إن الحذاق من الشعراء - المهتدين بطباعهم المسددة إلى ضروب الهيئات التي يحسن بها موقع الكلام من النفس من جهة لفظ أو معنى أو نظم أو أسلوب - لما وجدوا النفوس تسأم التمادي على حال واحدة وتؤثر الانتقال من حال إلى حال، ووجدوها تستريح إلى استئناف الأمر بعد الأمر واستجداد الشيء بعد الشيء. ووجدوها تنفر من الشيء الذي لم يتناه في الكثرة إذا أخذ مأخذا واحدا ساذجا ولم يتحيل فيما يستجد نشاط النفس لقبوله بتنويعه والافتنان في أنحاء الاعتماد به، وتسكن إلى الشيء وإن كان متناهيا في الكثرة إذا أخذ من شتى مآخذه التي من شأنها أن يخرج الكلام بها في معاريض مختلفة واحتيل في ما يستجد نشاط النفس لقبوله من توعيه والافتنان في أنحاء الاعتماد به اعتمدوا في القصائد أن يقسموا الكلام فيها إلى فصول ينحى بكل فصل منها محنى من المقاصد ليكون للنفس في قسمة الكلام إلى تلك الفصول والميل بالأقاويل فيها إلى جهات شتى من المقاصد وأنحاء شتى من المآخذ استراحة واستجداد نشاط بانتقالها من بعض الفصول إلى بعض وترامي الكلام بها إلى أنحاء مختلفة من المقاصد - فالراحة حاصلة بها لافتنان الكلام في شتى مذاهبه المعنوية وضورب مبانيه النظمية - واعتنوا باستفتاحات الفصول وجهدوا في أن يهيؤوها بهيئات تحسن بها مواقعها من النفوس وتوقظ نشاطها لتلتقي ما يتبعها ويتصل بها، وصدروها بالأقاويل الدالة على الهيئات التي من شان النفوس أن تتهيأ بها عند الانفعالات والتأثرات لأمور سارة أو فاجعة أو شاجية أو معجبة بحسب ما يليق بغرض الكلام من ذلك، وقصدوا أن تكون تلك الأقاويل مبادئ كلام من جهة ما نحي بها من أنحاء الوضع أو محكومها لها بحكم المبادئ وإن وصلها بما قبلها واصل لكونها مستقلة بأنفسها من جهة الوضع الذي يخصها، فيكون استئناف الكلام على ذلك النحو وصوغه على تلك الهيآت مجددا لنشاط النفس ومحسنا لموقع الكلام منها.
١- إضاءة: ولما كان اعتماد ذلك في رؤوس الفصول ووجودها أعلاما عليها وإعلاما بمغزى الشاعر فيها، وكان لفواتح الفصول بذلك بهاء وشهرة وازديان حتى كأنها بذلك ذوات غرر رأيت أن أسمي ذلك بالتسويم وهو أن يعلم على الشيء وتجعل له سيمى يتميز بها. وقد كثر استعمال ذلك في الوجوه والغرر، كما قال ابن الرومي: (الطويل -ق- المتدارك)
سما سموة نحو المساء بغرة مسمومة قد ما بسيمى سجودها
فلذلك كان هذا اللقب لائقا بما وضع عليه. وأيضا فإنا سمينا تحلية أعقاب الفصول بالأبيات الحكمية والاستدلالية بالتحجيل ليكون اقتران صنعة رأس الفصل وصنعة عجزه نحوا من اقتران الغرة بالتحجيل في الفرس.
٢- تنوير: فإذا اطرد للشاعر أن تكون فواتح فصوله على هذه الصفة واستوسق له الإبداع في وضع مباديها على أحسن ما يمكن من ذلك صارت القصيدة كأنها عقد مفصل، وتألفت لها بذلك غرر وأوضاح وكان اعتماد ذلك فيها أدعى إلى ولوع النفس بها وارتسامها في الخواطر لامتياز كل فصل منها بصورة تخصه.
