍ مغاولةٍ تهوي إلى لابةٍ من كاسِرٍ خدرِ
إذا لقينَ عروضًا دونَ مصنعةٍ وركنَ من جنبها الأقصَى لمحتضرِ
فأطلَعَتْ فرزةَ الآجامِ جافلةً لمْ تدرِ أنَّى أتاها أولُ الذعرِ
فأصبحَتْ بينَ أعلامٍ بمرتقبٍ مقورةً كقداحِ الغارِمِ اليَسَرِ
يزرُّ أكفالَها غيرانُ مبترِكٌ كاللوحِ جردَ دفاهُ من الزُّبُرِ
وقال الراعي يمدح بشر بن مروان: الطويل
ألمْ يسألِ الركْبُ الديارَ العوافيا بوجهِ نوًى منْ حلها أو متَى هيا
ظللنا سراةَ اليومِ منْ حبِّ أهلها نسائلُ آناءً لها وأثافيا
بذي الرضمِ سارَ الحيُّ منها فما ترى بها العينُ ألاَّ مسجدًا وأواريا
وجونًا أظلتها ركابٌ مناخةٌ ركابُ قدورٍ لا يرِمْنَ المثاويا
وآناءَ حيٍّ تحتَ عينٍ مطيرةٍ عظامِ البيوتِ ينزلونَ الروابيا
أربتْ شهريْ ربيعٍ عليهمِ جنائبُ ينتجنَ الغمامَ المتاليا
بأسحمَ من هيجِ الذراعينِ أتأقتْ مسايلهُ حتى بلغنَ المناجيا
عهدنا الجيادَ الجردَ كلَّ عشيةٍ يشارُ بها والمجلسَ المتباهيا
وضربَ نساءٍ لوْ رآهنَّ راهبٌ لهُ ظلةً في قنةٍ ظلَّ رانِيا
جوامعَ أنْسٍ في حياءٍ وعفةٍ يصدنَ الفتى والأشمطَ المتناهيا
بأعلامِ مركوزٍ فعيرٍ فغربٍ مغانِيَ أمِّ الوبرِ إذْ هي ما هِيا
لها بحقيلٍ والنميرةِ منزلٌ ترى الوحشَ عوذاتٍ بهِ ومتاليا
ومعتركٍ من أهلها قدْ عرفنهُ بوادِي أريكٍ حيثُ كانَ محانِيا
وإنَّ نساءَ الحيِّ لما رمينني أصبنَ الشوى مني وصدنَ فؤاديا
ثقالٌ إذا رادَ النساءُ خريدةٌ صناعٌ فقدْ سادتْ إليَّ الغوانيا
ولستُ بلاقٍ في قبائلِ قومِها لوبرةَ جارًا آخرَ الدهرِ قاليا
كغراءَ سوداءِ المدامِع ترتعي بحوملَ عطفيْ رملةٍ وتناهِيا
لها ابنُ ليالٍ ودأتهُ بقفرةٍ وتبغي بغيطانٍ سواهُ المراعيا
أغنُّ غضيضُ الطرفِ باتتْ تعلهُ صرَى ضرةٍ شكرَى فأصبحَ طاوِيا
وقدْ عودتهُ بعدَ أولِ بلجةٍ منَ الصبحِ حتى الليلَ ألاَّ تلاقيا
تظلُّ بذي الأرطَى تسمعُ صوتهُ مفزعةً تخشى سباعًا وراميا
إذا نظرتْ نحوَ ابْنِ إنْسٍ فإنَّهُ يرى عجبًا ما واجهتهُ كما هيا
دعانِي الهوى منْ أهلِ وبرٍ ودونها ثلاثةُ أخماسٍ فلبيكَ داعيا
فعجنا لذكراها وتشبيه صوتِها قلاصًا بمجهولِ الفلاةِ صوادِيا
نجائبَ لا يُلقحنَ إلا يعارةً عراضًا ولا يشرينَ إلا غواليا
كأنّا على صهبٍ من الوحشِ صعلةٍ سماويةٍ ترعى المروجَ خواليا
من المفرعاتِ المجفراتِ كأنَّها غمامٌ حدتهُ الريحُ فانقضَّ ساريا
إذا شربَ الظمءُ الأداوَى ونضبتْ ثمائلَها حتى بلغنَ العزاليا
بغبراءَ مجرازٍ يبيتُ دليلُها مشيحًا عليها للفراقدِ راعيا
[ ٢٤٤ ]
طوى البعدَ أنْ أمستْ نعامًا وأصبحتْ قطًا طالقًا مسحنفرًا متدانيا
تداعينَ من شتى ثلاثًا وأربعًا وواحدَةً حتى برزنَ ثمانيا
دعا لُبها غمرٌ كأنْ قدْ وردنَهُ برجلةِ أبليٍّ ولوْ كان نائيا
فصبحنَ مسجورًا سقتهُ غمامةٌ رعالُ القطا ينفضنَ فيهِ الخوافيا
فلما نشحناهنَّ منهُ بشربةٍ ركبنا فيممنا بهنَّ الفيافيا
فتلكَ مطايانا وفوقَ رحالِها نجومٌ تخطى ظلمةً وصحاريا
أرجي المنى منْ عندِ بشرٍ ولمْ أزَلْ لأمثالها من آلِ مروانَ راجيا
لعمركَ إنَّ العاذلاتِ بيذبلٍ وناعمتيْ دمخٍ لينهينَ ماضِيا
بعيدَ الهوى رامَ الأمورَ فلمْ يرى لحاجتهِ دونَ ابنِ مروانَ قاضيا
لواردِ ماءٍ منْ فلاةٍ بعيدةٍ تذكرَ أيْنَ الشربُ إنْ كانَ صافيا
فأصبحنَ قدْ أقصرْنَ عنْ متبسلٍ قرى طارِقَ الهمِّ القلاصَ المناقيا
وهنَّ يحاذرنَ الردى أن يصيبني ومنْ قبلِ خلقي خطَّ ما كنتُ لاقيا
وأعلمُ أنَّ الموتَ يا أمَّ سالمٍ قرينٌ محيطٌ حبلُهُ من ورائيا
فكائِنْ ترى منْ مسعفٍ بمنيةٍ يجنبها أو معصمٍ ليسَ ناجيا
ومنيتٌ من بشرٍ صحابي منيةً فكلهمُ أمسَى لما قلتُ راضيا
فأنتَ ابنُ خيرَيْ عصْبَتَيْنِ تلاقتا على كلِّ حيٍّ عزةً ومعاليا
وأنتَ ابنُ أملاكٍ وليثُ خفيةٍ تفادَى الأسودُ الغلبُ منهُ تفاديا
ونائلكَ المرجوُّ سيبُ غمامةٍ سقتْ أهلها عذبًا من الماءِ صافيا
نزلتَ من البيضاءِ في آلِ عامرٍ وفي عبدِ شمسِ المنزلَ المتعاليا
فلمْ نَرَ خالًا مثلَ خالكَ سوقةً إذا ابتدرَ القومُ الكرامُ المساعيا
وكانَ العراقُ يومَ صبحتَ أهلهُ كذي الداءِ لاقَى منْ أميةَ شافِيا
كشفتَ غطاءَ الكفرِ عنّا وأقلعتْ زلازلُهُ لمّا وضعتَ المراسِيا
وعفيتَ منهمْ بعدَ آثارِ فتنةٍ وأحييتَ بابًا للندَى كانَ خاويا
فإنّا وبشرًا كالنجومِ رأيتها بمانيةً يتبعنَ بدرًا شآميا
أبوكَ الذي آسَى الخليفةَ بعدما رأى الموتَ منهُ بالمدينةِ وانِيا
