لما كان الكلام أولى الِياء بان يجعل دليلا على المعاني التي احتاج الناس إلى تفاهمها بحسب احتياجهم إلى معاونة بعضهم بعضا على تحصيل المنافع وإزاحة المضار وإلى استفادتهم حقائق الأمور وإفادتها وجب أن يكون المتكلم يبتغي إما إفادة المخاطب، أو الاستفادة منه. إما بأن يلقي إليه لفظا يدل المخاطب إما على تأدية شيء من المتكلم إليه بالفعل أو تأدية معرفة بجميع أحواله أو بعضها بالقول، وإما بان يلقي إليه لفظا يدله على اقتضاء شيء منه إلى المتكلم بالفعل أو اقتضاء معرفة بجميع أحواله أو بعضها بالقول؛ وكان الشيء المؤدى بالقول لا يخلو من أن يكون بينا فيقتصر به على الاقتصاص أو يكون مشتكلا فيؤدى على جهات من التفصيل والبيان والاستدلال عليه والاحتجاج له.
فكلام المتكلم فيما يؤديه قسمان: قسم يقع فيه الاستدلال وقسم الاستدلال فيه.
وكلامه فيما يقتضيه من المخاطب قسم واحد في أكثر الأمر، لأن الإجابة بالاستدلال أو عدمها في ذلك للمخاطب. وليس ذلك من كلام المتكلم إلا أن يحكي ما دار بينه وبين مخاطبه، فيكون ذلك كالتركيب من القسمين، وليس به على الحقيقة لكون ذلك ليس من كلام واحد.
١- إضاءة: ولا يخلو فيما حكاه من ذلك أن يكون مسلما أو محاجا. فإن كان مسلما فهو الذي أشرنا إليه، وإن كان محاجا كان ذلك من باب المشاجرة. وهو متركب من تأدية المخاطب نقيض ما أداه المتكلم، والمتكلم نقيض ما أداه المخاطب، كما أن باب الإشارة أيضًا مركب من تأدية واقتضاء، لأن المتكلم يؤدي إلى المخاطب رأيه ويقتضي قبوله.
٢- تنوير: وجملة ما ينقسم إليه الكلام من جهة ما يقع فيه من تأدية واقتضاء باعتبار البساطة فيهما والتركيب ستة أقسام: ١- تأدية خاصة ٢- أو اقتضاء خاصة.
٣- أو تأدية واقتضاء معا.
٤- وتأديتان من المتكلم والمخاطب.
٥- أو اقتضاءان منهما: فكان هذا يكون على جهة من الحيدة بأن يقتضي المتكلم من المخاطب شيئا فيقتضي المخاطب من المتكلم شيئا آخر قل أن يؤدي إلى المتكلم ما اقتضاه.
٦- أو يكون مركبا من اقتضاء المتكلم تتبعه تأدية من المخاطب على جهة السؤال والجواب.
فإذا حكى المتكلم كلام المخاطب مع كلامه، أو حكى كلامهما معا غيرهما، وجد الكلام ينقسم على هذا الاعتبار بحسب البساطة والتركيب ستة أقسام.