وقال عبيد بن عبد العزَّى السلاميّ، أحد بني سلامان بن مفرج، وهو ابن عم الشَّنفرى:
ألا هلْ فؤادي إذْ صبا اليومَ نازِعُ وهل عيشُنا الماضي الذي زالَ رائِعُ
وهلْ مثلُ أيامٍ تسلَّفنَ بالحِمى عوائدُ أو عيشُ السِّتارينِ راجِعُ
كأنْ لمْ تجاورْنا رميمُ ولمْ نقمْ بفيضِ الحِمى إذْ أنتَ بالعيشِ قانِعُ
وبدِّلتْ بعدَ القربِ سخطًا وأصبحتْ مضابعةً واستشرفتكَ الأضابِعُ
وكلُّ قرينٍ ذي قرينٍ يودُّهُ سيفجعهُ يومًا منَ البينِ فاجِعُ
لعمري لقدْ هاجتْ لكَ الشَّوقَ عرصةٌ بمرّانَ تعفوها الرِّياحُ الزَّعازِعُ
بها رسمَ أطلالٍ وخيمٌ خواشعٌ على آلهنَّ الهاتفاتُ السَّواجِعُ
[ ٣٨١ ]
فظلتُ ولمْ تعلمْ رميمُ كأنَّني مهمٌّ ألَّثتهُ الدُّيونُ الخوالِعُ
تذكَّرَ أيَّامَ الشَّبابِ الذي مضى ولمَّا ترعْنا بالفراقِ الرَّوائِعُ
بأهلي خليلٌ إنْ تحمَّلتُ نحوهُ عصاني وإنْ هاجرتهُ فهو جازِعُ
وكيفَ التَّعزِّي عنْ رميمَ وحبّها على النَّأي والهجران في القلبِ ناقِعُ
طويتُ عليهِ فهوَ في القلبِ شامةٌ شريكُ المنايا ضمِّنتهُ الأضالِعُ
وبيضٍ تهادَى في الرِّياطِ كأنَّها نِهَيْ لسلسٍ طابتْ لهنَّ المراتِعُ
تخيَّرنَ منَّا موعدًا بعدَ رقبةٍ بأعفرَ تعلوهُ السُّروجُ الدَّوافِعُ
فجئنَ هدوًّا والثِّيابُ كأنَّها منَ الطَّلِّ بلَّتها الرِّهامُ النَّواشِعُ
جرى بينَنا منهمْ رسيسٌ يزيدُنا سقامًا إذا ما استيقنتهُ المسامِعُ
قليلًا وكانَ اللَّيلُ في ذاكَ ساعةً فقمنَ ومعروفٌ منَ الصُّبحِ صادِعُ
وأدبرنَ من وجهٍ بمثلِ الذي بنا فسالتْ على آثارهنَّ المدامِعُ
يزجِّينَ بكرًا ينهزُ الرَّيطُ مشيَها كما مارَ ثعبانُ الفضا المتدافِعُ
تبادرُ عينيْها بحكلٍ كأنَّهُ جمانٌ هوَى مِن سلكهِ متتايِعُ
وقمنا إلى خوصٍ كأنَّ عيونَها قلاتٌ تراخَى ماؤها فهوَ واضِعُ
فولَّتْ بنا تغشى الخبارَ ملحَّةً معًا حُولها واللاقحاتُ الملامِعُ
وإنِّي لصرَّامٌ ولمْ يخلقِ الهوى جميلٌ فِراقي حينَ تبدو الشَّرائِعُ
وإنِّي لأسْتبقي إذا العسرُ مسَّني بشاشةَ نفسي حينَ تُبلى المنافِعُ
وأعفي عنْ قومي ولو شئتُ نوَّلوا إذا ما تشكَّى الملحفُ المتضارِعُ
مخافةَ أنْ أُقلى إذا شئتُ سائلًا وترجِعني نحوَ الرِّجالِ المطامِعُ
فأسمعَ منَّا أوْ أُشرِّفُ منعمًا وكلُّ مُصادي نعمةٍ متواضِعُ
وأُعرضُ عنْ أشياءَ لوْ شئتُ نلتُها حياءً إذا ما كانَ فيها مقاذِعُ
ولا أدفعُ ابنَ العمِّ يمشي على شفًا ولوْ بلغتْني من أذاهُ الجنادِعُ
ولكنْ أُواسيهِ وأنسى ذنوبهُ لترجعهُ يومًا إليَّ الرَّواجِعُ
وأُفرشهُ مالي وأحفظُ غيبهُ ليسمعَ إنِّي لا أُجازيهِ سامِعُ
وحسبكَ منْ جهلٍ وسوءِ صنيعةٍ معاداةُ ذي القربى وإنْ قيلَ قاطِعُ
