قال عمرو بن قميئة بن سعد بن مالك من بني قيس بن ثعلبة: الطويل
أرى جارتي خفتْ وخفَّ نصيحها وحبَّ بها لولا النَوى وطموحُها
فبيني على نجمٍ شخيسٍ نحوسهُ وأشأمُ طيرِ الزَّاجرينَ سنيحُها
فإنْ تشغَبي فالشَّغْبُ منِّي سَجيَّةٌ إذا شِيمَتي لَمْ يُؤْت منها سَجيحُها
على أنَّ قومِي أشقَذُوني فأصبحتْ ديارِي بأرض غيرَ دانٍ نبُوحُها
أقارِضُ أقوامًا فأوفي قروضَهُمْ وعفٌّ إذا أردَى النفُوسَ شحيحُها
تنفذُ منهمْ نافِذاتٌ فسؤنَني وأضمرَ أضغَانًا عليَّ كشوحُها
فقلتُ: فراقُ الدارِ أجملُ بيننا وقدْ ينتئ عنْ دارِ سوءِ نزيحُها
على أنني قدْ أدَّعي بأبيهم إذا عمَّتِ الدعوَى وثابَ صريحُها
وأنِّي أرى ديني يوافقُ دينهم إذا نسكُوا أفراعُها وذبيحُها
ومنزلةٍ بالحَجِّ أخرَى عرفتها لها بقعةٌ لا يُستطاعُ بروحها
بودّكَ ما قومي على أنْ تركتهم سليمَى إذا هبتْ شمالٌ وريحُها
إذا النجمُ أمسَى مغربَ الشمسِ دائبًا ولم يكُ برقٌ في السماءِ يليحُها
وغابَ شعاعُ الشمسِ منْ غيرِ جلبةٍ ولا غمرةٍ إلا وشيكًا مصوحُها
وهاجَ عمَاءٌ مقشعرٌّ كأنهُ نقيلةُ نعلٍ بانَ منها سريحُها
إذا أعدمَ المحلوبُ عادَتْ عليهمُ قدورٌ كثيرٌ في القِصاعِ قديحُها
يثوبُ إليها كلُّ ضيفٍ وجانبٍ كما ردّ دهداهَ القِلاصِ نضيحُها
بأيديهم مقرومةٌ ومغالقٌ يعودُ بأرزاقِ العيالِ منيحُها
وملمومةٍ لا يخرقُ الطرفَ عرضَها لها كوكَبٌ ضخمٌ شديدٌ وضوحُها
تسيرُ وتزجي السمَّ تحت نحورِها كريهٌ إلى منْ فاجأتهُ صبوحُها
على مقدَحِراتٍ وهنَّ عوابسٌ صبائِر موتٍ لا يُراحُ مريحُها
نبذنا إليهم دعوةً يالَ عامرٍ لَها إربةٌ إنْ لمْ تجدْ من يريحُها
وأرماحُنا ينهزنَ نهزةَ جمةٍ يعود عليهم وردنا فنميحُها
فدَارَتْ رحانا ساعةً ورحاهُمُ وردتْ طباقًا بعْد بكءٍ لقوحُها
فَمَا أتلفَتْ أيديهم منْ نفوسنا وإنْ كرمَتْ فإننا لا ننوحُها
فقلنا: هي النهبَى وحلً حرامُها وكانتْ حمًى ما قبلنا فنبيحُها
فأبنَا وآبُوا كلَّنا بمضيضةٍ مهملة أجراحُنا وجُروحُها
وكُنَّا إذا أحلامُ قومٍ تغيبتْ نشحُّ على أحلامِنا فنريحُها
وقال عمرو بن قميئة أيضًا: الطويل
إنْ أكُ قَدْ أقصرتُ عنْ طولِ رحلةٍ فيا ربَّ أصحابٍ بعثتُ كرامِ
فقلتُ لهم سيروا فدًى خالتي لكمْ أما تجدونَ الريحَ ذاتَ سهامِ
فقاموا إلى عيسٍ قد انضمَّ لحمُها موقفةٍ أرساغُها بخدامِ
وقمتُ إلى وجناءَ كالفَحْلِ جبلةٍ تجاوبُ شدِيَّ نسعَها ببغامِ
فأوردتهمْ ماءً على حينِ وردِهِ عليهِ خليطٌ من قطًا وحمامِ
وأهونُ كفٍّ لا تضيرُكَ ضيرةً يدٌ بينَ أيدٍ في إناءِ طعامِ
[ ٨ ]
يدٌ منْ قريبٍ أو بعيدٍ أتتْ بهِ شآميةٌ غبراءُ ذاتُ قتامِ
كأني وقدْ جاوزتُ تسعين حجةً خلعتُ بها يومًا عذارَ لجامِ