فلوْ كنتُ من أصحابِ مروانَ إذْ دَعا بعذراءَ يممتُ الهدَى إذْ بدا لِيا
على بردَى إذْ قالَ إنْ كانَ عهدهُمْ أضيعَ فكونوا لا عليَّ ولا ليا
ولكنني غيبتُ عنهمْ فلم يطعْ رشيدٌ ولم تعصِ العشيرةُ غاويا
وكمْ من قتيلٍ يومَ عذراءَ لمْ يكنْ لصاحبهِ في أوَّلِ الدهرِ قاليا
فإنْ يكُ سوقٌ من أميةَ قلصتْ لقيسٍ بحربٍ لا تجنُّ المعاريا
فقدْ طالَ أيامُ الصفاءِ عليهمُ وأيُّ صفاءٍ لا يحور تغاوِيا
ألسنا أشدَّ الناسِ يا أمَّ سالمٍ لدى الموتِ عندَ الحربِ قدمًا تآسيا
فلمْ يبقِ منا القتلُ إلا بقيةً ولمْ يبقِ من حييْ ربيعةَ باقِيا
برزنا لضبعاني معدٍّ فلمْ ندعْ لبكرٍ ولا أفناءِ تغلبَ ناديا
برهطِ ابنِ كلثومٍ بدأنا فأصبحُوا لتغلبَ أذنابًا وكانوا نواصِيا
أعدنا بأيامِ الفراتِ عليهمِ وقائعنا والمشتعلاتِ الغواشِيا
سلاهبَ منْ أولادِ أعوجَ فوقَها فوارِسُ قيسٍ مشرِعِينَ العواليا
وغارتُنا أودتْ ببهراءَ إنَّها تصيبُ الصميمَ مرةً والمواليا
ونحنُ تركنا بالعقيرِ نساءَكُمْ معَ الثكلِ هزْلَى يشتوينَ الأفاعيا
وكانَتْ لنا نارانِ نارٌ بجاسمٍ ونارٌ بدمخٍ يحرقانِ الأعادِيا
وقال الراعي أيضًا: البسيط
ألا اسلَمِي اليومَ ذاتَ الطوقِ والعاجِ والدَّلِّ والنظرِ المستأنِسِ الساجِي
والواضحِ الغرِّ مصقولٍ عوارضهِ والفاحِمِ الرَّجِلِ المستوردِ الداجِي
وحفٍ أثيبٍ على المتينِ منسدلٍ مستفرغٍ بدهانِ الوردِ مجاجِ
ومرسلٍ ورسولٍ غيرِ متهمٍ وحاجةٍ غيرِ مبداةٍ من الحاجِ
طاوعتهُ بعدَ ما طالَ النجيُّ بهِ وظنَّ أنِّي عليهِ غيرُ منعاجِ
[ ٢٤٥ ]
ما زالَ يفتحُ أبوابًا ويغلفُها بعدِي ويفتحُ بابًا بعدَ إرتاجِ
حتى أضاءَ سراجٌ دونهُ قمرٌ حمرُ الأناملِ حورٌ طرفُها ساجِي
يضحكنَ للهوِ واللذاتِ عن بردٍ تكشفَ البرقِ عنْ ذي لجةٍ داجِ
كأنما نظرتْ نحوي بأعينِها عينُ الصريمةِ أو غزلانُ فرتاجِ
بيضُ الوجوهِ كبيضاتٍ بمحنيةٍ في دفءِ وحفٍ من الظلمانِ هداجِ
يا نعمها ليلةً حتى تخونها صوتٌ منادٍ بأعلى الصبحِ شحاجِ
لما دعا الدعوةَ الأولى فأسمعنِي أخذتُ بردَيَّ واستمررتُ أدراجي
وزلنَ كالتينِ وارَى القطنُ أسفلهُ واعتمَّ برديا بينَ أفلاجِ
يمشين مَشَى الهجانِ الأدمِ أقبلَها خلُّ الكؤودِ هدانٌ غيرُ مهتاجِ
كأنَّ في برتيها بعدما بدتا برديتَي زبدٍ بالماءِ عجاجِ
إنْ تنءَ سلمى فما سلمى بفاحشةٍ ولا إذا استودعتْ سرًا بمزلاجِ
كأنَّ منطقها ليثتْ معاقدُهُ بواضحٍ منْ ذرَى الأنقاءِ بجباجِ
وشربةٍ من شرابٍ غيرِ ذي فنعٍ في كوكبٍ من نجومِ القيظِ وهاجِ
سقيتها صاحبًا تهوِي مسامعهُ قد ظنَّ أن ليْسَ منْ أصحابهِ ناجِي
وفتيةٍ غيرِ أنكاسٍ دلَفْتُ لهمْ بذي رقاعٍ منَ الخرطومِ نشاجِ
أولجتُ حانوتَهُ حمرًا مقطعَةً من مالِ سمحٍ على التجارِ ولاجِ
فاخترتُ ما عندهُ صهباءَ صافيةً من خمرِ ذي نطفاتٍ عاقدِ التاجِ
يظلُّ شارِبُها رخوًا مفاصلُهُ يخالُ بصرَى جمالًا ذاتَ أحداجِ
وقدْ أقولُ إذا ما القومُ أدركهمْ سكرُ النعاسِ لحرفٍ حرةٍ عاجِ
فسائلِ القومَ إذْ كلتْ رِكابهمُ والعيسُ تنسلُّ عن سيرِي وإدلاجي
ونصيَ العيسَ تهديهمْ وقدْ سدرتْ كلُّ جماليةٍ كالفحلِ هملاجِ
عُرضَ المفازةِ والظلماءُ داجيةٌ كأنها جبةٌ خضراءُ من ساجِ
ومنهلٍ آجنٍ غبرٍ موارِدُهُ خاوي العروشِ ببابٍ غيرِ إنهاجِ
عافي الجبا غيرَ أصداءٍ يطفنَ بهِ وذو قلائدَ بالأعطانِ عراجِ
باكرتهُ بالمطايا وهيَ خامسةٌ قبلَ رِعالٍ من الكدرِيّ أفواجِ
حتى أردَّ المطايا وهيَ ساهمةٌ كأنَّ أنضاءها ألواحُ أحراجِ
وقال يمدح خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيدٍ: الطويل
على الدارِ بالرمانتينِ تعوجُ صدورُ مهارَى سيرهُنَّ وسيجُ
فعجنا على رسمٍ بربعٍ يجرهُ من الصيفِ جشاءُ الحنينِ نؤوجُ
شآميةٌ هوجاءُ أو قطريةٌ بها منْ هباءِ الشعريينِ نسيجُ
تثيرُ وتبدِي عنْ ديارٍ بنجوةٍ أضرَّ بِها من ذي البطاحِ خليجُ
علامتُها أعضادُ نؤيٍ ومسجدٌ يبابٌ ومضروبُ القذالِ شجيجُ
ومربطُ أفلاءِ الجيادِ وموقدٌ مِنَ النارِ مسودُّ الترابِ فضيجُ
ألحَّ بأعلاهُ وبقى شريدهُ ذرى مجنحاتٍ بينهنَّ فروجُ
ثلاثٌ صلينَ النارَ شهرًا وأرزمتْ عليهنَّ رجزاءُ القيامِ هدوجُ
كأنَّ بربعِ الدارِ كلَّ عشيةٍ سلائبَ ورقًا بينهنَّ خديجُ
تبدلتِ العفرُ الهجانُ وحولها مساحلُ عاناتٍ لهنَّ نشيجُ
نفينَ حواليَّ الجحاشِ وعشرتْ مصاييفُ في أكفالهنَّ سحوجُ
تأوبُ جنبيْ منعجٍ ومقيلُها بجنبِ قرورَى خلفةٌ ووشيجُ
