وقال القتال واسمه عبد الله بن مجيب الكلابي وهو من اللصوص وكان قد حبس في أيام مروان بن الحكم حبسه بعض ولاة المدينة فيما كان اتهم به من أمر ابن هبار وخشي القتال أن يقاد فقتل صاحب السجن وخرج وقال:
نظرتُ وقد جلى الدجى طاسمُ الصوى بسلعٍ وقرنُ الشمسِ لم يترجلِ
إلى ظعنٍ بينَ الرسيسِ فعاقل عوامدَ للشيقينِ أو بطنِ خنثلِ
ألا حبذا تلك الديارُ وأهلها لو أنَّ عذابي بالمدينةِ ينجلي
برزتُ بها من سجنِ مروانَ غدوةً فآنستها بالأيمِ لما تحملِ
وآنستُ حيا بالمطالي وجاملًا أبابيلَ هطلى بين راعٍ ومهملِ
ومردٍ على جردٍ يسارٍ لمجلسٍ كرامٍ بأيديهم موارنُ دبلِ
بكيتُ بخلصى شنةٍ شدَّ فوقها على عجلٍ مستخلفٍ لم تبللِ
على شارفٍ تعدو إذا مالَ ضفرها عسيرِ القيا صعبةٍ لم تذللِ
جديدٍ كلاها منهجٍ حجراتها فللماءِ سحٌّ من طبابٍ مشلشلِ
أقولُ لأصحابي الحديدِ تروحوا إلى نارِ ليلى بالعقوبينِ نصطلي
يضيءُ سناها وجهَ ليلى كأنما يضيءُ سناها وجهُ أدماءَ مغزلِ
غلا عظمها واستعجلت عن لدانها وشبت شبابًا وهي لما تربلِ
بدت بينَ أستارٍ عشاءً يلفها تنازعُ أرواحٍ جنوبٍ وشمألِ
يكادُ بأثقابِ اليلنجوج جمرها يضيءُ إذا ما سترها لم يجللِ
ومن دونِ حوثُ استوقدت هضبُ شابةٍ وهضبُ تعارٍ كلُّ عنقاءَ عيطلِ
يغني الحمامُ الورقُ في قذفاتهِ ويحرزُ فيها بيضهُ كلُّ أجدلِ
ولما رأيتُ البابَ قد حيلَ دونهُ وخفتُ لحاقًا من كتابٍ مؤجلِ
رددتُ على المكروهِ نفسًا شريسةً إذا وطنت لم تستقد للتذللِ
إذا قلتُ رفهني من السجنِ ساعةً تدارك بها نعمى عليَّ وأفضلِ
يشدُّ وثاقي عابسًا ويتلني إلى حلقاتٍ في عمودٍ مرملِ
أقولُ لهُ والسيفُ يعصبُ رأسهُ أنا ابنُ أبي أسماءَ غيرُ التنحلِ
عرفتُ ندايَ من نداهُ وجرأتي وريحًا تغشاني إذا اشتدَّ مسحلي
وقال القتال أيضًا:
صرمت شميلةُ وجهةً فتجلدِ من ذا يقولُ لها علينا تقصدِ
أشميلَ ما أدراكِ إن عاصيتني إنَّ الرشادَ يكونُ خلفكِ من غدِ
يا ظبيةً عطفت لآدمَ شادنٍ هلا أويتِ لقلبِ شيخٍ مقصدِ
فإذا أرادَ الوصلَ لا تصلينهُ ووصلتِ أصحابَ الشبابِ الأغيدِ
وتطربت حاجاتُ ذبٍّ فاضلٍ أهواءَ حبٍّ في أناسِ مصعدِ
حضروا ظلالَ الأثلِ فوقَ صعائدٍ ورموا فراخَ حمامهِ المتغردِ
وشميلَ ما يدريكِ أن ربَ ماجنٍ طامٍ عيالمهُ مخوفِ المرصدِ
