لا يخلو الشيء المقصود مدحه أو ذمه من أن يوصف بما يكون فيه واجبا أو ممكنا أو ممتنعا أو مستحيلا. والوصف بالمستحيل أفحش ما يمكن أن يقع فيه جاهل أو غالط في هذه الصناعة. والممتنع قد يقع في الكلام إلا أن ذلك لا يستساغ إلا على جهة من المجاز. والفرق بين الممتنع والمستحيل: أن المستحيل هو الذي لا يمكن وقوعه ولا تصوره، مثل أن يكون شيء طالعا نازلا في حال. والممتنع هو الذي يتصور وإن لم يقع كتركيب عضو من حيوان على جسد من حيوان آخر.
١- إضاءة: فمدار الأوصاف إذن -بالنظر إلى ما يستساغ ويوثر- إنما هو على ما كان واجبا واقعا، أو ممكنا معتاد الوقوع، أو مقدره. والممكن لا يخلو من أن تتوفر فيه دواعي الإمكان أو أن تقل. وكلما توفرت دواعي الإمكان كان الوصف أوقع في النفس وأدخل في حيز الصحة. ولهذا يقال: ممكن قريب وممكن بعيد.
٢- تنوير: والواجب الثابت الوقوع لا يخلو من أن يكون متناهيا في الخال التي هو عليها، أو قاصرا فيها، أو وسطا بين المتناهي والقاصر. وكل ذلك لا يخلو من أن يكون الوصف به تحسينا للموصوف ومدحا له، أو تقبيحا له وذما. والمدح بالقاصر مما يحسن تقصير في المدح. والذم بالقاصر مما يقبح تقصير في الذم.
[ ٤٣ ]
٣- إضاءة: فبهذا الترتيب يتبين ما يصح ويحسن من المبالغة، وما لا يصح منها ولا يحسن. فإن العلماء بصناعة البلاغة متفقون على أن ما أدى إلى الإحالة قبيح. وقد خالف في هذا جماعة ممن لا تحقيق عنده في هذه الصناعة ولا بصيرة له بها، فاستحسنوا من المبالغة ما خرج عن حد الحقيقة إلى حيز الاستحالة، واحتجوا بمطالبة النابغة حسان بن ثابت بالمبالغة في أوصافه حين أنشده قوله: (الطويل -ق- المتدارك)
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فقال له: "قللت جفانك وسيوفك، ولو قلت الجفان والسيوف لكان أبلغ". والبصراء بصناعة البلاغة العارفون بما يجب فيها يقولون: إنما طالب النابغة حسانا بمبالغة حقيقة، وهي تكثير الجفان والسيوف. فاستدرك عليه التقصير عما يمكن فيما وصف، ولم يطالبه بتجاوز غاية الممكن والخروج إلى ما يستحيل.
٤- تنوير: وقد يستساغ الوصف بما يؤدي إلى الإحالة حيث يقصد التهكم بالشيء أو الزراية عليه والإضحاك به. كقول الطرماح: (الطويل -ق- المتدارك)
ولو أن برغوثا على ظهر قملة يكر على صفي تميم لولت
فهذا وأشباهه إنما استعمل على جهة الزراية والإضحاك. فهو مقصود به غرض ما، يسوغ دونه.
٥- إضاءة: وإنما جرى الغلط على كثير من الناس في هذا حيث لم يفرقوا بين الوصف الذي لا يخرج عن حد الإمكان وإن لم يثبت وقوعه، وبين الخارج إلى حيز الاستحالة. وغلطتهم في ذلك أبيات وقعت فيها مبالغات خفيت عليهم فيها جهات الإمكان، فظنوا أنها من الممتنعة أو المستحيلة.
ومثل ذلك من المبالغات التي يمكن أن تتصور لها حقيقة وأن تصرف إلى جهة الإمكان، وإن كان مما يستندر وقوع مثله قول المتنبي: (الطويل -ق- المتدارك)
وأنى اهتدى هذا الرسول بأرضه وما سكنت مذ سرت فيها القساطل
ومن أي ماء كان يسقي جياده ولم تصف من مزج الدماء المناهل
فهذا مستساغ مقبول من حيث يمكن أن تتصور له حقيقة وإن لم تكن واقعة، إذ كانت كثرة الجيوش لا حد لها. ومتى قدرت الزيادة في مقدار منها وإن كثر أمكنت. فجائز أن يغزو أرض قوم من الجيوش ما يصير حزنها سهلا وخيارها وعثا حتى يصير صخرها رهجا وترابها إهبا، فيثور نقعها بأقل حركة أو نفس فلا تسكن القساطل فيها مدة. فأراد المبالغة في جيش ممدوحه فجعله بالغا إلى هذا المقدار. وكذلك سفك الدماء ليس له حد ينتهى إليه. ومتى قدرت الزيادة في مقدار منه أمكنت، فجائز في حق ممدوحه أن يريق من دماء أعدائه ما تكدر منه المياه مدة. فأراد المبالغة في ما أراق هذا الممدوح من دماء الروم، فجعله بالغا إلى ذلك المقدار.
ولا يلزم أبا الطيب أن يكون صادقا في ذلك، لأن صناعة الشعر لها أن تستعمل الكذب إلا أنها لا تتعدى الممكن من ذلك أو الممتنع إلى المستحيل، وإن كان الممتنع فيها أيضًا دون الممكن في حسن الموقع من النفوس.
٦- تنوير: فأما مثل قول أبي الطيب في وصف الأسد: (الكامل -ق- المترادف)
سبق التقاءكه بوثبة هاجم لو لم تصادفه لجازك ميلا
فقبيح، غذ لا يمكن في جرم الأسد وقوته من الزيادة ما أمكن في الجيوش والدماء.
وبهذا الاعتبار يتبين لك ما يحسن من المبالغة وما لا يحسن وما يسوغ منها وما لا يسوغ. فمن اعتمده حمده إن شاء الله.