على الراحتينِ مرةً وعلى العَصَا أنوءُ ثلاثًا بعدهنَّ قيامِي
رَمَتنِي بناتُ الدهرِ من حيثُ لا أرى فكيفَ بمنْ يُرمى وليس برامِ
فلوْ أنها نَبلٌ إذنْ لاتقيتُها ولكنني أرمَى بغيرِ سهامِ
إذا ما رآني الناسُ قالوا ألمْ يكنْ حديثًا شديدَ البَزِّ غيرَ كهامِ
وأفنَى وما أُفنِي منَ الدهرِ ليلةً ولمْ يغْنِ ما أفنَيتُ سلكَ نظامِ
وأهلكني تأميلُ يومٍ وليلةٍ وتأميلُ عامٍ بعدَ ذاكَ وعامِ
وقال عمرو أيضًا: الكامل
هلاَّ يهيجُ شوقكَ الطَّلَلُ أمْ لا يفرّطُ شيخَكَ الغَزَلُ
أمْ ذا القطينُ أصابَ مقتلَهُ منهُ وخانُوهُ إذا احتمَلُوا
ورأيتُ ظُعْنَهُمُ مُقَفِّيَةً تعلو المخارمَ سيرها رملُ
قنأَ العهونُ على حواملِها ومنَ الرهاوياتِ والكللُ
وكأنَّ غزلانَ الصريمِ بها تحتَ الخدورِ يظلها الظللُ
تامتْ فؤادَكَ يومَ بينهمِ عندَ التفرقِ ظبيةٌ عطلُ
شنفتْ إلى رشاءٍ ترببهُ ولها بذاتِ الحاذِ معتَزِلُ
ظلٌّ إذا ضحيتْ ومرتقبٌ ولا يكونُ لليلهَا دغَلُ
فسقى منازلَها وحلتَها قردُ الربابِ لصوتهِ زجلُ
أبدَى محاسِنَهُ لناظِرِه ذاتَ العِشاءِ مهلبٌ خضِلُ
متحلبٌ تهوِي الجنوبُ بهِ فتكادُ تعدلُهُ وتنجفلُ
وضعتْ لدى الأضياعِ ضاحيةً فوهى السيوبُ وحطتِ العجلُ
فسقَى امرأ القيسِ بن عمرَةَ إنّ الأكرمينَ لذِكرِهِمْ نبلُ
كمْ طعنةٍ لك غيرَ طائشةٍ ما إنْ يكونُ لجرحِها خللُ
فطعنتها وضربت ثانيةً أخرى وتنزلُ إنْ همُ نزلوا
يهبُ المخاضَ على غواربها زبدُ الفحولِ معانُها بقلُ
وعشارُها بعدَ المخاضِ وقدْ صافتْ وغمَّ رباعها النفلُ
وإذا المجزِّئ حانَ مشربُهُ عندَ المصيفِ وسرّهُ النهلُ
رشفُ الذنابِ على جماجمها ما إنْ يكونُ لحوضها سملُ
وقال عمرو أيضًا: المتقارب
نأتكَ أمامَةُ إلا سؤالا وإلاَّ خيالًا يوافي خيالا
يوافي معَ الليلِ ميعادَها ويأبَى مع الصبحِ إلاَّ زِيالا
فذلكَ تبذلُ منْ ودها ولو شهدتْ لم تواتِ النوالا
وقدْ ريْعَ قلبيَ إذْ أعلنوا وقيلَ أجدَّ الخليطُ احتمالا
وحثَّ بها الحاديانِ النجاءَ مع الصبحِ لما استثارُوا الجمالا
بوازِلُ تحدَى بأحداجِها ويحذينَ بعدَ نعالٍ نعالا
فلما نَأوا سبقتْ عبرتي وأذرتْ لها بعدَ سجلٍ سجالا
تراها إذا احتثَّها الحاديانِ بالخبتِ يرقلنَ سيرًا عجالا
فبالظلِّ بدلنَ بعدَ الهجيرِ وبعدَ الحجالِ ألفنَ الرحالا
وفيهنَّ خولةُ زينُ النساءِ زادتْ على الناسِ طرًا جمالا
لها عينُ حوراءَ في روضةٍ وتقرُو مع النبتِ أرطى طوالا
وتجري السواكَ على باردٍ يخالُ السيالَ ليسَ السيالا
كأنَّ المُدامَ بعَيْدَ المنامِ علتها وتسقيك عذبًا زُلالا
كأنَّ الذَّوائِبَ في فَرعِها حبَالٌ توصلُ منها حِبَالا
ووجهٌ يحارُ له الناظرُونَ يخالونهم قدْ أهلوا هلالا
