فأما ما يجب في طريقة الجد فألا ينحرف في ما كان من الكلام على الجد إلى طريقة الهزل كبير انحراف، أولا ينحرف إلى ذلك بالجملة، لأن الكلام المبني على الجد إنما قصد به إلقاؤه بمحل القبول من أهل الجد. وكثير من أهل الجد يكره طرق الهزل، ومن لا يكرهها منهم كبير كراهة لا نغصه غير منغص على جميعهم، فلذلك يجب ألا يتعرض إليها كبير تعرض، أو لا يتعرض إليها بالجملة في طرق الجد.
١- إضاءة: وجملة ما يجب أن يتجنب في ذلك هي الجهات المختصة بالهزل، والمعاني الواقعة في تلك الجهات، والعبارات عن تلك المعاني، والجزء الواحد من العبارة الواقعة في ذلك إذا كانت قد وقعت لشهرة بجهة من جهات الهزل.
ويجب أيضًا أن يتحفظ بالنظم الجدي من أن يكون التأليف فيه على صيغة تأليف قد اشتهر وقوعه في طريقة هزلية كأنما قد حذي بذلك حذو هذا.
وجملة الأمر ألا يتعرض فيها إلى منحى من مناحي الهزل - ولو بإشارة - إلا حيث يليق ذلك بالحال والموطن، فيتصور إذ ذاك التعرض إلى ما خف من الهزل، ولكل مقام مقال.
٢- تنوير: وتختص الطريقة الجدية بأن يجتنب فيها الساقط من الألفاظ والمولد، ويقتصر فيها على العربي المحض وعلى التصاريف الصريحة في الفصاحة المطردة في كلامهم. ولا يعرج من ذلك على ما لا يدخل في كلامهم إلا بوجوه تستضعف ويتسامح في إيراد الحوشي والغريب فيها في بعض المواضع.
٣- إضاءة: ويجب في معاني الطريقة الجدية أن تكون النفس فيها طامحة إلى ذكر ما لا يشين ذكره ولا يسقط من مروءة المتكلم، وأن تكون واقفة دون أدنى ما يحتشم من ذكره ذو المروءة أو يكبر نفسه عنه، وأن تطرح من ذلك ما له ظاهر شريف في الجد وباطن خسيس في الهزل.
٤- تنوير: ومما تختص به العبارات في الطريقة الجدية أن يتحرى فيها المتانة والرصانة كما تتحرى في طريقة الهزل الحلاوة والرشاقة. وقد تأخذ الطريقة الجدية بطرف من الرشاقة كما تأخذ الطريقة الهزلية بطرف من المتانة.