٣- إضاءة: وإذا اتجه أن يكون الانتقال من بعض صدور الفصول إلى بعض على النحو الذي يوجد التابع فيه مؤكدا لمعنى المتبوع ومنتسبا إليه من جهة ما يجتمعان في غرض ومحركا للنفس إلى النحو الذي حركها الأول أو إلى ما يناسب ذلك، كان ذلك أشد تأثيرا في النفوس وأعون على ما يراد من تحسين موقع الكلام منها.
٤- تنوير: وممن كان يحسن الاطراد في تسويم رؤوس الفصول على النحو الذي ذكرته أبو الطيب المتنبي، وذلك نحو قوله: (الطويل -ق- المتدارك)
أغالب فيك الشوق، والشوق أغلب وأعجب من ذا الهجر، والوصل أعجب
فضمن هذا البيت من الفصل الأول تعجيبا من الهجر الذي لا يعاقبه وصل، ثم أكد التعجيب في البيت الثاني الذي هو تتمة الفصل الأول، ثم ذكر من لجاج الأيام في بعد الأحباء وقرب الأعداء، وكان ذلك مناسبا لما ذكر في الهجر.
٥- إضاءة: ثم افتتح الفصل الثاني بالتعجب من وشك بينه وسرعة سيره فقال:
[ ٩٦ ]
ولله سيري ما أقل تئية عشية شرقي الحد إلى غرب
فكان هذا الاستفتاح مناسبا للبيتين المتقدمين من جهة التعجب وذكر الرحيل، ثم بين حاله وحال من ودعه عند الوداع.
٦- تنوير: ثم استفتح الفصل الثالث بتذكر العهود السارة وتعديدها فقال:
وكم لظلام الليل عندك من يد تخبر أن المانوية تكذب
فكان هذا مناسبا لمفتتح الفصل الثاني في أنه تذكر فيه موطن البين فتلا ذلك بتذكر موطن الوصل والقرب في صدر هذا الفصل الثالث، ثم تمم هذا الفصل بذكر ما اقترن بذلك الوصل من محاذرة الرقبة.
٧- إضاءة: ثم استفتح الفصل الرابع بتذكر الحال التي حاذر فيها الرقبة عند رحيله عن سيف الدولة، فشبه اليوم الذي كان فيه ذلك بليل العاشقين في الطول وفي أنهم يحذرون فيه الرقبة فقال:
ويوم كليل العاشقين كمنته أراقب فيه الشمس أيان تغرب
ثم اطرد كلامه في هذا الفصل في وصف الفرس وانتقل فيه من معان جزئية إلى معان كلية يمكن معها أن يعتقد في الكلام انه فصل واحد، وأن يعتقد أنه فصلان ويكون رأس الفصل الثاني قوله:
وما الخيل إلا كالصديق قليلة وإن كثرت في عين من لا يجرب
٨- تنوير: ثم استفتح الفصل الخامس أو السادس على الاعتبار الثاني بذم الدنيا وما تؤول إليه أحوالها وتعقب به صروفها من مثل ما قدم من ذكر الفراق والبعاد والهجر ومكابدة الأعداء، وتوجع مما يصيب كل بعيد الهم فيها فقال:
لحى الله ذي الدنيا مناخا لراكب فكل بعيد الهم فيها معذب
فاطرد له الكلام في جميع ذلك أحسن اطراد، وانتقل في جميع ذلك من الشيء إلى ما يناسبه وإلى ما هو منه بسبب ويجمعه وإياه غرض. فكان الكلام بذلك مرتبا أحسن ترتيب ومفصلا أحسن تفصيل وموضوعا بعضه من بعض أحكم وضع.
فعلى هذا النحو يجب أن تكون المآخذ في استفتاحات الفصول ووضع بعضها من بعض. وهذا الفن من الصناعة ركن عظيم من أركان الصناعة النظمية لا يسمو إليه إلا من قويت مادته وفاق طبعه. وقد أرشدناه إلى السبيل المؤدية إلى حسن التصرف في ذلك. فمن ائتم بما رسمته في ذلك لم يضل إن شاء الله.