فحسن اقتران أدمع العشاق، وهي حقيقة، بأدمع المزن وهي غير حقيقية، واقتران الوشاح الذي هو حقيقة بالوشاح المراد به التزام المعتنق وهو غير حقيقي يجري في حسن موقعه من السمع والنفس مجرى موقع حسن اقترن الدوح الذي له حقيقة بمثاله في الغدير ولا حقيقة له من العين. فإن المسموعات تجري من السمع مجرى المتلونات من العين.
١٣- غضاءة: وأما تخييل الشيء نفسه بالقول المحاكي له فكأن نسبته إلى النفس والسمع نسبة إفصاح الزجاجة عما حوته وإفشائها سر ما أودعته إلى العين من تماثيل الشمع ذوات الأنوار أو الأدواح الخضر ذوات النور في صفحات الماء ما ليس لها لرؤية صور هذه الأشياء حقيقة، لأن حال معانية أشكال هذه الأشياء في المياه أقل تكررا على الإنسان من مشاهدة حقائق تلك الصور. فهي لها أشد استطرافا. وأيضا فإنه يقع في اقتران تمثال الشيء المستحسن به من التشاكل نحو التشاكل نحو مما يقع بين اقتران بعض المتلونات ببعض.
وأيضا فإن محاكاة الشيء بغيره أطرف من محاكاته بصفات نفسه. وهي أكثر جدة وطراءة منها. فكانت محاكاته بها أطراف من محاكاته بصفات نفسه.
فلهذا وما ذكرنا فيما تقدم ولما نذكره بعد في قوانين المعاني والنظم والأسلوب، وما يقع في كل ذلك من إبداع التخاييل وحسن الهيآت التي هي أعوان للتخاييل المعنوية على ما يراد من تأثر النفوس لها، حسن موقع الأقاويل الشعرية من النفوس.
١٤- تنويرك واعلم أن منزلة حسن اللفظ المحاكى به وإحكام تأليف من القول المحاكى به ومن المحاكاة بمنزلة عتاقة الأصباغ وحسن تأليف بعضها إلى بعض وتناسب أوضاعها من الصور التي يمثلها الصانع.
وكما أن الصورة إذا كانت أصباغها رديئة وأوضاعها متنافرة وجدنا العين نابية عنها غير مستلذة لمراعاتها، وإن كان تخطيطها صحيحا، فكذلك الألفاظ الرديئة والتأليف المتنافر، وإن وقعت بها المحاكاة الصحيحة فإنا نجد السمع يتأذى بمرور تلك الألفاظ الرديئة القبيحة التأليف عليها، يشغل النفس تأذي السمع عن التأثر لمقتضى المحاكاة والتخييل. فلذلك كانت الحاجة في هذه الصناعة إلى اختيار اللفظ وإحكام التأليف أكيدة جدا
د- المنهج الرابع في الإبانة عن الأحوال التي تعرض للمعاني في جميع مواقعها من الكلام، فتوجد بها ملائمة للنفوس أو منافرة لها.
أ- معلم دال على طرق العلم بأنحاء النظر في أحوال المعاني وما يجب اعتباره فيها من جهة ما يرجع إليها في أنفسها أو من جهة ما يقترن بها ويكون لها به علقة.
وأنا أشير على أنحاء النظر في جميع ذلك بإضاءات وتنويرات، من إيراد الآراء البلاغية أرفعها في معلم معلم ومعرف معرف، وأنبه على ما يتأكد التنبيه عليه من ذلك بقول موجز إذ لا ينفسح الوقت الذي للنفس فيه بعض تخل عن الشواغل إلى تسريح العنان في ذلك.
١- إضاءة: واعتبار ما تكون عليه المعاني من صحة وكمال ومطابقة للغرض المقصود بها وحسن موقع من النفس يكون بالنظر إلى ما المعنى عليه في نفسه، وبالنظر إلى ما يقترن به من الكلام وتكون له به علقة، وبالنظر إلى الغرض الذي يكون الكلام مقولا فيه، وبالنظر إلى حال الشيء الذي تعلق به القول.
