الشعر كلام موزون مقفى من شأنه أن يحبب على النفس ما قصد تحبيبه إليها، ويكره إليها ما قصد تكريهه، لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه، بما يتضمن من حسن تخييل له، ومحاكاة مستقلة بنفسها أو متصورة بحسن هيأة تأليف الكلام، أو قوة صدقه أو قوة شهرته، أو بمجوع ذلك. وكل ذلك يتأكد بما يقترن به من إغراب. فإن الاستغراب والتعجب حركة للنفس إذا اقترنت بحركتها الخيالية قوي انفعالها وتأثرها.
[ ٢١ ]
١- إضاءة: فأفضل الشعر ما حسنت محاكاته وهيأته، وقويت شهرته أو صدقه، أو خفي كذبه، وقامت غرابته. وإن كان قد يعد حذقا للشاعر اقتداره على ترويج الكذب وتمويه على النفس وإعجالها إلى التأثر له قبل، بإعمالها الروية في ما هو عليه. فهذا يرجع إلى الشاعر وشدة تحيله في إيقاع الدلسة للنفس في الكلام. فأما أن يكون ذلك شيئا يرجع إلى ذات الكلام فلا.
وأردأ الشعر ما كان قبيح المحاكاة والهيئة، واضح الكذب، خليا من الغرابة، وما أجدر ما كان بهذه الصفة ألا يسمى شعرا وإن كان موزونا مقفى، إذ المقصود بالشعر معدوم منه، لأن ما كان بهذه الصفة من الكلام الوارد في الشعر لا تتأثر النفس لمقتضاه، لأن قبح الهيأة يحول بين الكلام وتمكنه من القلب، وقبح المحاكاة يغطي على كثير من حسن المحاكى أو قبحه ويشغل عن تخيل ذلك. فتجمد النفس عن التأثر له، ووضوح الكذب يزعها عن التأثر بالجملة.
٢- تنوير: فإن حسنت الهيأة والمحاكاة ولم يكن الكذب شديد الوضوح، خادعا النفس عما تستشعره أو تعتقده من الكذب، وحركاها إلى اعتماد الشيء بفعل أو اعتقاد أو التخلي عنه تحريك مغالطة، فهذا أدنى مراتب الشعر إذا لم يعتد بما ذكرناه أولا.
٣- إضاءة: وإنما يرجع الشاعر إلى القول الكاذب حيث يعوزه الصادق والمشتهر بالنسبة إلى مقصده في الشعر. فقد يريد تقبيح حسن وتحسين قبيح، فلا يجد القول الصادق في هذا ولا المشتهر، فيضطر حينئذ إلى استعمال الأقاويل الكاذبة.
٤- تنوير: فأما إذا قصد تحسين حسن وتقبيح قبيح، فإنه متمكن من القول الصادق والمشهور فيهما. وأكثر أقوال الشعراء في هذين القسمين، إذا لم يقصدوا المبالغة في ما يحاكونه ويصفونه، صادقة. اللهم إلا أن يقصدوا المبالغة في تحسين حسن أو تقبيح قبيح فيتجاوزون حدود أوصافه الحقيقية ويحاكونه بما هو أعظم منه حالا أو أحقر ليزيدوا النفوس استمالة إليه أو تنفيرا عنه.
٥- إضاءة: ولا يخلو الشيء الحسن من أن يكون أحسن ما في معناه، أو أن يكون ثم ما هو أحسن منه. وكذلك القبيح قد يوجد أقبح منه أو لا يوجد. فالحسن الذي لا أحسن منه، والقبيح الذي لا أقبح منه، ولا يوجد مساو لهما في معنييهما، لا ينبغي أن يكون الأقوال فيهما صادقة في الأولى والأكثر، فإن محاكاته بما هو دونه تقصير به وليس هناك إلى ما يطمح به. فأما الحسن والقبيح اللذان يوجد في معناها ما هو أعظم منهما أو ما يساويهما، فإن الأقاويل الشعرية ترد فيهما صادقة وكاذبة، بحسب ما يعتمده الشاعر من اقتصاد في الوصف أو مبالغة.
