ومنازع الشعراء في الشعر تختلف. ويجب أن نبين أولا ما المنزع؟ ثم نبين مذاهب الشعراء في ذلك. فأقول:
[ ١١٦ ]
إن المنازع هي الهيئات الحاصلة عن كيفيات مآخذ الشعراء في أغراضهم، وأنحاء اعتماداتهم فيها، وما يميلون بالكلام نحوه أبدا، ويذهبون به إليه، حتى يحصل بذلك للكلام صورة تقبلها النفس أو تمتنع من قبولها. والذي تقبله النفس من ذلك ما كانت المآخذ فيه لطيفة، والمقصد فيه مستطرفا، وكان للكلام به حسن موقع من النفس. والعين على ذلك أن ينزع بالكلام إلى الجهة الملائمة لهوى النفس من حيث تسرها أو تعجبها أو تشجوها، حيث يكون الغرض مبنيا على ذلك، نحو منزع عبد الله ابن المعتز في خمرياته، والبحتري في طيفياته، فإن منزعهما، فيما ذهبا إليه من الأغراض، منزع عجيب.
١- إضاءة: والذي لا تقبله النفس من ذلك ما كان بالضد مما ذكرته.
والناس يختلفون في هذا. فيستحسن بعضهم من المنازع ما لا يستحسنه آخر. وكلم نهم يميل إلى ما وافق هواه.
٢- تنوير: ومن الشعراء من يمشي على نجه غيره في المنزع ويقتفي في ذلك أثر سواه، حتى لا يكون بين شعره وشعر غيره ممن حذا حذوه في ذلك كبير ميزة، ومنهم من اختص بمنزع يتميز به شعره من شعر سواه، نحو منزع مهيار ومنزع ابن خفاجة.
وهذا الامتياز يكون بأحد الطرفين: إما بأن يثر في شعره أبدا الميل إلى جهة لم يؤثر الناس الميل إليها ولم يأخذوا فيها مأخذه، فيتميز شعره بهذا عن شعرهم، وإما أن يسلك أبدا في جميع الجهات التي يميل بكلامه إلى مذهب شاعر واحد ولكن يقتفي أثر واحد في الميل إلى جهة وأثر آخر فيا لميل إلى جهة أخرى، وكذلك في جهة جهة يأخذ بمذهب شاعر شاعر، فتكون طريقته مركبة، فيتميز كلامه بذلك وتصير له صورة مخصوصة.
٣- إضاءة: وقد يعنى بالمنزع أيضًا كيفية مأخذ الشاعر في بنية نظمه وصيغة عباراته وما يتخذه أبدا كالقانون في ذلك كمآخذ أبي الطيب في توطئه صدور الفصول للحكم التي يوقعها في نهاياتها، فإن ذلك كله منزع اختص به أو اختص بالإكثار منه والاعتناء به.
وقد يعنى بالمنزع غير ذلك إلا انه راجع إلى معنى ما تقدم، فإنه أبدا لطف مأخذ في عبارات أو معان أو نظم أو أسلوب.
ويستحسن من جميع ذلك ما حسن موقعه من النفوس. ولا يسحن ما كان بالضد من ذلك.
٤- تنوير: ولا يخلو لطف المأخذ في جميع ذلك من أن يكون ١- من جهة تبديل، ٢- أو تغيير، ٣- أو اقتران بين شيئين، ٤- أو نسبة بينهما، ٥- أو نقلة من أحدهما إلى الآخر، ٦- أو تلويح به إلى جهة وإشارة به إليه.
وهذه الأنحاء الستة من التصرف لا يخلو من أن تكون متعلقة - مما يرجع إلى المعاني الذهنية - بالتصورات منها، أو بالنسبة الواقعة بين بعضها وبعض، أو بالأحوال المنوطة بها، أو بجهة الأحكام فيها، أو بالمحددات لها، أو بأنحاء التخاطب المتعلق بها.
٥- إضاءة: وهذه الأنحاء التي ينزع بالمعاني إليها: منها ما بتيسر التهدي إليه على أكثر الشعراء، ومنها ما لا يتيسر التهدي إليه إلا على بعضهم.