عهدنا بها سلْمَى وفي العيشِ غرةٌ وسعدَى بألبابِ الرجالِ خلوجُ
ليالِيَ سعدى لو تراءتْ لراهبٍ بدومةَ تجرٌّ عندهُ وحجيجُ
قَلَى دينَهُ واهتاجَ للشوقِ إنَّها على الشوقِ إخوانُ العزاءِ هيوجُ
ويومَ لقيناها بتيمنَ هيجتْ بقايا الصبا إنَّ القؤادَ لجوجُ
غداةَ تراءَتْ لابنِ ستينَ حجةً سقيةُ غيلٍ في الحجالِ دموجُ
إذا مضغتْ مسواكها عبقتْ بهِ سلافٌ تغالاها التجارُ مزيجُ
فداءٌ لسعدَى كلُّ ذاتِ حشيةٍ وأخرى سبنتاةُ القيامِ خروجُ
كأدماءَ هضماءِ الشراسيفِ غالَها عن الوحشِ رخودُّ العظامِ نتيجُ
رعتهُ صدورَ التلعِ فناءُ كمشةٌ بحزمِ رضامٍ بينهنَّ شروجُ
[ ٢٤٦ ]
ألمْ تعلمِي يا أمَّ أسعدَ أنَّنِي أهاجُ لخيراتِ الندَى وأهيجُ
وهمٌّ عرانِي منْ بعيدٍ فأدلجتْ بيَ الليلَ منجاةُ العظامِ زلوجُ
وشعثٍ نشاوَى منْ نعاسٍ وفترةٍ أثرتُ وأنضاءٍ لهنَّ ضجيجُ
ظلنا بحوارِينَ في مشمخرةٍ يمرُّ سحابٌ تحتنا وتلوجُ
ترى حارِثَ الجولانِ يبرقُ دونهُ دساكرُ من أسفالهنَّ بروجُ
شربنا ببحرٍ من أميةَ دونهُ دمشقُ وأنهارٌ لهنَّ عجيجُ
فلما قضينَ الحاجَ أزمعنَ نيةً لجلجِ النوَى إنَّ النوَى لخلوجُ
عليها دليلٌ بالفلاةِ ووافِدٌ كريمٌ لأبوابِ الملوكِ ولوجُ
ويقطعنَ منْ خبتٍ وأرضٍ بسيطةٍ بسابسَ قفزًا وحشهنَّ عروجُ
فلما دنا مِنْها الإيابُ وأدْرِكَتْ عجارِفُ حدبٌ مخنَّ مزيجُ
إذا وضعتْ عنها بظهرِ مفازةٍ حقائبُ عنْ أصلابَها وسروجُ
رأيتُ ردافًا حولَها من قبيلَةٍ منَ الطيرِ يدعوها أحمُّ شحوجُ
وقال الراعي: البسيط
عادَ الهمومُ وما يدرِي الخلِيُّ بها واستوردتنِي كما يستوردُ الشرعُ
فبتُّ أنجو بها نفسًا تكلفُنِي مالا يهمُّ بهِ الجثامةُ الورَعُ
ولومِ عاذِلَةٍ باتتْ تؤرقُنِي حرَّى الملامةِ ما تبقي وما تدَعُ
لمّا رأتنِيَ أقررتُ اللسانَ لها قالتْ أطعنِيَ والمتبوعُ متبعُ
أخشى عليكَ حبالَ الموتِ راصدَةً بكلِّ موردةٍ يرجى بها الطمعُ
فقلتُ لنْ يعجلَ المقدارُ عدتهُ ولنْ يباعدَهُ الإشفاقُ والهلعُ
فهلْ علمتِ من الأقوامِ من أحدٍ على الحديثِ الذي بالغيبِ يطلعُ
وللمنيةِ أسبابٌ يقربُها كما يقربُ للوحشيةَ الذرُعُ
وقد أرى صفحةَ الوحشِي يخطئها نبلُ الرماةِ فينجو الآبدُ الصدعُ
وقد تذكرَ قلبِي بعدَ هجعتهِ أيَّ البلادِ وأيَّ الناسِ أنتجعُ
فقلتُ بالشامِ إخوانٌ ذوو ثقةٍ ما إنْ لنا دونهمْ ريٌّ ولا شبعُ
قومٌ همُ الذروةُ العليا وكاهِلُها ومنْ سواهمْ همُ الأظلافُ والزَّمَعُ
فإن يجودُوا فقدْ حاولتُ جودهمُ وإنْ يضنُّوا فلا لومٌ ولا قذَعْ
وكمْ قطعتُ إليكمْ من مؤديةٍ كأنَّ أعلامَها في آلِها القزَعُ
غبراءَ يهماءَ يخشَى المدلجونَ بها زيغَ الهداةِ بأرضٍ أهلُها شيعُ
كانَّ أيْنُقَنا جونِيُّ مورِدَةٍ ملْسُ المناكِبِ في أعناقِها هنعُ
قواربُ الماءِ قدْ قدَّ الرواحُ بها فهنَّ تفرقُ أحيانًا وتجتمعُ
صفرُ الحناجرِ لغواها مبينةٌ في لجةِ الليلِ لَمّا راعَها الفزَعُ
يسقينَ أولادَ أبساطٍ مجددةٍ أردَى بها القيظُ حتى كُلُّها ضرِعُ
صيفيةٌ حمكٌ حمرٌ حواصلُها في أكناتِ حصًى أرجاؤُها صلعُ
يسقينهنَّ مجاجاتٍ يلينُ بها منْ آجِنِ الماءِ محفوفًا به الشرَعُ
باكرْنَهُ وفضولُ الريحِ تنسجهُ معانِقًا ساقَ رَيّا عودُها خرِعُ
كطرةِ البردِ يروَى الصادِياتُ بهِ منَ الأجارِعِ لا ملحٌ ولا نزعُ
لمَّا نزلنَ بجنبيهِ دلفْنَ لَهُ جوادِفَ المشي منها البُطءُ والسرَعُ
حتى إذا ما ارْتَوَتْ منْ مائِهِ قطفٌ تسقِي الحواقِنَ أحيانًا وتجترعُ
ولَّتْ حثاثًا توالِيها وأتْبَعَها منْ لابَةٍ أسفَعُ الخديْنِ مختضعُ
يسبقنَ بالقصدِ والإيغالِ كرتَهُ إذا تفرقْنَ عنهُ وهوَ مندفِعُ
ململمٌ كمدقِّ الهضبِ منصلتٌ ما إنْ يكادُ إذا ما لجَّ يرتجعُ
حتى انتهَى الصقرُ عن حمٍّ قوادِمُها تدنو من الأرضِ أحيانًا وما تقعُ
وظلَّ بالأكمِ ما يصري أرانِبَها منْ حدِّ أظفارِهِ الحجرانُ والقلَعُ
بلْ ما تذكرُ منْ هندٍ إذا احتجبتْ بابنِي عوارٍ وأمسَى دونها بلَعُ
وجاورَتْ عبشمياتٍ بمحنيةٍ ينأى بهنَّ أخُو داويةٍ مرعُ
قاصِي المحلِّ طباهُ عن عشيرتهِ جزءٌ وبينونةُ الجرداءِ أوْ كرَعُ
[ ٢٤٧ ]
بحيثُ تلحسُ عن زهرٍ ملمعةٍ عينٌ مراتِعُها الصحراءُ والجرعُ
وقال الراعي في بني عقدةَ وقد منعوه الرعي بأرضهم: الطويل
هممتَ الغداةَ همةً أنْ تُراجِعا صباكَ وقدْ أمْسَى بكَ الشيبُ شائعا
وشاقتكَ بالعبسينِ دارٌ تغيرتْ معارفُها إلاَّ البلادَ البلاقِعا