٦- تنوير: وإذا حقق القول وجدت الأقاويل أيضًا في تقبيح الحسن وتحسين القبيح قد تكون صادقة لأن كل شيء حسن يقصد محاكاته وتخييله، وإن أحسن ما في معناه، فقد يوجد فيه وصف مستقبح. وكذلك الشيء القبيح، فإنه وإن كان لا أقبح منه، قد يوجد فيه وصف مستحسن.
فقد قال الجاحظ: " ليس شيء إلا وله وجهان وطريقان. فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين، وإذا ذموا ذكروا أقبحهما".
وأنا أذكر الأنحاء التي يترامى إليها صدق الشعر أو كذبه بما يقتضيه أصل الصناعة ويوجبه. وهو الذي يعتمده المطبوعون من الشعراء، وهي ثمانية أنحاء: تحسين حسن لا نظير له. فهذا يجب أن تكون الأقاويل فيه صادقة وكذلك تقبيح القبيح الذي لا نظير له.
وتحسين حسن له نظير. وكثيرا ما يقع في هذا أيضًا الصدق إذا اقتصد في أوصافه واقتصر على الوقوف عند حدودها. وكذلك أيضًا إن اقتصد في محاكاته بغيره واقتصر به على المشابهة دون الغاية التي يطمح فيها عن محاكاة الشيء بالشيء إلى قول هو هو.
وفرق بين قولك في الشيء: إنه الشيء الآخر، وبين قولك: إنه مثله وشبهه، إذا لم ترد في نفسك معنى التشبيه، وتكون قد حذفت الحرف الدال عليه إيجازا، بل أردت أن يصير به اثنينية شيئين اتحادا. وهذا يكون في المشابهة وغيرها.
قال أبو علي بن سينا: "المجانسة اتحاد في الجنس، والمشاكلة اتحاد في النوع، والمشابهة اتحاد في الكيف، والمساواة اتحاد في الكم، والموازاة اتحاد في الوضع، والمطابقة اتحاد في الأطراف، والهو هو اتحاد في شيء من اثنين يجعل اثنين في الوضع تصير به اثنينيتهما اتحادا بنوع من الاتحادات الواقعة بين اثنين مما قيل".
[ ٢٢ ]
فما وقع من الأوصاف والمحاكاة مقتصدا فيه غير متجاوز فهو قول صدق. فإذا قيل في الشيء: إنه كالشيء، وكان فيه شبه منه، فهو قول حق. لأن الكاف وحروف التشبيه إنما وضعت لأن تدل على الشبه من حيث إنه موجود، قل أو كثر، لا من حيث الكمية، فقد يقوى الشبه ويضعف وتكون المحاكاة مع ذلك صادقة إلا أنها في أحد الحالين أوضح.
وكثير من الناس يغلط فيظن أن التشبيه والمحاكاة من جملة كذب الشعر، وليس كذلك. لأن الشيء إذا أشبه الشيء فتشبيهه به صادق، لأن المشبه مخبر أن شيئا أشبه شيئا، وكذلك هو بلا شك. ولأن التشبيه بإظهار الحرف وإضماره قول صادق، إذا كان في أحد الشيئين شبه من الآخر -ورد التشبيه في القرآن لأن الماء يشبه السراب بلا شك، والهلال شبيه بالعرجون القديم ولا بد. وكذلك جميع تشبيهات الكتاب العزيز، الشبه فيها ظاهر- فقد تبين أن الوصف والمحاكاة لا يقع الكذب فيهما إلا بالإفراط وترك الاقتصاد.
وحكم تقبيح القبيح الذي له نظير حكم ضده الذي فرغت منه.
وقد يقع الصدق أيضًا في تحسين القبيح، ووقوعه في ما هو الغاية في القبح أقل من وقوعه في ما هو دون الغاية من ذلك. وكذلك حكم تقبيح الحسن، فإن الصدق في ما هو الغاية في ذلك أقل منه في ما دونها.