فأسلمْ عِناك الأهلَ تسلمْ صدورهمْ ولا بدَّ يومًا أنْ يروعكَ رائِعُ
فتبلوهُ ما سلَّفتَ حتَّى يردُّهُ إليكَ الجوازي وافرًا والصَّنائِعُ
فإنْ تبلِ عفوًا يعفُ عنكَ وإنْ تكنْ تقارعُ بالأُخرى تُصبكَ القوارِعُ
ولا تبتدعْ حربًا تطيقُ اجتنابها فيلحمكَ النَّاسَ الحروبَ البدائِعُ
لعمري لنعمَ الحيُّ إنْ كنتَ مادحًا همُ الأزدُ إنَّ القولَ بالصِّدقِ شائِعُ
كرامٌ مساعيهمْ جسامٌ سماعهمْ إذا ألغتِ النَّاسَ الأمورُ الشَّرائِعُ
لنا الغرفُ العليا منَ المجدِ والعُلى ظفرنا بها والنَّاسُ بعدُ توابِعُ
لنا جبَلا عزٍّ قديمٌ بناهُما تليعانِ لا يألوهما منْ يتالِعُ
فكمْ وافدٍ منَّا شريفٌ مقامهُ وكمْ حافظٍ للقرنِ والقرنُ وادِعُ
ومِن مطعمٍ يومَ الصَّبا غيرَ حامدٍ إذا شصَّ عنْ أبنائهنَّ المراضِعُ
يشرِّفُ أقوامًا سِوانا ثيابُنا وتبقى لهمْ أنْ يلبسوها سمائِعُ
إذا نحنُ ذارعْنا إلى المجدِ والعُلى قبيلًا فما يستطيعُنا مَن يذارِعُ
ومنَّا بنو ماءِ السَّماءِ ومنذرٌ وجفنةُ منَّا والقرومُ النَّزائِعُ
قبائلُ منْ غسَّانَ تسمو بعامرٍ إذا انتسبتْ والأزدُ بعدُ الجوامِعُ
أدانَ لنا النُّعمانُ قيسًا وخندفًا أدانَ ولمْ يمنعْ ربيعةَ مانِعُ
وقال عبيد أيضًا:
أرسمَ ديارٍ بالسِّتارينِ تعرفُ عفتْها شمالٌ ذاتُ نيرينِ حرجفُ
مبكِّرةٌ للدَّارِ أيما ثمامُها فينقى وأيما عنْ حصاها فتقرفُ
حرونٌ على الأطلالِ من كلِّ صيفةٍ وفقّا عليها ذو عثانينَ أكلفُ
[ ٣٨٢ ]
إذا حنَّ سلاّفُ الرَّبيعِ أمامَها وراحتْ رواياهُ على الأرضِ ترجفُ
فلمْ تدعِ الأرواحُ والماءُ والبِلى منَ الدَّارِ إلاَّ ما يشوقُ ويشعفُ
رسومًا كآياتِ الكتابِ مبينةً بها للحزينِ الصَّبِّ مبكًى وموقفُ
وقفتُ بها والدَّمعُ يجري حبابهُ على النَّحرِ حتَّى كادتِ الشَّمسُ تكسفُ
تذكَّرتُ أيَّامًا تسلَّفتُ لينَها على لذَّةٍ لو يُرجعُ المتسلَّفُ
كأنَّكَ لمْ تعهدْ بها الحيَّ جيرةً جميع الهوى في عيشهِ ما تصرَّفُ
إذِ النَّاسُ ناسٌ والبلادُ بغرةٍ وأنتَ بها صبُّ القرينةِ مولفُ
وقدْ كانَ في الهجرانِ لو كنتَ ناسيًا رميمَ وهلْ يَنسى ربيعٌ وصيِّفُ
ولمْ تُنسني الأيَّامُ والبغي بينَنا رميمُ ولا قذفُ النَّوى حينَ تقذفُ
ولمْ يحلُ في عيني بديلٌ مكانَها ولمْ لتبسْ بي حبلُ من يتعطَّفُ
وقدْ حلفتْ والسِّترُ بيني وبينها بربِّ حجيجٍ قد أهلُّوا وعرَّفوا
على ضمَّرٍ في الميسِ ينفخنَ في البُرى إذا شابكتْ أنيابُها اللَّجنَ تصرفُ
لقدْ مسَّني منكِ الجوى غيرَ أنَّني أخافُ كما يخشى على ذاكَ أحلفُ
وكانَ صدودٌ بعدَما أبطنَ الهوى قلوبًا فكادتْ للذي كانَ تجنفُ
كتركِ الأميمِ الهائم الماءَ بعدَما تنحَّى بكفَّيهِ يسوفُ ويغرفُ
