[ ١١٤ ]
إنه إذا تمادى استمرار الشاعر في الأسلوب على معان من شان النفس أن تنقبض عنها وتستوحش منها فقد يحق عليه أن يؤنس النفوس من استحياشها ويبسطها من قبضها بمعان يكون حال النفس بها غير تلك الحال لكونها ملائمة للنفوس باسطة لها. فيميل بالأسلوب فيصوغها ويلتفت من جهات تلك المعاني الموحشة إلى جهات هذه المؤنسة ويتلطف فيما يجمع بين القبيلين من بعض الوصل والمآخذ التي بها ينتقل من بعض المعاني إلى بعض، على ما تقدمت الإشارة إليه في مواضع.
١- إضاءة: وإنما تتوالى المعاني الموحشة في الأساليب التي تذكر فيها أحوال لا تستطاب إلا لغرض. وذلك مثل ما يذكر من أحوال الخطوب وأوصاف الحروب. فقد يستطيب الإنسان ذكر إيقاع له بأعدائه، وليس كل إنسان يتشفى بذلك تشفيه، وكذلك المراثي قد يقع الإفراط في ذكر المعاني المفجعة فيها من خلصان المرثي أشفى موقع.
٢- تنوير: وليس يستعمل الكلام بالنظر إلى من قصد بالقول أولى ممن اتفق له بالعرض سكون نفس إلى ما تسكن النفوس إليه خاصة بل بالنظر إليه وإلى غيره ممن يقدر مرور ذلك الكلام على سمعه عامة. فلذلك ينبغي أن يشعشع المعاني الموحشة من جهة ما يراد إلقاؤه بمحل القبول من كل سامع بمعان مؤنسة تتعلق بغير الجهة التي تعلقت الموحشة بها، لكن يتلطف فيما يجمع بين القبلين على النحو الذي أشرنا إليه أولا، حتى لا يكون الكلام بذلك منافرًا من قصد به قصدا أوليا خاصا أو قصدا ثانيا عام.
ومثل هذا قول المتنبي في ما تعلق بصفة الحرب: (البسيط -ق- المتراكب)
مازال طرفك يجري في دمائهم حتى مشى بك مشي الشارب الثمل
ومن ذلك تصوير الشريف الرضي ما يبسط النفس من ذكر الكون والنشء والحمل والرضاع في مظنة ما يقبضها من حالي البلى والهمود، وذلك قوله: (البسيط -ق- المتراكب)
أرسى النسيم بواديكم، ولا برحت حوامل المزن في أجداثكم تضع
ولا يزال جنين النبت ترضعه على قبوركم العراصة الهمع
٣- إضاءة: وينبغي ألا يطرد في هذه المعاني المؤنسة اطراد كثيرا، فإنه خروج بالأسلوب عن مهيعه، ولكن يؤتى من ذلك بالمعنى والمعنيين ونحو ذلك في الفصل بعد الفصل ويلمع كذلك في الموضع بعد الموضع.