وتحسين الاستهلالات والمطالع من أحسن شيء في هذه الصناعة، إذ هي الطليعة الدالة على ما بعدها المتنزلة من القصيدة منزلة الوجه والغرة، تزيد النفس بحسنها ابتهاجا ونشاطا لتلقي ما بعدها إن كان بنسبة من ذلك. وربما غطت بحسنها على كثير من التخون الواقع بعدها إذا لم يتناصر الحسن فيما وليها.
١- إضاءة: ولا يخلو الإبداع في المبادي من أن يكون راجعا إلى ما يقع في الألفاظ من حسن مادة واستواء نسج ولطف انتقال وتشاكل اقتران وإيجاز عبارة وما جرى مجرى ذلك مما يستحسن في الألفاظ، أو إلى ما يرجع إلى المعاني من حسن محاكاة ونفاسة مفهوم وتطبيق مفصل بالنسبة إلى الغرض وما جرى مجرى ذلك مما يستحسن في المعاني، أو إلى ما يرجع إلى النظم من إحكام بنية وإبداع صيغة ووضع وما ناسب ذلك مما يحسن في النظم، أو إلى ما يرجع إلى الأسلوب من حسن منزع ولطيف منحى ومذهب وما جرى مجرى ذلك مما يستحسن في الأساليب.
٢- تنوير: وملاك المر في جميع ذلك أن يكون المفتتح مناسبا لمقصد المتكلم في جميع جهاته. فإذا كان مقصده الفخر كان الوجه أن يعتمد من الألفاظ والنظم والمعاني والأسلوب ما يكون فيه بهاء وتفخيم، وإذا كان المقصد النسيب كان الوجه أن يعتمد منها ما يكون فيه رقة وعذوبة من جميع ذلك، وكذلك سائر المقاصد. فإن طريقة البلاغة فيها أن تفتتح بما يناسبها ويشبهها من القول من حيث ذكر.
٣- إضاءة: ومما تحسن به المبادئ أن يصدر الكلام بما يكون فيه تنبيه وإيقاظ لنفس السامع أو أن يشرب ما يؤثر فيها انفعالا ويثير لها حالا من تعجيب أو تهويل أو تشويق أو غير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه.
٤- تنوير: وفي الكلام ما له صورة يصير بها لائقا أن يكون رأس كلام ومفتتح قول، ومنه ما لا يليق بالمبادي ولا يكون له هيأة تصلح لها.
ويجب أن يجتلب القول للمبادئ من المعدن الأول.
٥- إضاءة: وأحسن المبادي ما تناصر فيه حسن المصراعين وحسن البيت الثاني على ما تقدم ذكره في العلم قبل هذا.
وأكثر ما وقع الإحسان في المبادئ على هذا النحو للمحدثين. فأما العرب المتقدمون فلم يكن لهم بتشفيع البيت الأول بالثاني كبير عناية. وكثيرا ما كانوا يتسلسلون فيه في ذكر المواضع نحو قول امرئ القيس: (الطويل -ق- المترادف)
فغول، فحليت، فنفي فمنعجٍ إلى عاقل، فالجب ذي الأمرات
والرتبة الثانية في حسن المبادي أن يتناصر الحسن في المصراعين دون البيت الثاني، نحو قول أبي الطيب المتنبي: (الخفيف -ق- المترادف)
أتراها لكثرة العشاق تحسب الدمع خلقة في المآقي
والرتبة الثالثة أن يكون المصراع الأول كامل الحسن، ولا يكون المصارع الثاني منافرًا له وإن لم يكن مثله في الحسن، ومثل هذا يوجد كثيرا.
٦- إضاءة: وقد تكون المبادي، التي حسن فيها المصراع الأول وكان ما وليه نمطا وسطا في الكلام، من الشرف بما وقع فيها بحيث تفوق المبادي التي تناصر الحسن في مصارعيها والبيت الثاني لهما، وذلك نحو قول امرئ القيس: (الطويل -ق- المتدارك)
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
[ ١٠٠ ]
فالمصراع الأول في غاية الإبداع ونهاية الانطباع، وليس المصراع الثاني كذلك، وإن كان له قسط من الفصاحة لأن كثيرا من الشعراء الفحول يجاريه في مثل صيغة المصراع الثاني ويتمم مبدأه بمثل ما تممه به، وليس يجاريه أحد في كمال المصراع الأول وشرف ما وقع فيه بالنظر إلى ما يجب أن يفتتح به القول في البكاء على الديار.
٧- تنوير: وليس يجب أن يعتبر في حسن المبادي ما وقع الإحسان في مصراعه الثاني إذا كان المصراع الأول قبيحا.
٨- إضاءة: ومما اختير من المبادي قول النابغة: (الطويل -ق- المتدارك)
كليني لهم يا أميمة ناصب
وقول الأعشى: (الطويل -ق- المتدارك)
كفى بالذي تولينه لو تحببا
وقول القطامي: (البسيط -ق- المتركب)
إنا محيوك فاسلم أيها الطلل
وقول بشار: (الطويل -ق- المتدارك)
أبى طلل بالجزع أن يتكلما
وقول حبيب: (البسيط -ق- المتراكب)
يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا
وقول البحتري: (الزجر -ق- المتدارك)
عارضتنا أصلا فقلنا الربرب
ومن المراثي قول الشاعر: (الطويل -ق- المتدارك)
أيا جارنا من يجتمع يتفرق ومن يك رهنا للحوادث يغلق
وقول أوس بن حجر: (الخفيف -ق- المتراكب)
أيتها النفس أجملي جزعا
وقول حبيب: (البسيط -ق- المتراكب)
أي القلوب عليكم ليس ينصدع
٩- تنوير: ومما أستحسنه أنا قول منصور النمري: (البسيط -ق- المتراكب)
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
وقول أبي الطيب: (الطويل -ق- المتدارك)
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب
وقول أبي عمر بن دراج القسطلي: (البسيط -ق- المتراكب)
أهل بالبين، فانهلت مدامعه
وقول يوسف بن هارون: (الرجز -ق- المترادف)
من حاكم بيني وبين عذولي
وقول أبي إسحق بن خفاجة: (الطويل -ق- المتدارك)
لك الله من برق تراءى فسلما
ولو قال قائل: (إنه لم يستفتح في قافية الهمزة بأحسن من قول أبي جعفر بن وضاح: (الرجز -ق- المترادف)
يا سرحة العلمين من تيماء حدبت عليك روائم الأنواء
لكان حقيقا أن يصدق وأن يسلم له في ما قال.