وسيأتي لهذا زيادة بيان.
٧- إضاءة: ولنقسم الآن الكلام الشعري بالنسبة على الصدق والكذب القسمة التي يتبين بها كيف يقع الكذب في صناعة الشعر، وما الذي يسوغ منه وما لا يسوغ.
فأقول: عن الأقاويل الشعرية منها ما هو صدق محض، ومنها ما هو كذب محض، ومنها ما يجتمع فيه الصدق والكذب.
والكذب منه ما يعلم أنه كذب من ذات القول، ومنه ما لا يعلم كذبه من ذات القول. فالذي لا يعلم كذبه من ذات القول ينقسم: على ما لا يلزم علم كذبه من خارج القول، وإلى ما يعلم من خارج القول أنه كذب ولا بد.
فالذي لا يعلم كذبه من ذات القول، وقد لا يكون طريق إلى علمه من خارج أيضا: هو الاختلاق الإمكاني. وأعني بالاختلاق: أن يدعي الإنسان أنه محب ويذكر محبوبا تيمه ومنزلا شجاه، من غير أن يكون كذلك. وعنيت بالإمكان: أن يذكر ما يمكن أن يقع منه ومن غيره من أبناء جنسه، وغير ذلك مما يصفه ويذكره.
والذي يعلم من خارج القول أنه كذب ولا بد: الاختلاق الامتناعي، والإفراط الامتناعي والاستحالي.
والإفراط: هو أن يغلو في الصفة فيخرج بها عن حد الإمكان على الامتناع أو الاستحالة.
وقد فرق بين الممتنع والمستحيل، بأن الممتنع: هو ما لا يقع في الوجود وإن كان متصورا في الذهن، كتركيب يد أسد على رجل مثلا.
والمستحيل: هو ما لا يصح وقوعه في وجود، ولا تصوره في ذهن ككون الإنسان قائما قاعدا في حال واحدة.
فأما الإفراط الإمكاني فلا يتحقق ما هو عليه من صدق أو كذب، لا من ذات القول ولا من بديهة العقل، بل يستند العقل في تحقق ذلك إلى أمر خارج عنه وعن القول، إلا أن يدل القول على ذلك بالعرض. فلا يعتد بهذا أيضا. وإنما نسميه إفراطا بحسب ما يغلب على الظن.
٨- تنوير: والاختلاق الإمكاني يقع للعرب من جهات الشعر وأغراضه.
وجهات الشعر: هو ما توجه الأقاويل الشعرية لوصفه ومحاكاته مثل: الحبيب، والمنزل، والطيف في طريق النسيب. فمثل هذه الجهات يعتمد وصف ما تعلق بها من الأحوال التي لها علقه بالأغراض الإنسانية، فتكون مسانح لاقتناص المعاني بملاحظة الخواطر ما يتعلق بجهة جهة من ذلك.
والأغراض: هي الهيئات النفسية التي ينحى بالمعاني المنتسبة على تلك الجهات نحوها ويمال بها في صغوها لكون الحقائق الموجودة لتلك المعاني في الأعيان مما يهيء النفس بتلك الهيآت، ومما تطلبه النفس أو تهرب منه، إذا تهيأت بتلك الهيآت.
وسيأتي لهذا فضل بيان في القسم الرابع إن شاء الله.
٩- إضاءة: والاختلاق الامتناعي ليس يقع للعرب في جهة من جهات الشعر أصلا.
وكان شعراء اليونانيين يختلقون أشياء يبنون عليها تخاييلهم الشعرية ويجعلونها جهات لأقاويلهم، ويجعلون تلك الأشياء التي لم تقع في الوجود كالأمثلة لما وقع فيه، ويبنون على ذلك قصصا مخترعا نحو ما تحدث به العجائز الصبيان في أسمارهم من الأمور التي يمتنع وقوع مثلها.
[ ٢٣ ]
وقد قال أبو علي ابن سينا: "وقد كان يستعمل في طراغوذيا أيضًا جزيئات في بعض المواضع مخترعة على قياس المسميات الموجودة. ولكن ذلك من النادر القليل. وفي النوادر قد يخترع اسم شيء لا نظير له من الوجود ويوضع بدل معنى كلي".