بميثاءَ سالتْ من عَسِيبٍ وخالطَتْ ببطنِ الركاءِ برقَةً وأجارِعا
كما لاحَ وشمٌ في يدَيْ حارثيَّةٍ بنجرانَ أدْمَتْ للنؤُورِ الأشاجعا
تبصرْ خليلِي هل ترى من ظعائنٍ تجاوزنَ ملحوبًا فقلنَ متالعا
جواعِلُ أرْمامًا يمينًا وصارَةً شمالًا وقطعنَ الوهاطَ الدوافِعا
دعاهُنَّ داعٍ للخريفِ ولمْ تكنْ لهنَّ بلادٌ فانتجعنَ روافِعا
تمهدنَ ديباجا وعالَينَ عقمةً وأنزلنَ رقمًا قد أجنَّ الأكارِعا
خدالَ الشوَى غيدَ السوالِفِ بالضُّحى عراضَ القطا لا يتخذنَ الرفائِعا
تضيقُ الخدورُ والجمالُ مناخةٌ بأعجازِها حتى يلحْنَ خواضِعا
فلمّا استقلَّتْ في الهوادِجِ أقبلَتْ بأعيُنِ آرامٍ كُسِينَ البراقِعا
كأنَّ دَوِيَّ الحلْي تحتَ ثيابها حصادُ السنا لاقَى الرياحَ الزعازِعا
جمانًا وياقوتًا كأنَّ فصوصهُ وقودُ الغضا سدَّ الجيوبَ الروادِعا
لهنَّ حديثُ فاترٌ يتركُ الفَتَى خفيفَ الحَشا مستهلِكَ القلبِ طامعا
وليسَ بأدْنَى منْ غمامٍ يضيئُهُ سنا البرقِ يجلو المشرفاتِ اللوامِعا
بناتُ نقًا ينظُرْنَ من كلِّ كورةٍ من الأرضِ محبوًا كريمًا وتابِعا
وليسَ من اللائِي يبيعُ مخارِقٌ بحجرٍ ولا اللائِي خضرنَ المدارِعا
وما زلْنَ إلاَّ أنْ يقلنَ مقيلَةً يسامِينَ أعداءً ويهدينَ تابِعا
فشردْنَ يربُوعًا وبكرَ بنَ وائلٍ وألحَقْنَ عبسًا بالملا ومجاشعا
ولوْ أنها أرضُ ابنُ كوزٍ تصيفتْ بفيحانَ ما أحمَى عليها المراتِعا
ولكنَّها لاقتْ رجالًا كأنَّهُمْ على قربِهِمْ لا يعلمونَ الجوامعا
ولاقينَ من أولادِ عقدَةَ عصبةً على الماءِ ينثونَ الذُّحُولَ الموانِعا
فقلنا لهمْ إنْ تمنعُونا بلادَكُمْ نجدُ مذهبًا في سائِرِ الأرضِ واسعا
ويمنعكمْ مستَنُّ كلِّ سحابةٍ مصابَ الربيعِ يتركُ الماءَ ناقِعا
وبردَ الندَى والجزءَ حتى يغيرَكُمْ خريفٌ إذا ما النسرُ أصبحَ واقِعا
وأما مصابُ الغادِياتِ فإنَّنا على الهولِ نرعاهُ ولوْ أنْ نقارِعا
نجيُّ نميرِيٍّ عليْه مهابةٌ جميعٌ إذا كانَ اللئامُ جنادِعا
هممتُ بهمْ لولاَ الجلالةُ والتُّقَى ولمْ ترَ مثلَ الحلمِ للجهلِ وازِعا
وكُنا أناسًا تعترينا حفيظةٌ فنحمِي إذا ما أصْبَحَ الثغرُ ضائِعا
وقال الراعي أيضًا: الطويل
أمِنْ آلِ وسْنَى آخِرَ الليْلِ زائرُ ووادِي الغويرِ دونَنا والسواجِرُ
تخطَّى إلينا رُكنَ هيفٍ وحافرًا طروقًا وأنَّى منكَ هيفٌ وحافرُ
وأبوابُ حوارِينَ يصرفْنَ دوننا صريفَ المحالِ أقلقتْهُ المحاورُ
فقلنَ لها فيئي فإنَّ صحابَتِي سلاحِي وفتلاءُ الذراعيْنِ ضامِرُ
وهمٌّ وعاهُ الصدرُ ثمَّ سَما بهِ أخُو سفرٍ والناعجاتُ الضوامرُ
ولنْ يدركَ الحاجاتِ حتى ينالها إلى ابْنِ أبي سفيانَ إلاَّ مخاطِرُ
فإنَّ لنا جارًا علقْنا حبالَهُ كغيثِ الحيا لا يجتويهِ المجاوِرُ
وأمًّا كفتنا الأمهاتِ حفيةً لها في ثناءِ الصدقِ جدٌّ وطائرُ
فما أمُّ عبدِ اللهِ إلاَّ عطيةٌ منَ اللهِ أعطاها امرءًا فهوَ شاكرُ
هي الشمسُ وافاها الهلالُ بنوهُما نجومٌ بآفاقِ السماءِ نظائرُ
تذكرُهُ المعروفَ وهيَ حييةٌ وذو اللبِّ أحيانًا معَ الحلمِ ذاكِرُ
كما استقبلتْ غيثاُ جنوبٌ ضعيفةٌ فأسبلَ ريانُ الغمامةِ ماطرُ
تصدَّى لوضاحِ الجبينِ كأنهُ سراجُ الدُّجَى تجبى إليه السوائرُ
[ ٢٤٨ ]
فقل ثناءً من أخٍ ذي مودةٍ غدا منجح الحاجات والوجهُ وافرُ
تخوضُ بهِ الظلماءَ ذاتَ مُخيلَةٍ جماليةٌ قدْ زالَ عنها المناظِرُ
ورُودٌ سبنتاةٌ تسامِي جديلَها بأسجحَ لمْ تخنسْ إليهِ المشافِرُ
وعينٍ كماءِ الوقبِ أشرَفَ فوقَها حجاجٌ كأرجاءِ الركيَّةِ غائرُ
من الغِيدِ دفْواءُ العظامِ كأنَّها عقابٌ بصحراءِ السمينةِ كاسِرُ
يحنُّ من المعزاءِ تحتَ أظلِّها حصًى أوقدتهُ بالحزومِ الهواجِرُ
كما نفخَتْ في ظلْمَةِ الليلِ قيْنَةٌ على فحمٍ شذانُهُ متطايرُ
فلمّا علتْ ذاتَ السلاسِلِ وانْتَحَتْ لها مصغِياتٌ للنجاءِ عواسِرُ
قوالِصُ أطْرافِ المسوحِ كأنَّها برجلةِ أحجاءٍ نعامٌ نوافرُ
سراعُ السُّرَى أمْسَتْ بسهبٍ وأصبحتْ بذي القورِ يغشيها المفازةَ عامرُ
أشمُّ طويلُ الساعديْنِ كأنَّهُ يحاذِرُ خوفًا عندهُ ويحاذِرُ
قليلُ الكرى يرمِي الفلاةَ بأرْكُبٍ إذا سالَمَ النومَ الضعافُ العواوِرُ
تبصرْ خليلِي هلْ ترى من ظعائنٍ بذي النيقِ إذْ زالتْ بهنَّ الأباعِرُ
دَعاها من الحبليْنِ حبْلَيْ ضئيدَةٍ خيامٌ بعكاشٍ لها ومحاضِرُ
تحملنَ حتى قلتُ لسنَ بوارِحًا بذاتِ العلنْدَى حيثُ نامَ المفاجرُ
وعاليْنَ رقمًا فارِسيًا كأنَّهُ دمٌ سائلٌ من مهجةِ الجوفِ ناحرُ
