حسن المآخذ، في المنازع التي ينزع بالمعاني والأساليب نحوها، يكون بلطف المذهب في الاستمرار على الأساليب والاطراد في المعاني والإثلاج إلى الكلام من مدخل لطيف. فيوجد للكلام بذلك طلاوة وحسن موقع من النفس لا توجد مع وضعه على خلاف تلك الهيأة والإثلاج إليه من غير ذلك المدخل. وهذا النوع من الكلام لا يكاد يميزه إلا الناقد البصير الجيد الطبع.
ولك أن تعتبر حسن المأخذ في المعاني والعبارات عنها بقول أبي تمام: (البسيط -ق- المتراكب)
يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا
فلو أخلى المعنى من التعجب واقتصر على إيجاب بعد غاية الدمع لبعدهم لم يكن له من حسن الموقع ما له في هذه العبارة التي أورده فيها. وكذلك أيضًا لو عبر عن معنى التعجب بغير هذه العبارة فقال: (ما أبعد غاية دمع العين إن بعدوا) لم يكن له من حسن الموقع ما له في هذه العبارة التي أورده فيها باقتران التعجب بالمعنى في صورة النداء حسن منزع في الكلام ولطف مأخذ فيه.
١- إضاءة: وقد يرد من حسن المأخذ ما لا يقدر أن يعبر عن الوجه الذي من اجله ولا يعرف كنهه، غير أنه يعرف مأخذ حسن في العبارة من حيث إنك إذا حاولت تغيير العبارة عن وضعها والإثلاج إليها من غير المهيع الذي منه أثلج واضعها وجدت حسن الكلام زائلا بزوال ذلك الوضع والدخول إليه من غير ذلك المدخل، واعتبر ذلك بقول أبي سعيد المخزومي: (البسيط -ق- المتراكب)
ذنبي إلى الخيل كري في جوانبها إذا مشى الليث فيها مشي مختتل
فإنك لو غيرت صيغة هذا البيت وأزلتها عن موضعها، فقلت مثلا: (كم أذنبت إلي الخيل بكري في جوانبها) أو غيرته غير هذا التغيير لم نجد له من حسن الموقع من النفس، ما له في صيغته ووضعه الذي وضعه عليه المخزومي.
٢- تنوير: وقد جارانا الكلام في هذا الباب الفقيه العلامة أبو الحسن سهل بن مالك، وكان إماما في هذه الصناعة، وهناك الكاتب الأبرع أبو المطرف ابن عميرة نسيج وحده في البلاغة.
[ ١١٨ ]