وقد ذم ابن سينا هذا النوع من الشعر فقال: "ولا يجب أن يحتاج في التخيل الشعري إلى هذه الخرافات البسيطة التي هي قصص مخترعة". وقال أيضا: "إن هذا ليس مما يوافق جميع الطباع".
١٠- تنوير: فأما أغراض الشعر المنوطة بالجهات المذكورة، فإن العرب كانت لها فيها اختلاقات: منها اقتصادية، ومنها إفراطية. والإفراطية منها ممكنة، وممتنعة، ومستحيلة.
فالكذب الاختلاقي في أغراض الشعر لا يعاب من جهة الصناعة لأن النفس قابلة له، إذ لا استدلال على كونه كذبا من جهة القول ولا العقل. فلم يبق إلا أن يعاب من جهة الدين. وقد رفع الحرج عن مثل هذا الكذب أيضًا في الدين، فإن الرسول ﷺ كان ينشد النسيب أمام المدح، فيصغي إليه ويثيب عليه.
والكذب الإفراطي معيب في صنعة الشعر إذا خرج (من) حد الإمكان إلى حد الامتناع أو الاستحالة.
والإفراط: هو القسم الذي يجتمع فيه الصدق والكذب. فإن الشاعر إذا وصف الشيء بصفة موجودة فيه، فأفرط فيها، كان صادقا من حيث وصفه بتلك الصفة، وكاذبا من حيث أفرط فيها وتجاوز الحد. فهذا قد يجيء منه ما يستحسنه بعض أرباب هذه الصنعة.
وسيأتي تفصيل القول في هذا إن شاء الله.
فأما القسم الثالث وهو القول الصادق، فمنه القول المطابق للمعنى على ما وقع في الوجود، ومنه المقصر عن المطابقة بأن يدل على بعض الوصف ويقع دون الغاية التي انتهى إليها الشيء من ذلك الوصف. فهذا النوع من الصدق في الشعر قبيح من جهة الصناعة وما يجب فيها.
١١- إضاءة: فأغراض الشعر إذا منها حاصلة، ومنها مختلفة. والحاصلة منها ما تكون الأقاويل فيها اقتصادية وتقصيرية وإفراطية. وكذلك المختلفة تكون أقاويلها أيضًا اقتصادية وتقصيرية وإفراطية، والإفراطية: منها إمكانية ومنها امتناعية ومنها استحالية. يتركب منها عشرة أصناف: صنفان منها صادقان: ١- وهي الحاصلة التي أقاويلها اقتصادية، ٢- والحاصلة التي أقاويلها تقصيرية.
وصنف يحتمل الصدق والكذب: وهي الحاصلة التي أقاويلها إمكانية.
وسبعة أصناف كاذبة: ١- وهي الحاصلة التي أقاويلها ممتنعة ٢- والحاصلة التي أقاويلها مستحيلة ٣- والمختلفة التقصيرية ٤- والاقتصادية ٥- والإمكانية ٦- والامتناعية ٧- والاستحالية.
فهذه قسمتها بالنسبة على الصدق والكذب.
١٢- تنوير: وتنقسم من جهة ما يستحسن في الشعر ويستساغ، ومن جهة ما يستساغ ولا يستحسن، ومن جهة ما لا يستساغ ولا يستحسن، على عشرة أقسام: أربعة منها مستحسنة: ١- وهي الحاصلة التي أقاويلها اقتصادية ٢- والحاصلة التي أقوالها إمكانية ٣- والمختلفة التي أقاويلها اقتصادية ٤- والمختلفة التي أقاويلها إمكانية وقسمان منها مستساغان وغير مستحسنين، وهما: ١- الحاصلة التي أقوالها امتناعية، ٢- والمختلفة التي أقاويلها امتناعية أيضًا.
