أوزان الشعر منها متناسب تام التناسب متركب التناسب متقابلة متضاعفة، وذلك كالطويل والبسيط. فإن تمام التناسب فيها مقابلة الجزء بمماثله، وتضاعف التناسب هو كون الأجزاء التي لها (لها) مقابلات أربعة، وتركب التناسب هو كون ذلك في جزأين متنوعين كفعولن ومفاعيلن في الطويل، وتقابل التناسب هو كون كل جزء موضوعا من مقابله في المرتبة التي توازيه، فإن كان الواحد في صدر الشطر الأول كان الآخر في صدر الشطر الثاني، وإن كان ثانيا كان مقابله ثانيا، وإن ثالثا فثالث. فالأعاريض التي بهذه الصفة هي الكاملة الفاضلة. وكلما نقص عروضا شرط من هذه الشروط أو أكثر كان في الرتبة من مقاربة الكلام أو مباعدته بقدر ما نقص منه.
١- إضاءة: وأوزان الشعر منها سبط، ومنها جعد، ومنها لين، ومنها شديد، ومنها متوسطات بين السباطة والجعودة، وبين الشدة واللين وهي أحسنها. والسبطات هي التي تتوالى فيها ثلاثة متحركات، والجعدة هي التي تتوالى فيها أربعة سواكن من جزأين أو ثلاثة من جزء، وأعني بتواليها ألا يكون بين ساكن منها وآخر إلا حركة. والمعتدلة هي التي تتلاقى فيها ثلاثة سواكن من جزأين، أو ساكنان في جزء. والقوية هي التي يكون الوقوف في نهاية أجزائها على وتد أو سببين، ويكون طرفاه التي يكون الوقوف في نهاية أجزائها على سبب واحد، ويكون طرفاه قابلين للتغيير. وإذا تركب الضعيف مع القوي فربما غطى على ضعفه، وخصوصا إذا حدثت في التركيب جعودة كالحال في الخفيف. فإن تركب الضعيف مع معتدل لم يخف معه ضعفه كالحال في المديد.
[ ٨٣ ]
٢- تنوير: فأما التغييرات اللاحقة للأوزان فمنهما ما يكون بنقص بعض أجزاء الوزن، ومنها ما يكون بزيادة. فأما النقص فضروب الزحاف الواقع في الأسباب بحذف بعض سواكنها وإسكان بعض متحركاتها. وكذلك أيضًا قد يقع التغيير في الأوتاد بتسكين أول متحركها، وذلك حيث تكون جزءا من فاصلة لم يتضاعف فيها تغيير، أو بحذف ثواني الأسباب الثقيلة وأوائل الأوتاد المجموعة في صدور البيت ويسمى خرما. وحذف أول الوتد في صدور البيوت أحسن من حذف ثاني السبب الثقيل. ويجب أن يكون لمورد الأبيات، قاصدا إقامة أوزانها، فضل اعتماد وتوقرات وإشباعات الحركات وما ينتسب إليها من الحروف القابلة للمد والإطالة في ما كشف مواضع المحذوفات ويتصل بها ليكون ذلك سادا مسدها وجاريا مجرى البدل منها.
٣- إضاءة: فأما التغييرات التي تكون بزيادة فمنها ما يقع في القوافي ومنها ما يقع في الأعاريض. فأما ما يقع في القوافي فإن الأعاريض التي يكون لها ضربان: ضرب مقطعه على سبب متوال أو وتد متضاعف، وضرب مقطعه على سبب خفيف غير متوال أن يوالي السبب في بعض الضروب وإن كان ذلك مستقبحا. ويجوز فيما بنيت قافيته على وتد غير متضاعف أن يضاعف الوتد في بعض الضروب من ذلك، وإن كان أيضًا ذلك قبيحا. وإنما استساغ بعض العرب هذا لأن العروض تقبل نسق كلا الضربين عليها. وإن وقعت بذلك بين بعض الضروب وبعض مخالفة، فليس ذلك من المخالفة التي يصير بها الجزءان طرفي نقيض في الوضع، بل هما متناسبان لم يختلفا إلا بالأزيد والأنقص. ويشبه أيضًا أن يكون العرب إنما تفخم الساكن في هذا الوضع الذي قد يستسيغونه في القوافي إذا كان مما يجري فيه الصوت ويكون التلفظ به قبل الساكن التالي له وأسهل من غيره وأخفى موقعا، ليكون ذلك الساكن توجد فيه مضارعة للحروف المصونة من جهة ما يوجد له بعض تصويت، ويوجد الهواء متسربا مع التلفظ به، وذلك نحو الهاء والعين والحاء والنون وما جرى مجرى ذلك.