وداويَّةٍ لا يأمنُ الرَّكبُ جوزَها بها صارخاتُ الهامِ والبومِ يهتفُ
دعاني بها داعِي رميمٍ وبينَنا بهيمُ الحواشي ذو أهاويلَ أغضفُ
تقحَّمتُ ليلَ العيسِ وهيَ رذيَّةٌ وكلَّفتُ أصحابي الوجيفَ فأوجفُوا
لنخبرَ عنها أو نرى سروَ أرضِها وقدْ يُتعبُ الرَّكبَ المحبُّ المكلَّفُ
ولوْ لمْ تملْ بالعيسِ معويَّةُ العُرى لمالَ بها أيكٌ أثيثٌ وغرْيفُ
ومكنونةٌ سودُ المجاثمِ لمْ يزلْ يهوِّئُها للعيكتَينِ التَّلهُّفُ
وما العيشُ إلاَّ في ثلاثٍ هيَ المُنى فمنْ نالَها من بعدُ لا يتخوَّفُ
صحابةُ فتيانٍ على ناعجيَّةٍ مناسمُها بالأمعزِ المحلِ ترعفُ
وكأسٌ بأيدي السَّاقيَيْنِ رويَّةٌ يمدَّانِ راووقيهِما حينَ تنزفُ
وربَّةُ خدرٍ ينفحُ المسكَ جيبُها تضوَّعَ ريَّاها بهِ حينَ تصدفُ
إذا سُلبتْ فوقَ الحشيَّاتِ أشرقتْ كما أشرقَ الدِّعصَ الهجانُ المصيَّفُ
وقال عبيد أيضًا:
أتعرفُ رسمًا كالرِّداءِ المحبَّرِ برامةَ بينَ الهضبِ والمتغمَّرِ
جرتْ فيهِ بعدَ الحيِّ نكباءُ زعزعٌ بهبوةِ جيلانٍ منَ التُّربِ أكدَرِ
ومرتجزٌ جونٌ كأنَّ ربابهُ إذا الرِّيحُ زجَّتهُ هضابُ المشقَّرِ
يحطُّ الوعولَ العصمَ منْ كلِّ شاهقٍ ويقذفُ بالثِّيرانِ في المتحيَّرِ
فلمْ يترُكا إلاَّ رسومًا كأنَّها أساطير وحيٍ في قراطيسِ مقتري
منازلُ قومٍ دمّنوا تلعاتهِ وسنُّوا السَّوامَ في الأنيقِ المنوَّرِ
ربيعهمُ والصَّيفُ ثمَّ تحمَّلوا على جلَّةٍ مثلِ الحنيَّاتِ ضمَّرِ
شواكلَ عجعاجٍ كأنَّ زمامهُ بذكّارةٍ عيطاءَ من نخلِ خيبَرِ
بهِ منْ نضاخِ الشَّولِ ردعٌ كأنَّهُ نقاعةُ حنَّاءٍ بماءِ الصّنوبَرِ
كسوها سخامَ الرَّيطِ حتَّى كأنَّها حدائقُ نخلٍ بالبرودَينِ موقَرِ
وقامَ إلى الأحداجِ بيضٌ خرائدٌ نواعمُ لمْ يلقينَ بُوسَى لمقفَرِ
ربائبُ أموالٍ تلادٍ ومنصبٌ منَ الحسبِ المرفوعِ غيرِ المقصِّرِ
هدينَ غضيضَ الطَّرفِ خمصانةَ الحشا قطيعَ التَّهادي كاعبًا غير معصرِ
مبتَّلةً غرًّا كأنَّ ثيابَها على الشَّمسِ غبَّ الأبردِ المتحسِّرِ
قضوا ما قضَوا منْ رحلةٍ ثمَّ وجَّهوا يمامةَ طودٍ ذي حماطٍ وعرعَرِ
وعاذلةٍ ناديتُها أنْ تلومني وقدْ علمتْ أنِّي لها غيرُ موثرِ
على الجارِ والأضيافِ والسَّائلِ الذي شكا مغرمًا أو مسَّهُ ضرُّ معسرِ
[ ٣٨٣ ]
أعاذلَ إنَّ الجودَ لا ينقصُ الغنى ولا يدفعُ الإمساكُ عن مالِ مكثرِ
ألمْ تسألي والعلمُ يشفي منَ العمى ذوي العلم عنْ أبناءِ قومي فتخبَري
سلامانَ إنَّ المجدَ فينا عمارةٌ على الخلقِ الذَّاكي الذي لم يكدَّرِ
بقيَّةُ مجدِ الأوَّلِ الأوَّلِ الذي بنى ميدعانُ ثمَّ لمْ يتغيَّرِ
أُولئكَ قومٌ يأمنُ الجارُ بينهمْ ويشفقُ مِن صولاتهمْ كلُّ مخفرِ
مرافيدُ للمولى محاشيدُ للقِرى على الجارِ والمستأنسِ المتنوِّرِ