وأربعة منها غير مستساغة ولا مستحسنة، وهي: ١- الحاصلة التقصيرية ٢- والحاصلة الاستحالية، ٣- والمختلفة التقصيرية، ٤- والمختلفة الاستحالية.
فقد ثبت بهذا أن للاستساغة في الكلام الشعري ستة مذاهب، وللاستحسان أربعة مذاهب، وللصدق ثلاثة مذاهب.
كل هذه المذاهب الاستساغية والاستحسانية والصدقية يقع في جميع أنحاء الشعر الثمانية وهي: تحسين حسن له نظير، وتحسين حسن لا نظير له، وتقبيح قبيح له نظير، وتقبيح قبيح لا نظير له، وتحسين قبيح له نظير، وتقبيح حسن لا نظير له.
فالصدق في جميعها يدخل من ثلاثة مذاهب على ما بينته. وهو أكثر وقوعا في بعض هذه الأنحاء منه في بعض، كما تقدم.
[ ٢٤ ]
١٣- إضاءة: وإنما احتجت على إثبات وقوع الأقاويل الصادقة في الشعر لأرفع الشبة الداخلة في ذلك على قوم، حيث ظنوا أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلا كاذبة. وهذا قول فاسد قد رده أبو علي ابن سينا في غير ما موضع من كتبه، لأن الاعتبار في الشعر غنما هو التخييل في أي مادة اتفق، لا يشترط في ذلك صدق ولا كذب، بل أيهما ائتلفت الأقاويل المخيلة منه فبالعرض. لأن صنعة الشعر هي جودة التأليف وحسن المحاكاة، وموضوعها الألفاظ وما تدل عليه.
فالصدق والكذب والشهرة والظن أشياء راجعة على المفهومات التي هي شطر الموضوع، فنسبتها إلى المدلولات التي هي المعاني كنسبة العمومية والحوشية والحال الوسطى بينهما والغرابة إلى الأدلة التي هي الألفاظ. وكل هذه الأصناف من الألفاظ تقع في الشعر. وصناعة الشاعر فيها حسن التأليف والهيئة. كما أن كل تلك المواد تقع فيه. وصناعة الشاعر فيها حسن المحاكاة والنسب والاقترانات الواقعة بين المعاني. وكما أن الألفاظ المستعذبة المتوسطة في الاستعمال أحسن ما يستعمل في الشعر لمناسبتها الأسماع والنفوس، وحسن موقعها منهما، ثم إن الشاعر مع ذلك يستعمل الحوشي والساقط تسامحا واتساعا، حيث تضطره الأوزان والقوافي، فكذلك المعاني التي تكون الأقاويل فيها صادقة أو مشتهرة، أفضل ما يستعمل في الشعر لكونها تحرك النفوس إلى ما يراد منها تحريكا شديدا.
وليست تحرك الأقاويل الكاذبة إلا حيث يكون في الكذب بعض خفاء أو حيث يحمل النفس شدة ولعها بالكلام لفرط ما أبدع فيه على الانقياد لمقتضاه، وإن كان مما يكره ولا يصدق الحاض عليه. ومع هذا فتحريكها دون تحريك الأقاويل الصادقة عام فيها قوي، وتحريك الكذبة خاص فيها ضعيف. وما عم التحريك الصادقة عام فيها قوي، وتحريك الكاذبة خاص فيها ضعيف. وما عم التحريك فيه وقوي كان أخلق بأن يجعل عمدة في الاستعمال حيث يتأتى. كما أن ما عذب من الألفاظ ولم يكن حوشيا ولا عاميا أجدر أن يعتمد في الشعر من غيره. لكن الشاعر أيضًا يضطر حيث يريد تحسين قبيح أو تقبيح حسن أو تتميم ناقص بالنسبة على ما يراد منه بالمبالغة في وصفه لتزيد النفوس زيادة الوصف تحريكا، فيستعمل حينئذ الأقاويل الكاذبة وما لا يوقع الصدق كما يستعمل الحوشي والعامي من الألفاظ مضطرا في ذلك، أو مسامحة للفكر في ما يقتضيه من المعاني أو يجتلبه من الألفاظ عفوا دون كد، أو لأن يرى بعض الأحوال المقدرة التي يتخيلها أهز من الأحوال التي وقعت له، فيبني قوله على الحال المخيلة الممكنة دون الواقعة، ليكون الكلام بذلك أشد موقعا من النفس وعلوقا بالقلب.