فلما تركنَ الدارَ قلتُ منيفَةٌ بقُرّانَ منها الباسقاتُ المواقِرُ
أوِ الأثلُ أثلُ المنحنَى فوقَ واسِطٍ منَ العرضِ أو دانٍ من الدومِ ناضرُ
فحثَّ بها الحادِي الجمالَ ومدَّها إلى الليلِ سرْبٌ مقبلُ الريحِ باكرُ
فلاَ غروَ إلاَّ قولهنَّ عشيةً مضى أهلنا فارفَعْ فإنا قواصرُ
فأفرَعْنَ في وادِي الأميرِ بعدما ضبا البيدَ سافِي القيظةِ المتناصِرُ
نواعِمُ أبكارٌ توارِي خدورَها نعاجُ الملا نامتْ لهنَّ الجآذِرُ
ونكبْنَ زورًا عن محياةَ بعدما بدا الأثْلُ أثْلُ الغينَةِ المتجاوِرُ
وقالَ زيادٌ إذْ توارتْ حملُهُمْ أرى الحيَّ قدْ ساروا فهل أنتَ سائرُ
إذا خبَّ رقراقٌ منَ الآلِ بيننا رفعنا قرونًا خطوُها متواترُ
مطيةَ مشعوفينِ أفنَى عريكَها رواحُ الهبلِّ حينَ تحمَى الظهائرُ
وقال الراعي يمدح سعيد بن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن العيص بن أمية: البسيط
إني حلفتُ يمنيًا غيرَ كاذبةٍ وقدْ حبا خلفَها ثهلانُ فالنيرُ
لولا سعيدٌ أرجِّي أنْ أُلاقيَهُ ما ضمَّها في سوادِ البصرةِ الدورُ
شجعاءُ معملةٌ تدمَى مناسِمُها كأنَّها حرجٌ بالقدِّ مأسُورُ
إلى الأكارِمِ أحْسابًا ومأثُرَةً تبرِي الإكامَ ويبرِي ظهرها الكورُ
الواهِبُ البختَ خضعًا في أزمتها والبيضَ فوقَ تراقيها الدنانيرُ
فكمْ تخطتْ إليكم منْ ذوِي ترةٍ كأنَّ أعينهمْ نحوي المساميرُ
ما يدرِي اللهُ عني منْ عداوتهِمْ فإنَّ شرهُمُ في الصدْرِ محذورُ
إن يعرفوني فمعروفٌ لذِي بصرٍ أو ينسبونِي فعالِي الذكْرِ مشهورُ
مرَّتْ على أمِّ أمْهارٍ مشمرَةً يهوِي بها طرُقٌ أوْساطُها زورُ
في لاحبٍ برقاقِ الأرضِ محتفلٍ هادٍ إذا عزهُ الأكمُ الحدابيرُ
يهدي الضلولَ وينقادُ الدليلُ بهِ كأنَّهُ مسحلٌ في النيرِ منشورُ
مصدرُهُ في فلاةٍ ثُمَّ موردُهُ جدٌّ تفارَطَهُ الأورادُ مجهورُ
يجاوبُ البومَ تهوادُ العزيفِ بهِ كما تحنُّ بغيبٍ جلةٌ خورُ
ما عرسَتْ ليلةً إلاَّ على وجلٍ حتى يلوحَ منَ الصبحِ التباشيرُ
أرْمِي بها كلَّ موماةٍ موديَةٍ جداءَ غشيانها بالقومِ تغريرُ
حتى أنيختْ على ما كانَ من وَجلٍ في دارِ حيثُ تلاقَى المجدُ والخيرُ
يا خيرَ مأتَى أخِي همٍّ وناقتِهِ إذا التقَى حقبٌ منها وتصديرُ
زورٌ مغبٌّ ومسؤولٌ أخو ثقةٍ وسائرٌ منْ ثناءِ الصدرِ منشورُ
[ ٢٤٩ ]
وقال الراعي يفتخر: الوافر
أبَتْ آياتُ حبى أن تبينا لنا خبرًا وأبكينَ الحزينا
وكيفَ سؤالنا عرصاتِ ربعٍ تركنَ بقفرةٍ حتى بلينا
وأحجارًا من الصوانِ سفعًا بهنَّ بقيةٌ مما صلينا
عرفناها منازِلَ آلِ حبَّى فلمْ نملكْ من الطرَبِ العُيُونا
تراوَحَها رواعدُ كلِّ هيجٍ وأرواحٌ أطلْنَ بها حنينا
بدارةِ مكمنٍ ساقتْ إليها رياحُ الصيفِ أرْآمًا وعينا
حفرنَ عروقَها حتى أجنتْ مقاتلها وأبديْنَ القرونا
كناسُ تنوفةٍ ظلَّتْ إليهِ هجانُ الوحْشِ حارِنَةً حرونا
يقلنَ بعاسمينَ فذاتِ رُمحٍ إذا حانَ المقيلُ ويرتعينا
كأنَّ بكلِّ رابيةٍ وهجلٍ منَ الكتانِ أبلاقًا بنينا
ونارِ وديقةٍ في يومِ هيجٍ من الشعرَى نصبتُ لهُ الجبينا
إذا معزاءُ رابيةٍ أرنتْ جنادبُها وكانَ الأدْمُ جونا
وعاريةِ المحابِسِ أم وحشٍ ترى عصبَ السمامِ بها عزينا
نصبتُ بها روائِي فوقَ شعثٍ بموماةٍ يظنونَ الظنونا
إلى أقْتادِ راحِلَتِي فظلَّتْ تنازِعُهُ الأعاصيرُ الوضِينا
ونحنُ لدى دفوفِ مغوراتٍ نقيسُ على الحصى نطفًا بقينا
قليلًا ثمَّ طرْنا فوقَ خوصٍ يلاعبنَ الأزِمةَ والبرينا
مضبرةٌ مرافقهنَّ فتلٌ نواعِبَ بالرؤوسِ إذا حدينا
إذا الحاجاتُ كنَّ وراءَ خمسٍ منَ الموماةِ كنَّ بها سفينا
وماءٍ تصبحُ الفضلاتُ منهُ كخمرِ براقَ قدْ فرط الأجونا
وردتُ مديهُ فطردتُ عنهُ سواكِنَ قدْ تمكنَّ الحضونا
بصفنةِ راكبٍ وموصلاتٍ جمعتُ الرثَّ منها والمتينا
ومصنعةٍ هنيدَ أعنتُ فيها على لذاتِها الثملَ المنينا
ونازَعَنِي بها ندمانُ صدقٍ شواءَ الطيرِ والعنبَ الحقينا
وطنبورٍ أجشَّ وريحِ ضغثٍ منَ الريحانِ يتبعُ الشؤونا
وعيشٍ صالِحٍ قدْ عشتُ فيه لوانَّ عمادَ ظلتهِ يقينا
وأظعانٍ طلبتُ بذاتِ لوثٍ يزيدُ رسيمها سرعًا ولينا
منَ العيديّ تحملني ورحلِي وتحملها ملاطِسُ ما يقينا
إذا خفقتْ مشافرُها وظلتْ بسيرتَها مصانعةً ذَقُونا
عقيلةُ أيْنُقٍ أغدُو عليها إذا حاجاتُ قومٍ يعترينا
ألا يا ليتَ راحلتِي بخبتٍ ميممةً أميرَ المؤمنينا
وإنْ دميتْ مناسمُها وألقتْ بموماةٍ على عجلٍ جنينا