إذا ظلُّ قومٍ كانَ ظلَّ غيابةٍ تذعذعهُ الأرواحُ من كلِّ مفجَرِ
فإنَّ لنا ظلًاّ تكاثفتْ وانطوتْ عليهِ أراعيلُ العديدِ المجمهَرِ
لنا سادةٌ لا ينقضُ النَّاسُ قولهمْ ورجراجةٌ ذيّالةٌ في السّنورِ
تُجنُّهمُ منْ نسجِ داوودَ في الوغى سرابيلُ حيصتْ بالقتيرِ المسمَّرِ
وطئنا هلالًا يومَ ذاجِ بقوَّةٍ وصفناهمُ كرهًا بأيدٍ مؤزَّرِ
ويومًا بتبلالٍ طممْنا عليهمِ بظلماءِ بأسٍ ليلُها غيرُ مسفرِ
وأفناءُ قيسٍ قد أبدْنا سراتهمْ وعبسًا سقيْنا بالأُجاجِ المعوَّرِ
وأصرامُ فهمٍ قد قتلْنا فلمْ ندعْ سوى نسوةٍ مثلِ البليَّاتِ حسَّرِ
ونحنُ قتلْنا في ثقيفٍ وجوَّستْ فوارسُنا نصرًا على كلِّ محضَرِ
ونحنُ صبرْنا غارةً مفرجيَّةً فُقيمًا فما أبقتْ لهمْ مِن مخبِّرِ
ودسناهمُ بالخيلِ والبيضِ والقنا وضربٍ يفضُّ الهامَ في كلِّ مغفَرِ
ورُجنا بيضٍ كالظِّباءِ وجاملٍ طولِ الهوادي كالسَّفينِ المقيَّرِ
ونحنُ صبحْنا غيرَ غدرٍ بذمَّةٍ سليمَ بنَ منصورٍ بصلعاءَ مذكرِ
قتلناهمُ ثمَّ اصطبحْنا ديارهمْ بخُمرةَ في جمعٍ كثيفٍ مخمَّرِ
تركنا عوافي الرُّخمِ تنشرُ منهمُ عفاريَ صرعَى في الوشيجِ المكسَّرِ
وبالغورِ نُطنا مِن عليٍّ عصابةً ورُحنا بذاكَ القيروانِ المقطَّرِ
وخثعمَ في أيَّامِ ناسٍ كثيرةٍ همطناهمُ همطَ العزيزِ المؤمَّرِ
سبينا نساءً مِن جليحةَ أُسلمتْ ومنْ راهبٍ فوضى لدى كلِّ عسكَرِ
ونحنُ قتلنا بالنَّواصفِ شنفرى حديدَ السِّلاحِ مقبلًا غيرَ مدبرِ
ومنْ سائرِ الحيَّينِ سعدٍ وعامرٍ أبحْنا حِمى جبّارها المتكبِّرِ
منعنا سراةَ الأرضِ بالخيلِ والقنا وأيأس منَّا بأسُنا كلَّ معشَرِ
إذا ما نزلنا بلدةً دوِّختْ لنا فكُنَّا على أربابها بالمخيَّرِ
بنو مفرجٍ أهلُ المكارمِ والعُلى وأهلُ القبابِ والسَّوامِ المعكَّرِ
فمنْ للمعالي بعدَ عثمانَ والنَّدى وفصلِ الخطابِ والجوابِ الميسَّرِ
وحملِ الملمَّاتِ العظامِ ونقضِها وإمرارها والرَّأيِ فيها المصدَّرِ
كأنَّ الوفودَ المبتغينَ حباءهمْ على فيضِ مدّادٍ منَ البحرِ أخضَرِ
فكمْ فيهمِ منْ مستبيحٍ حِمى العدى سبوقٍ إلى الغاياتِ غيرِ عذوَّرِ
وهوبٍ لطوعاتِ الأزمَّةِ في البُرى وللأُفقِ النَّهدِ الأسيلِ المعذِّرِ
نمتهُ بنو الأربابِ في الفرعِ والذُّرى ومنْ ميدعانَ في ذبابٍ وجوهَرِ
لبابُ لبابٍ في أرومٍ تمكَّنتْ كريمَ غداةِ الميسرِ المتحضَّرِ
فأكرمْ بمولودٍ وأكرمْ بوالدٍ وبالعمِّ والأخوالِ والمتهصَّرِ
ملوكٌ وأربابٌ وفرسانُ غارةٍ يحوزونها بالطَّعنِ في كلِّ محجَرِ
إذا نالهمْ حمشٌ فإنَّ دواءهُ دمٌ زلَّ عنْ فودَي كميٍّ معقَّرِ
مُدانيهمِ يُعطي الدَّنيَّةَ راغمًا وإنْ داينوا باؤوا برَيمٍ موفَّرِ