١٤- تنوير: فقد تبين أن أفضل المواد المعنوية في الشعر ما صدق وكان مشتهرا، وأحسن الألفاظ ما عذب ولم يبتذل في الاستعمال. وكلامنا ليس واجبا على الشاعر لزومه، بل مؤثرا حيث يمكن ذلك. وتبين بهذا أن قول من قال: إن مقدمات الشعر لا تكون إلا كاذبة كاذب، وأنه بمنزلة من يقول: إن الألفاظ الشعرية لا تكون إلا حوشية ولا تكون مستعملة، لأن الألفاظ المستعملة والمقدمات الصادقة أولى ما يستعمل في الشعر حيث يمكن ذلك ويكون الوضع والغرض لائقا به. وما مثله في قصر الشعر على الكذب مع أن الصدق أنجع فيه إذا وافق الغرض إلا مثل من منع من ذي علة ما هو أشد له موافقة بالنسبة إلى شكاته واقتصر به على أدنى ما يوافقه مع التمكن من هذا وذلك. فإن كان هؤلاء الذين رأيهم هذا نفسوا على الشعراء وقوع الصدق في كلامهم، فلا خلق أشد نفاسة من هؤلاء. وإن كان جرى عليهم سهو وغلط في ذلك، فما أجدر هذه الفطر البشرية والفكر الإنسانية بذلك! ١٥- إضاءة: ولعل الغلط إنما جرى عليهم من حيث ظنوا أن ما وقع من الشعر مؤتلفا من المقدمات الصادقة فهو قول برهاني، وما ائتلف من المشهورات فهو قول جدلي، وما ائتلفت من المظنونات المترجحة الصدق على الكذب فهو قول خطبي، ولم يعلموا أن هذه المقدمات كلها إذا وقع فيها التخييل والمحاكاة كان الكلام قولا شعريا لأن الشعر لا تعتبر فيه المادة، بل ما يقع في المادة من التخييل.
وقد قال أبو علي ابن سينا: "الأقاويل الشعرية مؤتلفة من المقدمات المخيلة من حيث يعتبر تخييلها، كانت صادقة أو كاذبة. وبالجملة تؤلف من المقدمات من حيث لها هيئة وتأليف تقبلها النفس بما فيها من المحاكاة، بل ومن الصدق، فلا مانع من ذلك".
[ ٢٥ ]
فانظر تر كيف قرن هذا الإمام الرئيس صدق الشعر بالمحاكاة، لأن المحاكاة الحسنة في الأقوال الصادقة وحسن إيقاع الاقترانات والنسب بين المعاني مثل التأليف الحسن في الألفاظ الحسنة المستعذبة.
ثم قال ابن سينا: "ولا يلتفت إلى ما يقال من أن البرهانية واجبة والجدلية ممكنة أكثرية والخطابية ممكنة متساوية لا ميل فيها ولا ندرة، والشعرية كاذبة ممتنعة. فليس الاعتبار بذلك، ولا أشار إليه صاحب المنطق".
وقال أبو علي أيضًا في موضع آخر: "وليس يجب في جميع المخيلات أن تكون كاذبة، كما لا يجب في المشهورات وما يخالف الواجب قبوله أن تكون لا محالة كاذبة. وبالجملة التخييل المحرك من القول متعلق بالتعجب منه: إما لجودة هيأته أو قوة صدقه أو قوة شهرته أو حسن محاكاته".
١٦- تنوير: واعلم أن للأقاويل المتعلقة بمناصحة ذوي التصافي، والتي لا يليق بها ذلك هي المقصود بها مغاشة ذوي الأضغان. فلا تكون في ما كان نصحا محضا في الأكثر إلا صادقة.