تشقُّ الطيرُ ثوبَ الماءِ عنهُ بعيدَ حياتهِ إلاَّ الوتينا
وهزةِ نسوةٍ منْ حيٍّ صدقٍ يزججنَ الحواجِبَ والعيونا
طلبتُ وقدْ تواهقتِ المطايا بيعملةٍ تبذُّ السابقينا
وحثَّ الحادِيانِ بأمِّ لهوٍ ظعائنَ في الخليطِ الرافعينا
أنخنَ جمالهنَّ بذاتِ غسلٍ سراةَ اليومِ يمهدْنَ الكدونا
بروضٍ عازبٍ سرحنَ فيهِ سوامًا وانتظرنَ بهِ الظعونا
وما مالَ النهارُ وهنَّ فيها يخدَّرْنَ الدمقسَ ويحتوينا
فرحنَ عشيةً كبناتِ مخرٍ على الغبطاتِ يملأنَ العيونا
دعونَ قلوبنا بأثفياتٍ فألحقنا قلائصَ يغتلينا
بغيطلةٍ إذا التفتْ عليها نشدناها المواعِدَ والديونا
عطفنَ لها السوالِفَ من بعيدٍ فقلتُ عيونَ آرامٍ كسينا
أولئك نسوةٌ في إرثِ مجدٍ كرائمَ يصطفينَ ويصطفينا
مدلاتٌ يسرنَ بكلِّ ثغرٍ إذا أرقنَ من فزعٍ حمينا
لهنَّ فوارِسٌ ليسوا بميلٍ ولا كشفٍ إذا قلنًَ امنعونا
ظعائنُ منْ كرامِ بني نميرٍ خلطنَ بميسمٍ حسبًا ودينا
تفرعْنَ النصورَ وحيَّ معنٍ وسادَةَ عامرٍ حتى رضينا
وسبقٍ تعظمُ الأخطارُ فيهِ ويحسِرُ جريُهُ البَطَلَ البطينا
شهدناهُ بفتيانٍ كرامٍ فلمْ نبرحْ بهِ حتى عُلينا
تبادرنا إساءَتَهُ فجئنا من الأفلاجِ نلتهمُ المئينا
ومعتركٍ تشقُّ البيضَ فيهِ كشقِّ الجارزِ القمعَ السمينا
[ ٢٥٠ ]
لنا جببٌ وأرماحٌ طوالٌ بهنَّ نخاطِرُ الحربَ الشطونا
وأفراسٌ إذا نلقَى عدوًا بملحمةٍ عرفنَ إذا ربينا
وردنَ المجدَ قبلَ بني نزارٍ فما شربوا بهِ حتى رَوينا
وجدنا عامرًا أشرافَ قيسٍ فكنا الصلْبَ منها والوتِينا
ذؤابتُنا ذؤابتها وكانتْ فتاةَ لوائِها المتبوعِ فينا
ومنْ يفخرْ بمكرمةٍ فإنّا سبقناها لأيدِي العالِمينا
عصا كرمٍ ورثْناها أبانا ونورثُها إذا متنا بنينا
إذا وزِنَ الحصى فوزنتُ قومِي وجدتُ حصى ضرائبهمْ رزينا
ومن يحفرْ أراكتنا يجدْها أراكةَ هضبةٍ ثقبتْ شؤونا
ونحنُ الحابسونَ إذا عزمنا ونحنُ المقدمونَ إذا لقينا
ونحنُ المانعونَ إذا أردْنا ونحنُ النازلُونَ بحيثُ شئنا
إذا ندبتْ روايا الثقلِ يومًا كفينا المضلعاتِ لِمَن يلينا
إذا ما قيلَ من لحماةِ يومٍ فنحنُ بدعوةِ الداعِي عنينا
وتلقى جارَنا يثنِي علينا إذا ما حانَ يومًا أن يبينا
همُ فخروا بخيلهمِ فقلنا بغيرِ الخيلِ تغلبُ أوعدينا
لنا آثارهُنَّ على معدٍّ وخيرُ فوارسٍ لخيرِ فينا
وعلمْنا سياستهنَّ إنا ورثنا آلَ أعوجَ عن أبينا
مقربةً إذا خوتِ الثريا جعلنا رزقهنَّ مع البنينا
وكنَّ إذا أبرنَ ديارَ قومٍ عطفناها لقومٍ آخرينا
كأنَّ شوادِخَ الغراتِ منهمْ بوازي يصطفقنَ ويلتقينا
أصابتْ حربنا جشمَ بنَ بكرٍ فأصبحَ بيتُ عزهمُ عزينا
ألمْ نتركْ نساءَهُمُ جميعًا بأقبالِ الهضابِ مسندينا
بدأنا ثمَّ عدنا فاصطلمنا شراذِمَ منْ أنوفِكُمُ بقينا
قتلناكمْ ببلدَة كلِّ أرضٍ وكنا في الحروبِ مجربينا
بأسيافٍ لنا متوارِثاتٍ كشهبانٍ بأيْدِي مصلتينا
إذا خالطْنَ هامةَ تغلبيٍّ فقلنَ الرأسَ منهُ والجبينا
ألمْ نتركْ نساء بنِي زهيرٍ على القتلى يحلقنَ القرونا
تمنيتَ المنى فكذبتَ فيها ورويتَ الرماحَ وما روينا
وما تركتْ رماحُ بني سليمٍ لفحلٍ في حواصِنِهمْ جنينا
وإنَّ بناتَ حلابٍ وجدْنا فوارِسهنَّ في الهيجا قيُونا
وهم تركوا على أكنافِ لبنى نساءَهُمُ لنا لما لقونا
إذا ما حارَبَتْكَ بطونُ قيسٍ حسبتَ الناسَ حربًا أجمعينا
عليكَ البحرَ حيثُ نفيتَ إنّا منعناك السهولَةَ والحزُونا
وقال الراعي: الطويل
ألمْ تدرِ ما قالَ الظباءُ السوانحُ مرنَ أمامَ الركبِ والركْبِ رائحُ
فسبحَ من لمْ يزجرِ الطيرَ منهمُ وأيقنَ قلبي أنهنَّ نواجحُ
فأولُ منْ مرتْ بهِ الطيرُ نعمةٌ لنا ومبيتٌ عندَ لهوةَ صالحُ
سبتكَ بعينيْ جؤذَرٍ حفلتهما رعاثٌ وبراقٌ من اللونِ واضحُ
وأسودَ ميالٍ على جيدِ مغزلٍ دعاها طلى أحوَى برمانَ راشِحُ
عذابَ الكرى يشفي الصدَى بعدَ رقدَةٍ لهُ من عروقِ المستظلةِ مائحُ
غذاهُ وحولِيُّ الثرى فوقَ متنهِ مدبُّ الأتِيِّ والأراكُ الدوائحُ
فلما انجلى عنهُ السيولُ بدا لها سقيُّ خريفٍ شقَّ عنهُ الأباطحُ
إذا ذقتَ فاها قلتَ طعمُ مدامةٍ دنا الزقُّ حتى مجها وهو جانحُ
وفي العاجِ والحناءِ كفٌّ بنانُها كشحمِ النقا لمْ يعطها الزندَ قادِحُ
فكيفَ الصبا بعدَ المشيبِ وبعدما تمدحتَ واستعلى بمدحكَ مادحِ
وقد رابني أنَّ الغيورَ يودُّنِي وأنَّ ندامايَ الكهولُ الجحاجحُ
وصدَّ ذواتُ الضغنِ عني وقدْ أرَى كلامِي يهواهُ النساءُ الجوامحُ
وهزةَ أظعانٍ عليهنَّ بهجةٌ طلبتُ وريعانُ الصبا فيَّ جامحُ