٢- تنوير: والنظر في المعنى من جهة ما يكون عليه في نفسه لا يخلو من أن يكون متعلقا بما يرجع إلى مادته، أو بما يرجع إلى تأليفه، أو بما يرجع إلى مقداره، أو بما يرجع إلى هيئته. وقد تقدم الكلام في كثير مما يحتاج إليه في المعاني من هذه الجهات الأربع. وسأستدرك في هذا النهج ما يكون تتميما لذلك المبدأ وتوطيدا على ذلك الأس، إن شاء الله.
٣- إضاءة: ولا يخلو اعتبار المعنى في جميع ذلك من أن يكون بالنظر إلى ما هو ضروري فيه أو متأكد أو مستحب. والضروري هو ما لا يتم الغرض إلا به. والمتأكد هو الذي يزيد به الكلام حسنا وإن كان قد يستغنى عنه ويكون اعتماده بين الرجاحة على اطراحه. والمستحب هو المائل إلى حيز الرجحان في ذلك.
[ ٤٢ ]
٤- تنوير: وقد أدرجت تفاصيل القول في جميع ذلك في منهج منهج ومعلم معلم من مناهج هذا الكتاب ومعالمه، إذ لم يمكن إدراج ذلك في منهج واحد، لأن ذلك يخرجه إلى مباينة غيره من المناهج في الطول، فيعدل بوضع الكتاب إلى ضد ما قصدنا به من المناسبة والمعادلة. فلذلك اقتصرت في هذا المنهج من النظر في صحة المعاني على ما يقع فيها من إحالة، من جهة نسبة وصف إلى موصوف، ومن جهة تناقض واقع بين متقابلين، أو من جهة تدافع بين المعاني وأغراض الكلام، أو من جهة تباين بين الأوصاف وأحوال الموصوفين.
٥- إضاءة: وكذلك اقتصرت أيضًا من النظر في كمال المعاني على الإشارة على بعض جهات الكمال فيها لأن الكمال أيضًا يكون بالنظر إلى ما المعنى عليه في نفسه، ويكون بالنظر على ما يكتنفه وتكون له به علقة، ويكون بالنظر إلى غرض الكلام، ويكون بالنظر إلى حال الشيء الذي فيه القول.
٦- تنوير: وكمال المعنى في نفسه يكون باعتبار استيفاء أجزائه البسيطة، أو استيفاء أجزائه المركبة، لأن المعاني منها ما ينحل إلى أجزاء مركبة، ومنها ما لا ينحل إلا إلى أجزاء بسيطة. وقد تقدم أن أجزاء المعاني قد يكون جميعها متعددا، وقد يتعدد بعضها دون بعض، وأنها قد تتكرر لضروب من المقاصد. وكل ذلك لا يخلو من أن يكون ضروريا بالنظر إلى صحة المعنى وكمال تأديته أو أكيدا فيه أو مستحبا.
٧- إضاءة: وإذا وقع التعداد في المعاني وكان ضروريا بالنسبة على الغرض واستمر في العبارة على نسق متشابه سمي قسمة. وقد يسمى بذلك ما كان متأكدا أو مستحبا، وإن لم يكون ضروريا، على سبيل المسامحة. وأما ما سوى ذلك من أنحاء النظر في كمال المعنى فقد تضمنت التنبيه عليه مواضع كثيرة من هذا الكتاب، فليتأمل هنالك.
٨- تنوير: وتمكن المعنى أيضًا يكون بنحو من تلك الاعتبارات، ولم نلمم في هذا الموضع إلا بما يكون التمكن فيه بالنظر إلى ما يواجه به المعنى ويرام التوفيق في الوضع بينهما من جهة ما لأحدهما انتساب إلى الآخر يقتضي المقارنة بينهما، وما عدا ذلك من أنحاء التمكن يتعرف من مواضع أخر من هذا الكتاب.
٩- إضاءة: فأما وضوح المعاني وبيانها وغموضها واستغلاقها فأنا أستقصي في هذا المنهج أنحاء النظر في الوجوه التي بها يكون بيان المعنى أو انبهامه من جهة ما يرجع إليه في نفسه، ومن جهة نسبة اللفظ الدال عليه إلى فهم المخاطب، وإن كان ذكر هذا أليق بالقسم الأول. لكنا قصدنا في هذا المنهج أن يكون القول في جميع ما يكون به انبهام المعاني مستقصى، وأن نتقصى أنحاء النظر من ذلك فيما تقدم الإلماع به من ذلك في المنهج الثالث من القسم الأول.