ومما ورد من ذلك قول النابغة بن شيبان من قصيدة يقول فيها: (الرمل -ق- المتدارك)
امدح الكأس ومن أعملها واهج قوما قتلونا بالعطش
غنما الكاس ربيع باكر فإذا ما غاب عنا لم نعش
ثم قال في وصف الخيل:
فبها يحوون أسلاب العدى ويصيدون عليها كل وحش
وأورد بيتين آخرين على هذا النحو.
ويجب ألا يعمل على هذا وإن كان وقع في أشعار العرب.
وأما الذي يقع في الأعاريض، فإن العروض التي يمطكن أن تبنى على سبب متوالي أو ووتد متضاعف إذا صرعت يسوغ أن يوقع فيها الكلم التي التقى فيها ساكنان بالإدغام بعد المد فيكون الساكنان نهاية العروض ويكون مبدأ اشطر الثاني ثاني المتضاعفين. وذلك نحو عروض المتقارب وعروض مربع الكامل. وينبغي أن يسامح الشعراء في هذا وألا يضايقوا فيه حيث يكونون مضطرين إلى ذكر اسم قد لزمه التشديد بعد المد. فأما إذا وجد مندوحة عن ذكر ذلك اللفظ بوجدان مرادف له وما يغني غناءه فينبغي له ألا يركب ذلك ولا يجعله سبيلا إلى انتقاد نظمه مع إضلال ضالة العذر في ذلك.
٤- تنوير: فأما ما رم العروضيون إثباته في متون الوزان من الزيادة التي يسمونها الخزم بالزاي فإنهم غلطوا في ذلك لأن العرب لم تكن تعد تلك الزيادات من متون الأوزان. وإنما كانوا يجعلونها توطئات وتمهيدات ووصلا لإنشاد البيوت وبناء عباراتها عليها، وإن كانت متميزة في التقدير والإيراد عنها بأزمنة قصيرة قد تخفى على السامع فيظن أنهم قد جعلوها من متون الأبيات. وذلك غير ممكن أصلا. فإن الأوزان مما يتقوم به الشعر ويعد من جملة جوهره. والوزن هو أن تكون المقادير المقفاة تتساوى في أزمنة متساوية لاتفاقها في عدد الحركات والسكنات والترتيب. فما حذف من بعضها على بعض الوجوه التي بيناها أمكن أن يتوقر على ما بني منه وأن يتلاقى لتمكين الحركات والسكنات المكتنفة له قدر ما فات من زمان النطق به. فيعتدل المقداران بذلك فيكونان متوازيين. والزيادة على المقدار المساوي لسائر المقادير ليس فيها حيلة يمكن معها تساوي المقدارين المزيد فيه والباقي على أصله. وإنما ساغ ذلك في السواكن حيث كانت أقصر الحروف زمانا، وكان لها أصل ترجع إليه في أبنية الأوزان، فوجدت مقبولة في الأذواق لذلك.
[ ٨٤ ]
فهذا هو الرأي الصحيح في الخزم الذي عول عليه الحذاق بأخذ الكلام عن العرب وفهم مذاهبهم فيه. وقد وجدنا الكتاب والبلغاء يرصعون الأسجاع بالأبيات ويجعلونها مبادي للأبيات والأبيات خواتم لها، حتى ربما أنهم لم يقدموا قبل البيت أكثر من لفظة واحدة وربما اكتفوا في ذلك بواو العطف. ولا يعتقدون أن تلك الألفاظ والحروف من متون. وهكذا كانت مآخذ العرب في ذلك. وإنما خفي هذا المذهب على من جهل مآخذ الكلام ومقاطعه وضروب وضعه وأفانين منازعه.