وإن كان لقاصد النصح أيضًا أن يتعرض للكذب النافع في طريق النصح، كمن يحذر قوما من عدو يتوقع إناخته عليهم، فإن له أن يقرب البعيد ويكثر القليل في ذلك ليأخذوا لأنفسهم بالحزم والاحتياط. ولا تكون في قصد به الغش إلا كاذبة.
وأكثر ما يمال بالأقاويل الشعرية في صغوى الصدق والكذب بحسب هذين المقصدين في مواطن إدارة الآراء والإشارة بوجوه الحيل والمكائد والتدابير لما يستقبل ويتوقع.
وهذه الأقاويل هي التي يسميها أبو علي ابن سينا "بالمنشوريات".
١٧- إضاءة: فقد تبين من هذا ومما قبله أن الشعر له مواطن لا يصلح فيها إلا استعمال الأقاويل الصادقة، ومواطن لا يصلح فيها إلا استعمال الأقاويل الكاذبة، ومواطن يصلح فيها استعمال الصادقة والكاذبة واستعمال الصادقة أكثر وأحسن، ومواطن يحسن فيها استعمال الصادقة والكاذبة واستعمال الكاذبة أكثر وأحسن، ومواطن تستعمل فيها كلتاهما من غير ترجح. فهي خمسة مواطن، لكل مقام منها مقال.
وقد بين أبو علي ابن سينا كون التخييل لا يناقض اليقين وكون القول الصادق في مواطن كثيرة أنجع من الكاذب. فقال: "والمخيل هو الكلام الذي تذعن له النفس فتنبسط لأمور أو تنقبض عن أمور من غير روية وفكر واختيار. وبالجملة تنفعل له انفعالا نفسانيا غير فكري، سواء كان المقول مصدقا به. فإن كونه مصدقا به غير كونه مخيلا أو غير مخيل. فإنه قد يصدق بقول من الأقوال ولا ينفعل عنه، فإن قيل مرة أخرى أو على هيئة أخرى انفعلت النفس عنه طاعة للتخيل لا للتصديق. فكثيرا ما يؤثر الانفعال ولا يحدث تصديقا، وربما كان المتيقن كذبه مخيلا. وإن كانت محاكاة الشيء لغيره تحرك النفس وهو كاذب فلا عجب أن تكون صفة الشيء على ما هو عليه تحرك النفس وهو صادق، بل ذلك أوجب، لكن الناس أطوع للتخييل منهم للتصديق. وكثير منهم إذا سمع التصديقات استكرهها وهرب منها. وللمحاكاة شيء من التعجيب ليس للصدق لأن الصدق المشهور كالمفروغ منه، ولا طراءة له. والصدق المجهول غير ملتفت إليه. والقول الصادق إذا حرف عن العادة وألحق به شيء تستأنس به النفس فربما أفاد التصديق والتخييل معا، وربما شغل التخييل عن الالتفات إلى التصديق والشعور به".
وقد قال أبو نصر في كتاب الشعر: "الغرض المقصود بالأقاويل المخيلة أن ينهض السامع نحو فعل الشيء الذي خيل له فيه أمر ما من طلب له أو هرب عنه".
ثم قال: "سواء صدق بما يخيل إليه من ذلك أم لا كان الأمر في الحقيقة على ما خيل له أو لم يكن".
فأنت ترى هذين الرجلين كيف جعلا التخييل قد يكون بما هو حقيقة في الشيء، وقد يكون بما لا حقيقة له.
١٨- تنوير: وإنما غلط في هذا -فظن أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلا كاذبة- قوم من المتكلمين لم يكن لهم علم بالشعر، لا من جهة مزاولته ولا من جهة الطرق الموصلة إلى معرفته.
ولا معرج على ما يقوله في الشيء من لا يعرفه، ولا التفات إلى رأيه فيه. فإنما يطلب الشيء من أهله. وإنما يقبل رأي المرء فيما يعرفه. وليس هذا جرحة للمتكلمين ولا قدحا في صناعتهم، فإن تكليفهم أن يعلموا من طريقتهم ما ليس منها شطط.