جاهرتهُ بزمامِ ذاتِ برايةٍ وحدي سوى أجدٍ وسيفٍ مفردِ
ومشيتُ في أعطافهِ متدنيًا وأحطتُ أقفرُ من حيالِ الموردِ
وقفرتُ أنظرُ هل لنا بأنيسهِ عهدٌ صفائحَ في إزارٍ ملبدِ
ثم التفعتُ بصدرِ هوجاءِ السرى في لاحبٍ أقصُ النعافَ معبدِ
تعلو النجادَ بمضرحي لم يذق لبأَ الإماءِ غداةَ غبِّ المولدِ
أدنو إلى المعروفِ ما استدنيتني فإذا أقادُ معاسرًا لم أنقدِ
[ ١١٤ ]
وشميلَ لا تسلنني بكِ واسألي أصحابَ رحلي بالفلاةِ الصيهدِ
والخيلُ إذ جاءت بريعانٍ لها حزقًا توقصُ بالقنا المتقصدِ
والقومَ إذ درهوا بأبلجَ مصعبٍ حنقٍ يجورُ على السبيلِ ويهتدي
أني أكونُ لهُ شجًا بمناقلٍ ثبتِ الجنانِ ويعتلي بالقرودِ
حتى تلينَ قناتهُ وقناتنا عندَ الحفاظِ صليبةٌ لم تنأدِ
وإذا القرومُ سمت لنا أعناقها نحنو إليها بالهجانِ المزبدِ
وإذا تروفدتِ الخطوبُ وجدتني وأبا أبي وأبي عظيمي المرفدِ
فأبي الذي حبسَ الضبابَ وقد غدت عصبًا تجهزُ للنجاءِ الأجردِ
وتطايرت عبسٌ فأصبحَ منهمُ وادي الدواهن خاليًا لم يوردِ
وأتى عكاظَ فقالَ أني مانعٌ يا ابنَ الوحيدِ عكاظَ فاذهب فاقعدِ
عقرَ النجائبَ والخيولَ فأصبحت عقرى تعطبُ كلها عطبٌ ردي
يومَ الخيالِ فلم تخايل جعفرٌ إلاَّ بجهدِ نجائهم حتى الغدِ
فإذا تهددُ من دخيلِ أباءةٍ تمشي الهوينا في ظلالِ الغرقدِ
ضارِ بهِ علقُ الدماءِ كأنهُ رئبالُ ملكٍ في قباءٍ مجسدِ
فإذا خفضتُ خفضتُ تحتَ ضبارمٍ أحمت وقائعهُ سلوكَ الفدفدِ
وإذا رفعتُ رفعتُ لستُ بآمنٍ من خبطةٍ بالنابِ يفسدُ واليدِ
وقال القتال أيضًا:
لطيبةَ ربعٌ بالكليبينِ دارسُ فبرقُ نعاجٍ غيرتهُ الروامسُ
وقفتُ بهِ حتى تعالت لي الضحى أسيًا وحتى ملَّ فتلٌ عرامسُ
وما إن تبينُ الدارُ شيئًا لسائلٍ ولا أنا حتى جنني الليلُ آيسُ
على آلةٍ ما ينبري لي مساعدٌ فيسعدني إلاَّ البلادُ الأمالسُ
تجوبُ على ورقٍ لهنَّ حمامةٌ ومنثلمٌ تجري عليهِ الأداهسُ
وسفعٍ كذودِ الهاجريِّ بجعجعٍ تحفرُ في أعقارهنَّ الهجارسُ
مواثلُ ما دامتِ خزازٌ مكانها بجبانةٍ كانت إليها المجالسُ
تمشي بها ربدُ النعامِ كأنها رجالُ القرى تجري عليها الطيالسُ
وما مغزلٌ من وحشِ عرنانَ أتلعت بسنتها أخلت عليها الأواعسُ
تصدى لملطومِ الألدينِ ضاعها لهُ أتحمياتٌ وأنفٌ خنابسُ
إذا واجهتهُ الشمسُ صدَّ بوجهه سوى خدها إذ أشرقت وهو ناعسُ