بأسفلِ ذي بيضٍ كأنَّ حمولَها نخيلُ القرى والأثأبُ المتناوحُ
فعجن علينا من علاجيمَ جلةٍ لجاجتنا منها رتوكٌ وفاسحُ
يحدثننا بالمضمراتِ وفوقها ظلالُ الخدورِ والمطِيُّ جوانحُ
[ ٢٥١ ]
يعاليننا بالطرفِ دونَ حديثنا ويقضينَ حاجاتٍ وهنَّ موازحُ
وخالطنا منهنَّ ريحُ لطيمةٍ من المسكِ أدّاها إلى الحي رابحُ
صلينَ بها ذاتَ العشاءِ ورشَّها عليهنَّ في الكتانِ ريطٌ نصائحُ
فبتنا على الأنماطِ والبيضُ كالدمَى يضيءُ لنا لباتهنَّ المصابحُ
إذا فاطنتنا في الحديثِ تهزهزتْ إلينا قلوبٌ دونهنَّ الجوانحُ
وظلَّ الغيورُ آنفًا ببنانِهِ كما عضَّ برذونٌ على الفأسِ جامحُ
كئيبًا يردُّ اللهْفَتَيْنِ لأمِّهِ وقدْ مسهُ منّا ومنهُ نواطِحُ
فلما تفرقنا شجينَ بعبرةٍ وزودننا نصبًا وهنَّ صحائحُ
فرفعَ أصحابي المطيَّ وأبنُوا هنيدةَ فاشتاقَ العيونُ اللوامحُ
فويلُ أمها من خلةٍ لوْ تنكرَتْ لأعدائنا أو صالحتْ من نصالحُ
وصبهاءَ من حانوتِ رمانَ قدْ غدا عليَّ ولمْ ينظرْ بها الشرقَ صابحُ
فساقيتُها سمحًا كأنَّ نديمهُ أخا الدهرِ إذْ بعضُ المساقينَ فاضحُ
فقصرَ عني اليومَ كأسٌ رويةٌ ورخصُ الشواءِ والقيانُ الصوادِحُ
إذا نحنُ أنزفنا الخوابيَ علنا مع الليلِ ملثومٌ بهِ القارُ ناتحُ
لدنْ غدوةً حتى نروحَ عشيةً نحيا وأيدينا بأيدٍ نصافحُ
إذا ما برزنا للفضاءِ تقحمتْ بأقدامنا منا المتانُ الصرادِحُ
وداويةٍ غبراءَ أكثرُ أهلها عريفٌ وهامٌ آخرَ الصبحِ ضابحُ
أقرَّ بها جأشي بأوَّلِ آيةٍ وماضٍ حسامٌ غمدُهُ متطايحُ
يمانٍ كلونِ الملحِ يرعدُ متنهُ إذا هزَّ مطبوعٌ على السَّمِّ جارحُ
يزيلُ بناتِ الهامِ عنْ سكناتها وما يلقَهُ من ساعدٍ فهو طائحُ
كأنَّ بقايا الأُثْرِ فوقَ عمودِهِ مدَبُّ الدبا فوقَ النقا وهو سارحُ
وطخياءَ منْ ليلِ التمامِ مريضةٍ أجنَّ العماءُ نجمها فهو ماصحُ
تسفتها لما تلاومَ صحبتي بمشتبهِ الموماةِ والماءُ نازحُ
وعدٍّ خلا فاخضرَّ واصفرَّ ماؤُهُ لكدرِ القطا وردٌ بهِ متطاوِحُ
نشحتُ بها عنسًا تجافى أظلُّها عنِ الأُكْمِ إلاَّ ما وقتْهُ السرائحُ
فسافَتْ جبًا فيه ذنوبٌ هراقهُ على قلصٍ من ضربِ أرْحَبَ ناشِحُ
تريكٍ ينشُّ الماءُ في حجراتهِ كما نشَّ جزرٌ خضخضتهُ المجادحُ
وقال الراعيُّ يمدح عبد الله بن يزيد بن معاوية: البسيط
طافَ الخيالُ بأصحابي وقدْ هجدوا من أمِّ علوانَ لا نحوٌ ولا صَدَدُ
فأرقتْ فتيةً باتوا على عجلٍ وأعينًا مسها الإدلاجُ والسهدُ
هل تبلغني عبد اللهِ دوسرةٌ وجناءُ فيها عتيقُ النيِّ ملتبدُ
عنسٌ مذكرةٌ قد شقَّ بازلُها لأيًا تلاقى على حيزومها العقدُ
كأنَّها يومَ خمسِ القومِ عنْ جلبٍ ونحنُ والآلُ بالموماةِ نطردُ
قرمٌ تعاداهُ عادٍ عنْ طروقتهِ منَ الهجانِ على خرطومِهِ الزبدُ
أو ناشطٌ أسفَعُ الخديْنِ الجأهُ نفحُ الشمالِ فأمسَى دونهُ العقدُ
باتَ إلى دفءِ أرْطاةٍ أضَرَّ بها حرُّ النقا وزهاها منبتٌ جردُ
ما زالَ يركَبُ روقيْهِ وجبهتهُ حتى استباثَ سفاةً دونها الثأدُ
حتى إذا نطق العصفورُ وانكشفتْ عمايةُ الليلِ عنهُ وهو معتمدُ
غدا ومنْ عالجٍ خدٌّ يعارضهُ عن الشمالِ وعنْ شرقيهِ كبدُ
يعلو عهادًا من الوسمِي زينهُ ألوانُ ذي صبحٍ مكاءهُ غردُ
بكلِّ ميثاءَ ممراحٍ بمنبتِها من الذراعيْنِ رجافٌ لهُ نضدُ
ظلتْ تصفِّقُهُ ريحٌ تدرُّ لها ذاتُ العثانينِ لا راحٌ ولا بردُ
أصبحَ يجتابُ أعرافَ الضبابِ بهِ مجتازَ أرضٍ لأخرَى فارِدٌ وحدُ
يهوي كضوءِ شهابٍ خبَّ قابسُهُ ليلًا يبادِرُ منهُ جذوةً تقدُ
حتى إذا هبطَ الأحزانَ وانقطعتْ عنهُ سلاسلُ رملٍ بينها عقدُ
صادفَ أطلَسَ مشاءً بأكلبِهِ إثرَ الأوابدِ ما ينمِي لهُ سبدُ
أشلى سلُوقيةً ظلتْ وباتَ بها بوحشِ إصمتَ في أصلابِها أودُ
[ ٢٥٢ ]
يدبُّ مستخفيًا يغشَى الضراءَ بِها حتى استقامتْ وأعراها لهُ الجرَدُ
فجالَ إذْ رعنهُ ينأى بجانبهِ وفي سوالِفها من مثلِهِ قددُ
ثمَّ ارفأنَّ حفاظًا بعدَ نفرتهِ فكرَّ مستكبرٌ ذو حربةٍ حردُ
فذادَها وهيَ محمرٌّ نواجذُها كما يذودُ أخو العميةِ النجدُ
حتى إذا عردَتْ عنهُ سوابقُها وعانقَ الموتَ منها سبعةٌ عددُ
منها صريعٌ وضاغٍ فوقَ حربتهِ كما ضغا تحتَ حدِّ العامِلِ الصردُ
ولَّى يشقُّ جمادَ الفردِ مطلعًا بذي النعاجِ وأعلى روقهِ جسدُ
حتى أجنَّ سوادُ الليلِ نقبَتَهُ حيثُ التقى السهلُ من فيحانَ والجلدُ
راحتْ كما راحَ أو تغدُو كغدوتهِ عنسٌ تجودُ عليها راكبٌ أفدُ