والذي لا يتهدى إليه إلا بعضهم: منه ما يشترك فيه العربي والمحدث ومنه ما لا يكاد يوجد إلا في شعراء المحدثين. وذلك مثل إسنادهم وإضافتهم ضد الشيء إليه، وكإعمالهم الشيء في مثله، وكإقامتهم الشيء مقام ضده وتنزيلهم له منزلته على جهة من الاعتبار.
فأما إضافة ضد الشيء إليه، فنحو قول أبي الطيب ﵀: (الخفيف -ق- المترادف)
صلة الهجر لي، وهجر الوصال
وأما إعمالهم الشيء في مثله فنحو قوله أيضا: (الكامل -ق- المترادف)
أسفي على أسفي الذي دلهتني عن علمه فيه علي خفاء
وقوله: (الطويل -ق- المتدارك)
لبست لها كدر العجاج كأنما ترى غير صاف أن ترى الجو صافيا
ومن قول الشيباني: (الرجز -ق- المترادف)
واصدد كصدي عن طويل الصد
وأما تنزيل الشيء منزلة ضده على جهة من الاعتبار، فنحو قول المتنبي: (الكامل -ق- المتدارك)
وشكيتي فقد السقام، لأنه قد كان لما كان لي أعضاء
ومنه قول الحسين بن الضحاك: (مجزو الخفيف -ق- المتدارك)
كبدي في هواك أس قم من أن تقطعا
لم تدع سورة الضنا في للسقم موقعا
وكان أبو الطيب المتنبي يستعمل هذه الأنحاء الثلاثة في المعاني ويقصدها في مواضع كثيرة من شعره.
٦- تنوير: فأما إسناد الفعل إلى ما اشتق منه نحو قول المتنبي: (الطويل -ق- المترادف) =أمات الموت؟ أم ذعر الذعر
[ ١١٧ ]
فإنه يوجد في كثير من كلام العرب.
وأكثر ما يقع أيضًا في كلام العرب أن يوصف المصدر بالصفة المشتقة لفاعله، وذلك على جهة الاتساع والتجوز كقولهم شعر شاعر. وقد تصف العرب المصدر بصفة نقيضه أو بصفة فاعل نقيضه نحو قول: (الطويل -ق- المتدارك)
ألا يا لقوي للرقاد المسهد
فيكون هذا على أنحاء من التأويل: إما أن يريد للرقاد المصير سهادا، وإما أن يريد للرقاد وقطع به اتصاله، وإما أن يريد للرقاد الذي شرد وسهد صاحبه فيكون في الكلام حذف مضاف.
وهذا التأويل سائغ في ما قبله.
٧- إضافة: ويجب أن يستعمل من هذه المجازات وأن يذهب من هذه المذاهب في بعيدا من الفهم ولا قلقا في التصور.
ولم يكن من شأن العرب أن تستعمل ذلك، لأن المعنى إذا تصور وكان صحيحا ساغ أن يستعمل في الكلام المصوغ على قوانين العرب، وإن لم يكن لذلك المعنى نظير في كلامهم.
وإنما يجب أن يلتزم في الكلام الجاري على قانون كلام العرب أن تكون مجاري أواخر الكلم وتصاريفها وإسناداتها على حد ما وقعت عليه في كلام العرب بحسب موضع موضع، وأن يوقع كل منها على ما أوقعته العرب، وأن يكون متصلا بما وصلته العرب، إن كان مما شأنه أن يوصل بغيره.
فيتحرز من مثل ما يقع لكثير من أهل هذا الزمان من استعمالهم الباء في مثل قولهم: استبدل كذا بكذا أو أبدل كذا بكذا في غير موضعها، فإن الناس يدخلون الباء على الشيء الذي هو بدل من الآخر، والعرب ليس تدخل الباء في مثل هذا إلا على المبدل منه لا على البدل نحو قوله: (المتقارب -ق- المترادف)
تبدل بالأنس صوت الصدا وسجع الحمامة تدعو هديلا
وعلى مثل هذا استعمله فحول المحدثين كقول أبي تمام: (الكامل -ق- المترادف)
فاسلم أمير المؤمنين لأمة أبدلتها الإمراع بالإمحال
ومن تتبع مثل هذا الاستعمال مما انحرف الناس فيه عن الاستعمال العري وجده، فليتحزر من ذلك.