بذي جدتينِ جدةٍ حبشيةٍ ومغربةٍ تجري عليها القراطسُ
ترعى الفضاءَ كلَّ مجرى سحابةٍ وفي النفسِ منهُ رأفةٌ وهواجسُ
إذا اعتزلتهُ لا يزالُ بعينها حذارًا عليهِ شخصُ رامٍ يخالسُ
تذكرني شبهًا لطبيةَ إذ بدت لنا وصوارُ الوحشَ في الظلِ كانسُ
ترددُ أمثالَ الأساودِ أرسلت بمتني خذولٍ يغتديها أشامسُ
كأنَّ سحيقَ المسكِ من صنِّ فارةٍ يشابُ بها غادٍ من الثلج قارسُ
تصبُّ عليهِ قرقفٌ بابليةٌ بأنيابها والليلُ بالطلِّ لابسُ
فصدت حياءً والمودةُ بيننا وأبيضُ بلٌّ بالظعائنِ حابسُ
فإما تريني قد تجللَ لمتي رداعُ الشبابِ فاسألي ما أمارسُ
بأني أعني بالمصاعبِ حقبةً من الدهرِ حتى هنَّ حدبٌ حرامسُ
إذا مصعبٌ قضيتُ يومًا قضاءهُ فأني لقرمٍ مصعبٍ متشاوشُ
فأذهبتهم شتى فلاقوا بليةً من الشرِّ لا يحظى بها من أقايسُ
وقال أيضًا يمدح عبد الله بن حنظلة الكلابي:
ظعنت قطاةُ فما تقولكَ صانعًا وقعدتَ تشكو في الفؤادِ صوادعا
وكأنها إذ قربت أجمالها أدماءُ لم ترشح غزالًا خاضعا
بغمت فلم يصحب لها فاستقبلت من عاقلٍ شعبًا يسلنَ دوافعا
ظلت تعجبُ من سوالفِ عوهجٍ أدماءَ تلتقطُ البريرَ اليانعا
دع ذا ولكن حاجتي من جعفرٍ رجلٌ تطلعَ للأمورِ مطالعا
يهنا ابنُ حنظلةَ الثناءَ يتمهُ قدمًا ويبنيهِ بناءً رافعا
وإذا الرفاقُ مع الرفاقِ أهمها عجرُ المتاعِ أتت فناءً واسعا
بحرًا تنازعهُ البحورُ تمدهُ إنَّ البحورَ ترى لهنَّ شرايعا
ويبيتُ يستحيي الأمورَ وبطنهُ طيانُ طيَّ البردِ يحسبُ جائعا
[ ١١٥ ]
من غيرِ لا عدمٍ ولكن شيمةٌ إن الكرامَ همُ الكرامُ طبائعا
ربَ أمرِ قومِ قد حفظتَ عليهمُ لولا الإلهُ وأنتَ أصبحَ ضائعا
تبعوكَ إذ ضاقَ السبيلُ عليهمُ وأبى بلاؤكَ أن تكونَ التابعا
وتبيتُ ناركَ باليفاعِ كأنها شاةُ الصوارِ علا مكانًا يافعا
غرضًا لكلِّ مدفعٍ يرمى بهِ رمي السهامِ ترى لهنَّ مواقعا
وورثتَ ستةَ أفحلٍ مسعاتهم مجدُ الحياةِ وكنتَ أنتَ السابعا
وإذا تنازعُ قرمَ قومٍ سوقةٍ في المجدِ سمحَ كارهًا أو طائعا
ما ضاعَ مجدُ أبٍ ورثتَ تراثهُ إذ كانَ مجدُ أبٍ لآخرَ ضائعا
سبقَ ابنُ حنظلةَ السعاةُ بسعيهِ للغايةِ القصوى سريعًا وادعا
عضت بعبد الله إذ عضت بهِ عضت بعبدِ الله سيفًا قاطعا
تبدي الأمورُ لهُ إذا ما أقبلت ما كنَّ في أدبارهنَّ صوانعا