إلى كفلٍ مثل دعصِ النقا وكفٍّ تقلبُ بيضًا طفالا
فبانتْ وما نلتُ من ودها قبالًا وماذا يُساويِ قبالا
وكيف تبتينَ حبلَ الصفاءِ منْ ماجدٍ لا يريدُ اعتزالا
أرادَ النوالَ فمَنيتِهِ وأضحى الذي قلتِ فيهِ ضلالا
فتًى يبتني المجدَ مثل الحسَا م أخلصهُ القينُ يومًا صقالا
يقودُ الكماةَ ليلقَى الكُماةَ ينازلُ ما إنْ أرادُوا النزالا
تشبّه فرسانهمْ في اللقاءِ إذا ما رَحَى الموتِ دَارَتْ جمالا
ونمشي رجالًا إلى الدَّارِعين كأعناقِ خورٍ تزْجّي فصالا
[ ٩ ]
ونكسُوا القواطِعَ هامَ الرِّجالِ ويحمي الفوارسُ منا الرجالا
ويأبى لي الضيمَ ما قدْ مضَى وعندَ الخِصَامِ فنعلوا جدالا
بقولٍ يذلُّ لهُ الرائضُونَ ونفضلهمْ إنْ أرادوا فضالا
وهاجرةٍ كأوَارِ الجحيمِ قطعتُ إذا الجندبُ الجونُ قالا
وليلٍ تعسفتُ ديجورهُ يخافُ به المدلجونَ الخيالا
وقال عمرو أيضًا: المتقارب
نأتْكَ أمامَةُ إلاَّ سُؤالا وأعقبكَ الهجرُ منها الوِصَالا
وحادتْ بها نيةٌ غربَةٌ تبدلُ أهلَ الصَّفاءِ الزيالا
ونادى أميرُهُمُ بالفراقِ ثمَّ استقلوا لبينٍ عجالا
فقربنَ كلَّ منيفِ القَرى عريضِ الحصير يغولُ الحِبَالا
إذا ما تسربلنَ مجهولةً وراجعنَ بعدَ الرسيمِ النقالا
هداهُنَّ منشمرًا لاحقًا شديدَ المطا أرحبيًا جلالا
تخالُ حمولهم في السرابِ لما تواهقنَ سُحقًا طوالا
كوارعَ في حائرٍ مفعمٍ تغمرَ حتى أنَى واستطالا
كسونَ هوادِجهُنَّ السدولَ منهدلًا فوقهنَّ انهدالا
وفيهنَّ حورٌ كمثلِ الظباءِ تقرُو بأعلى السليلِ الهدَالا
جعلنَ قديسًا وأعناءهُ يمينًا وبرقَةَ رعمٍ شمالا
نوازعَ للخالِ إذْ شمنهُ على الفرداتِ تحلُّ السجالا
فلما هبطنَ مصابَ الربيعِ بدلنَ بعدَ الرحالِ الحجالا
وبيداءَ يلعَبُ فيها السرابُ يخشَى بها المدلجونَ الضلالا
تجاوبتُها راغبًا راهبًا إذا ما الظباءُ اعتنقنَ الظلالا
بضامزةٍ كأتانِ الثميلِ عيرانةٍ ما تشكى الكلالا
إلى ابنِ الشقيقةِ أعملتُها أخافُ العتابَ وأرجُو النوالا
إلى ابنِ الشقيقةِ خيرِ الملوكِ أوفاهمُ عندَ عقدٍ حبالا
ألستَ أبرَّهُمُ ذمةً وأفضلهم إن أرادوا فضالا
فأهلي فداؤكَ مستعتبًا عتبتَ فصدقتَ فيَّ المقالا
أتاكَ عدوٌّ فصدقتهُ فهلاَّ نظرتَ هديتَ السؤَالا
فما قلتَ إذْ نطقُوا باطلًا ولا كنتَ أرهبهُ أن يقالا
فإنْ كانَ حقًا كما خبرُوا فلا وصلتَ ليّ يمينٌ شمالا
تصدقْ عليَّ فإنّي امرؤٌ أخَافُ على غيرِ جُرْمٍ نكالا
ويومٍ تطلعُ فيه النفوسُ تطرفُ بالطعنِ فيه الرجالا
شهدتَ فأطفأتَ نيرانهُ وأصدرتَ منهُ ظماءً نهالا
وذي لَجَبٍ يبرقُ الناظرينَ كالليلِ ألبِسَ منهُ ظلالا
كأنَّ سَنَا البيضِ فوقَ الكُماة فيهِ المصابيحُ تخبي الذُّيالا
صبحتَ العدوَّ على نأيهِ تريشُ رجالًا وتبري رجالا