[ ٢٦ ]
والذي يورطهم في هذا أنهم يحتاجون إلى الكلام في إعجاز القرآن، فيحتاجون إلى معرفة ماهية الفصاحة والبلاغة من غير أن يتقدم لهم علم بذلك، فيفزعون إلى مطالعة ما تيسر لهم من كتب هذه الصناعة. فإذا فرق أحدهم بين التجنيس والترديد، وماز الاستعارة من الإرداف، ظن أنه قد حصل على شيء من هذا العلم، فأخذ يتكلم في الفصاحة بما هو محض الجهل بها. ومثلهم في هذا مثل رجل، شاهدت له هذه القصة التي أذكرها، بمرسيه: وذلك أنه مرض له صاحب كان يعز عليه ويرى في حياته حياته، ولم يكن له علم بالطب والنظر فيها ليعالج صاحبه المريض. فانسلخت عنه ليلة وهو يتعاطى في غدها من المعالجة الطيبة ما لم يكن يتعاطاه في أمسه، إذ كان قد ظن أنه قد اكتسب معرفة صناعة الطب من ليلته. ثم شرع من صبيحته في معالجة صاحبه المريض، فقضى عليه في اليوم الثاني بثريدة أطعمها إياه رأى أنها تصلح به.
فكما أن هذا الرجل أصبح جالينوسا من ليلته كذلك يريد المتكلم في الفصاحة من المتكلمين أن يصبح من ليلته جاحظا وقدامة إن شاء. (الطويل -ق- المتواتر)
وإن كلام المرء ما لم تكن له حصاة على عوراته لدليل
١٩- إضاءة: وكيف يظن إنسان أن صناعة البلاغة يتأتى تحصيلها في الزمن القريب. وهي البحر الذي لم يصل أحد إلى نهايته مع استنفاد الأعمار فيها! وإنما يبلغ الإنسان منها ما في قوته أن يبلغه. ألا ترى أن كثيرا من العلوم قد نفذ فيها قوم في أزمنة لا تستغرق إلا جزءا يسيرا من العمر؟! وهذا أبو الطيب المتنبي، وهو إمام في الشعر، لم يستقم شعره إلا من مزاولة الصناعة عشرين سنة، ثم زاولها بعد ذلك زمنا طويلا، وتوفي وهو يصيب فيها ويخطئ. وهذا ليس مختصا به وحده، بل كل إمام ناظم أو ناثر هذه غايته، إذ كانت هذه الصناعة تتشعب وجوه النظر فيها إلى ما لا يحصى كثرة. فقلما يتأتى تحصيلها بأسرها والعلم بجميع قوانينها لذلك. وسائرها من العلوم ممكن أن يتحصل كله أوجله. وليس هذا تفضيلا لصناعة البلاغة على غيرها من العلوم، إذ ليس يلزم إذا كان علم أشد تشعبا من علم آخر أن يكون أفضل منه، بل المفاضلة بين العلوم من جهات أخر وعلى ما ذكرته.
فلو قدرنا أن إنسانا ذكيا ينظر في علم من العلوم شهرا أو عاما لتحصلت له من ذلك العلم مسائل محققة، ولا يحصل له في هذا القدر من الزمان من هذه الصناعة شيء يعتد به، إذ أكثر ما يستحسن ويستقبح في علم البلاغة له اعتبارات شتى بحسب المواضع. فقد يحسن في موضع ما يقبح في موضع ويقبح في موضع ما يحسن في موضع، ولا يقف الإنسان على تلك المواضع إلا بطول المزاولة. ولا يشرف الإنسان على جمل من تلك المواضع يمكنه أن يستنبط بها أحكام ما سواها إلا بكثرة الفحص والتنقيب عما يجب اعتماده في جميع أحوال الصناعة من إيثار ما يجب أن يؤثر وترجيح مت يجب أن يرجح بالنظر إلى الشيء في نفسه أو النظر إلى ما يقترن به أو إلى ما هو خارج عن ذلك مما تقدم التعريف به.