لما كان أهل طريقة الهزل يشاركون أهل طريقة الجد في كثير من المعاني والعبارات ويستعملون ذلك في كلامهم وطريقتهم بساطا إلى ما يريدونه من معاني الهزل التي هي غاية طريقتهم، وتلك المعاني والعبارات المشترك فيها هي التي هي في أنفسها كلام جدي ليس فيه تعرض لما يقدح في الطريقة الهزلية، ولم يحتج في طريقة الجد إلى شيء يكون لها بساطا من معانيا هزل، وكانت طريقة الهزل بجملتها منافية لأهل طريقة الجد، ولمك تكن طريقة الجد بجملتها منافية لأهل طريقة الهزل وجب أن تأخذ طريقة الهزل من طريقة الجد أخذا خاصا، وألا تأخذ طريقة الجد من طريقة الهزل شيئا - اللهم - إلا أن يشير مشير إلى غرض من أغراضها مما لا يقدح في طريقة الجد كبير قدح وتكون مع ذلك إشارته في المظنة اللائقة بها، فإن ذا الجد قد يأتي من الهزل بما يخف في بعض المواضع - فإن الكريم قد يطرب، وقد يحتاج إلى إطرابه، ولكل مقام مقال - لكنه يحتاج من بنى كلامه على الجد - ثم أراد أن يلم بشيء من الهزل - أن يتلطف في التدرج من الجد إلى الهزل، وأن يشعر بان ما ألم به من ذلك شيء لا حقيقة له، وإنما هو على جهة المزح والدعابة ليبسط بذلك من النفوس ويحرك. فكثير من معاني الهزل تحرك ذا الجد وتطربه وإن لم يكن من ِانه. وقد قال ابن الرومي معتذرا عن شيء وقع له من الهزل في قصيدة مدحية: (الخفيف -ق- المترادف)
وأرى أن معشر سيقولو ن: سخيف من الرجال لعوب
[ ١٠٥ ]
أين عنه، وأين ما يدعيه من علوم لحامليها قطوب
ولعمري إن الحكيم وقور ولعمري إن الكريم طروب
وقد قال سقراط: (حكاية الهزل لذيذة سخيف أهلها، وحكاية الجد مكروهة، وحكاية الممزوج منهما معتدل. ولا يقبل شاعر يحكي كل جنس، بل نطرده وندفع ملاحته وطيبه، ونقبل على شاعرنا الذي يسلك مسلك الجد فقط) .
١- إضاءة: ومما تختص به طريقة الهزل ويجب اعتماده فيها أن تكون النفس في كلامها مسفة إلى ذكر ما يقبح أن يؤثر، وألا تقف دون أقصى ما يوقع الحشمة، وألا تكبر عن صغير ولا ترتفع عن نازل، وألا تطرح ما له باطن هزلي وإن كان له ظاهر جدي، وأن ترد ما يفهم منه الجد إلى ما يفهم منه الهزل بتخليص ذلك إلى حيز الهزل بما يجعل مخلصا إلى ذلك من توطئة أو غير ذلك. ويقع مثل هذا بتضمين، ويقع بغير تضمين، وأكثر ما يتفق هذا مع اللفظ المشترك.
ومن هذا النوع تضمين بعضهم قول مهلهل: (طويل -ق- المترادف)
فلولا الريح أسمع من بنجد صليل البيض تقرع بالذكور
أبيات هجاء، فصرف البيت إلى غير مقصد مهلهل حيث وجد الألفاظ المشتركة صالحة لأن يدل بها على ذلك.
٢- تنوير: ومن ذلك أن تتحرى في عباراتها الرشاقة، وألا يتسامح في كثير من التكلف المتسامح فيه في طريقة الجد.
٣- إضاءة: ومن ذلك شيوع استعمال العبارات الساقطة والألفاظ الخسيسة ككثير من ألفاظ الشطار المتماجنين وأهل المهن والعوام والنساء والصبيان على الوجه الذي تقبل به الطريقة ذلك، وربما أوردوا ذلك على سبيل الحكاية. وهذا موجود في مجون أبي نواس كثيرا وغير منقود عليه، ذلك لأنه لائق بالموضع الذي أورده فيه من أشعاره التي بقصد بها الهزل. وليس يسوغ إيراد شيء من ذلك ولا حكايته لمن طريقته الجد. فقد عاب بعض المتكلمين في هذه الصناعة قول أبي نصر ابن نبانة: (الرمل -ق- المترادف)
وقال لنا الزمان: ظلمتموهم فقلنا للزمان: دع الفضولا
لأن هذا ليس من نمط ما بنى عليه كلامه من الجد، وهو أشبه بكلام الشطار. ولو ورد مثل هذا في شعر ابن حجاج وأرابه من أهل الهزل والمجون لكان مرضيا مختارا بالنسبة إلى طريقته.
٤- تنوير: ويستساغ في طريقة الهزل استعمال التصاريف التي شاعت في ألسن الناس وتكلم بها المحدثون وإن لم تقع في كلام العرب إلا على ضعف وقلة. فأما العبث في العبارات والزيادة في حروف الكلم على ما سمع من العرب كقول بعضهم: (مقصر الطويل -ق- المترادف)
شر بربت بماخور على دف وطنبور
فليس يقع مثل هذا لمن يقصد أن يكون كلامه عربيا. وإنما يقع لمن قصده العبث وشوب الفصاحة باللكنة والعروبة بالعجمة، فليس على مثل هذا كلام.