تنتابُ آلَ أبي سفيانَ واثقةً بفضلِ أبلَجَ منجازٍ لما يعدُ
مسألٌ يبتغي الأقوامُ نائلَهُ منْ كلِّ قومٍ قطينٌ حولَهُ وفدُ
جاءَتْ لعادةِ فضلٍ كانَ عوَّدَها منْ في يديهِ بإذْنِ اللهِ منتقدُ
وقال يمدح سعيد بن عبد الرحمن بن عتاب: الكامل
طالَ العشاءُ ونحنُ بالهضبِ وأرقتُ ليلةَ عادَنِي خطبي
حملتهُ وقتودَ ميسٍ فاترٍ سرحِ اليدينِ وشيكةِ الوثبِ
لمْ يبقِ نصِّي منْ عريكتها شرفًا يجنُّ سناسِنَ الصلبِ
ومعاشرٍ ودُّوا لوَ أنَّ دمي يسقونهُ من غيرِ ما سغبِ
ألصقتُ صحبي من هواكِ بهمْ وقوبلنا تنزو من الرهبِ
متختمينَ على معارِفنا نثنِي لهنَّ حواشِيَ العصبِ
وعلى الشمائلِ أنْ يهاجَ بنا جربانُ كلِّ مهندٍ عضبِ
وترى المخافةَ من مساكنِهِمْ بجنوبِنا كجوانِبِ النكبِ
ولقدْ مطوتُ إليكَ من بلَدٍ نائِي المحلِّ بأيْنُقٍ حدْبِ
متواتِراتٍ بالأكامِ إذا جلفَ العزازَ جوالبُ النكبِ
وكأنَّهُنَّ قطًا يصفقُهُ خرقُ الرياحِ بنفنفٍ رحبِ
قطريةٌ وخلالَها مهريةٌ منْ عندِ ذاتِ سوالِفٍ غُلْبِ
خوصٌ نواهِزُ بالسُّدوسِ إذا ضمَّ الحداةَ جوانِبُ الركبِ
حتى أنخنَ إلى ابنِ أكرمهمْ حسبًا وهنَّ كمنجزِ النحبِ
فوضعنَ أزفَلَةً وردنَ بها بحرًا خسيفًا طيبَ الشربِ
وإذا تغولَتِ البلادُ بنا منيتهُ وفعالهَ صحبِي
أسعيدُ إنكَ في قريشٍ كلها شرفُ السنامِ وموضعُ القلبِ
وقال الراعي أيضًا: الطويل
تبصرْ خليلِي هلْ ترى من ظعائِنٍ تحملنَ من وادِي العناقِ وثهمدِ
تحملنَ حتى قلتُ لسنَ بوارحًا ولا تاركاتِ الدارَ حتى ضُحى الغدِ
يطفنَ ضحيًا والجمالُ مناخةٌ بكلِّ منيفٍ كالحصانِ المقيدِ
تخيرنَ من أثلِ الوريعةِ وانتحَى لها القينُ يعقوبٌ بفأسٍ ومبردِ
لهُ زئبرٌ جوفٌ كأنَّ خدودها خدودُ جيادٍ أشرفَتْ فوقَ مربدِ
كأنَّ مناطَ الودعِ حيثُ عقدنَهُ لبانُ دخيلِيٍّ أسيلِ المقلدِ
أطفنَ بهِ حتى استوى وكأنَّها هجائِنُ أدمٌ حولَ أعيسَ ملبدِ
فلما تركنَ الدارَ رُحنَ بيانِعٍ من النخلِ لا جحنٍ ولا متبددِ
فقلتُ لأصحابِي همُ الحيُّ فالحقوا بحوراءَ في أترابِها بنتُ معبدِ
فما ألحقتنا العيسُ حتى وجدتنِي أسفتُ على حادِيهمُ المتجردِ
وقد أرختِ الضبعينِ حرفٌ شملَّةٌ بسيرٍ كفانا منْ برِيدٍ مخودِ
فلما تداركنا نبذنا تحيةً ودافعَ أدنانا العوارِضَ باليدِ
صددنا صدودًا غيرَ هجرانِ بغضةٍ وأذنينَ أبرادًا على كلِّ مجسدِ
ينازعننا رخصَ البنانِ كأنَّما ينازعننا هدابَ ريطٍ معضدِ
وأقصَدَ منا كلَّ منْ كان صاحيًا صحيحَ الفؤادِ واشتفى كلُّ مقصدِ
فلمّا قضينا ملْ أحادِيثِ سلوةً وخفنا عيونَ الكاشِح المتفقدِ
رفعنا الجمالَ ثمَّ قلنا لقينةٍ صدوحِ الغناءِ من قطِينٍ مولدِ
لكِ الويلُ غنينا بهندٍ قصيدةً وقولِي لمنْ لا يبتغي اللهوَ يبعدِ
[ ٢٥٣ ]
وقال الراعي في ابن عم له اسمه معية، ويصف فيها الإبلَ: الكامل
صدقتْ معيةَ نفسهُ فترحلا ورأى اليقينَ ولمْ يجدْ متعللا
وقضى لبانتهُ معيةُ منكمُ ورأى عزيمةَ أمرِهِ أن يفعلا
ورأى أبا حسانَ دونَ عطائِهِ فتبينتهُ العينُ أسمرَ مقفلا
فشرى حريبتهُ بكلِّ طوالةٍ دهماءَ سابغةٍ توفي المكيلا
وغدا من الأرضِ التي لم يرضها واختارَ ورثانًا عليها منزلا
فطوى الجبالَ على رحالةِ بازِلٍ لا يشتكي أبدًا بخفٍّ جندلا
تغتالُ كلَّ تنوفةٍ عرضتْ لها بتقاذفٍ يدعُ الجديلَ موصلا
بجنوبِ لينةَ ما تزالُ براكبٍ تذرِي مناسِمُها بهنَّ الحنظلا
تدعُ الفراخَ الزُّغبَ في آثارِها منْ بينِ مكسورِ الجناحِ وأقزلا
نحّ الحناجرِ ما يكادُ يقيمُها تدعُ القعودَ من التصرفِ أجزلا
آلى إذا بلغتْ مدافِعَ تلعَةٍ وعلا ليبلغها المكانَ الأطولا
وكأنهُنَّ أشاءُ يثربَ حولها جرفٌ أضرَّ بهنَّ نهيٌ بهلا
وكأنَّ جزيةَ تاجرٍ وهبتْ لهُ يومًا إذا استقبلنَ غيثًا مبقلا
وترى أوابيها بكلِّ قرارةٍ يكرفنَ شقشقَةً ونابًا أعصلا
وإذا سمعنَ هديرَ أكلفَ محنقٍ عدلتْ سوالفُها إذا ما جلجلا
فالعبدُ قدْ أعنتنَ أسفلَ ساقهِ وعدلْنَ ركبتهُ سواها معدلا
فتركنهُ حلقَ الأدِيمِ مكسرًا كالمسحِ ألقيَ ما يحركُ مفصلا
دسمَ الثيابِ كأنَّ فروةَ رأسهِ زرعتْ فأنبتَ جانباها الفلفلا
لا يسمعُ الحبشيُّ وسطَ عراكِها صوتًا إذا ما العبد أورد منهلا
إلا تجاوبهنَّ حولَ سوادِهِ بحناجرٍ نحٍّ وشدقٍ أهدلا
ولقدْ تَرى الحبشيَّ وهو يصكُّها أشرًا إذا ما نالَ يومًا مأكلا
يرمدُّ منْ حذرِ الخلاطِ كما ازدهتْ ريحٌ يمانيةٌ ظليمًا مجفلا
لا خيرَ في طولِ الإقامةِ للفتى إلاَّ إذا ما لمْ يجدْ متحولا