إن أساليب الشعر تتنوع بحسب مسالك الشعراء في كل طريقة من طرق الشعر، وبحسب تصعيد النفوس فيها إلى حزونة الخشونة أو تصويبها إلى سهولة الرقة أو سلوكها مذهبا وسطا، بين ما لان وما خشن من ذلك. فإن الكلام منه ما يكون موافقا لأغراض النفوس الضعيفة الكثيرة الإشفاق مما ينوبها أو ينوب غيرها، ومنه ما يكون موافقا للنفوس المقبلة على ما يبسط أنسها المعرضة عما به كلا الفريقين.
١- إضاءة: فللكلام بحسب هذه الأنحاء المتركبة في الأسلوب ثلاثة أساليب ينحى بالكلام فيها بحسب البساطة والتركيب عشرة أنحاء يختلف الناس فيما تميل بهم أهواؤهم إليه من ذلك بحسب اختلاف طباعهم وتلك الأنحاء هي: ١- أن يكون أسلوب الكلام مبنيا على الرقة المحضة، ٢- أو على الخشونة المحضة، ٣- أو على المتوسط بينهما، ٤- أو يكون الكلام مبنيا على الرقة ويشوبه بعض ما هو راجع إلى الأسلوب الوسط، ٥- أو يكون مبنيا على الوسط ويشوبه بعض ما هو راجع إلى الرقة، ٦- أو بعض ما هو راجع إلى الخشونة، ٧- أو يكون مبنيا على الخشونة ويشوبه بعض ما يرجع إلى الأسلوب الوسط، ٨- أو يكون مبنيا على الرقة ويشوبه بعض الخشونة، ٩- أو على الخشونة ويشوبه بعض رقة، ١٠- أو يكون مبنيا على الأسلوب المتوسط ويشوبه بعض ما هو راجع إلى الطرفين.
٢- تنوير: فأما الأنحاء الثلاثة الأخيرة وهي التي وقع في جميعها الجمع بين طرفين بان تسلط الطرفان أعني الخشونة والرقة على شيء واحد، وكان انبعاثهما من ضمير واحد، فإن هذا يقبح مثل إرداف الرقة في الحب بالخشونة فيه، فإن انصرف أحدهما إلى غير ما انصرف إليه الآخر، وتعلق بغير ما تعلق به ساغ ذلك، مثل ما نجمع بين التغزل والحماسة في شعر واحد. وذلك يكون على ثلاثة أنحاء: ١- مقابلة معنى البيت أو شطر بيت غزلي بمعنى بيت أو شطر بيت حماسي.
٢- والنحو الثاني على جهة الالتفات، وذلك أن يكون مثلا يتغزل ويصف نفسه بالإفراط في الرقة والصبابة، فيتوقع أن يظن ظان أن ذلك لضعف نفس منه، فيلتفت إلى ما يدرأ عنه ذلك الظن ويشير إلى ما يدل على ذلك بلفظ مختصر يلحقه في تضاعيف كلامه أو عقبه، وذلك مثل قول الشريف: (الرجز -ق- المتدارك)
مالوا على شعب الرحال وأسندوا أيدي الطعان إلى قلوب تخفق
فأشار إلى الشجاعة أثناء الوصف بالرقة بأوجز لفظ وهو قوله: (أيدي الطعان)
[ ١١٣ ]
٣- والنحو الثالث، أن يتحول الشاعر عما له فيه رقة إلى ما له فيه خشونة، وينصرف عن أحد الغرضين إلى الآخر بالجملة، فيصيره غرض كلامه.
فبهذه القوانين يعتبر أسلوب الكلام، فإن كل كلام شعري لا ينفك عن أحد هذه الأنحاء. فمن يتأملها يجدها كما ذكرت، إن شاء الله.