٥- إضاءة: وإذ قد تبين هذا فلنعد إلى ذكر ما يستحسن من ضروب الزحاف ويستقبح، ونؤصل في ذلك أصلا يعرف بما يجب أن يعتمد من ذلك عند الحاجة إليه، وما يجب أن يجتنب. فأقول: إن مما يخل بالأوزان من ضروب الزحاف، ويزيل كثيرا من حلاوتها وتناسبها، فيجب أن يجتنب على كل حال، أربعة أشياء: الزحاف المزدوج كله.
والزحاف المؤدي إلى أن يصير الجزء الذي وضع لأن يماثل جزءا آخر ويقابله مضادا له، وقد تقدم التعريف بذلك.
والوجه الثالث السواكن التي تكون أواخر أجزاء هي مظان وقفات واعتمادات ولاسيما إذا كان ذلك نهاية شطر بيت كالسواكن الخيرة من فاعلاتن في عروض الخفيف، والحال في ساكن فاعلاتن الذي في أوائل أشطاره على نحو من ذلك في أنه يقبح حذفه.
والوجه الرابع مما جب اجتنابه من الزحافات حذف السواكن التي يؤدي حذفها إلى توالي ثلاثة متحركات عقيب توالي أربعة سواكن كالنون من مستفعلن في الخفيف.
فهذا هو الرأي الصحيح الذي يشهد بصحته الذوق والقياس والسماع.
٦- تنوير: وجملة ما يجب أن يعتمد في اعتبار مجاري النظم، من جهة ما يزاحف أو يعل من أسبابه وأوتاده، أن يجعل قانون الاعتبار الصحيح في ما يجب أن يؤثر من ذلك أن توجد الوزان جارية من جميع ذلك على ما يحسن في السمع ويلائم الفطرة السليمة الذوق، ويوجد مع ذلك كثيرا مطردا في أشعار فصحاء العرب. فيكون حينئذ موافقا لمجاري كلام العرب الصحيحة مع كونه وفقا للنفوس والأسماع. ومن كان صحيح الذوق وحصر مجال النظر ومواضع البحث في الأعاريض والقوافي ومجاري الأوزان ثم تصفح كلام المجيدين من العرب والمحدثين ونظر منها في كل موضع للنظر، فأثبت ما كان ملائما ومطردا ونفى ما كان منافرًا غير مطرد، فقد استضاء بآية التوفيق المبصرة وورد صوب الإصابة من منشإ سحائبه الممطرة.
٧- إضاءة: وأما من لا ذوق له فقلما يتأتى له التوصل إلى تمييز ما يحسن في مجاري الأوزان ومباني النظم مما يقبح فيهما، إذ أكثر من ألف في هاتين الصناعتين مشفق من أن ينسب إلى العرب قبحا في مجرى من مجاري كلامها إلا في الندرة. فهم يتلقون كل ما روي لهم من كلامهم - صحت الرواية أو لم تصح - بالتسويغ والتحسين. ولا ينسبون إليهم إساءة إلا حيث تعييهم الحيل في الاعتذار عنهم.
فهذا رأي نحوي هو في الطرف مما يراه البلغاء من ألا يتسامح في وقوع ما يقبح وقبوله على أنه غير قبيح لعربي ولا محدث. ولا يعتبر الكلام بالنسبة إلى قائل ولا زمان البتة. وإنما يعتبر بحسب ما هو عليه في نفسه من استيفاء شروط البلاغة والفصاحة بحسب ما وقع فيه أو استيفاء أكثرها أو وقوع أقلها فيه أو عدمها بالجملة منه ووجود نقائضها أو أكثرها. فبهذا النحو يصح الاعتبار.