لما كانت النفوس قد جبلت على التنبه لأنحاء المحاكاة واستعمالها والالتذاذ بها منذ الصبا، وكانت هذه الجبلة في الإنسان أقوى منها في سائر الحيوان -فإن بعض الحيوان لا محاكاة فيه أصلا، وبعضها فيه محاكاة يسيرة: إما بالنغم كالببغاء، وإما بالشمائل كالقرد- اشتد ولوع النفس بالتخيل، وصارت شديدة الانفعال له حتى أنها ربما تركت التصديق للتخيل. فأطاعت تخيلها وألغت تصديقها. وجملة الأمر أنها تنفعل للمحاكاة انفعالا من غير رؤية، سواء كان الأمر الذي وقعت المحاكاة فيه على ما خيلته لها المحاكاة حقيقة، أو كان ذلك لا حقيقة له فيبسطها التخييل للأمر أو يقبضها عنه. فلا تقصر في طلبه أو الهرب منه عن درجة المبصر لذلك. فيكون إيثار الشيء أو تركه طاعة للتخييل غير مقصر عن إيثاره أو تركه انقيادًا للرؤية.
١- إضاءة: ومن التذاذ النفوس بالتخيل أن الصور القبيحة المستبشعة عندما قد تكون صورها المنقوشة والمخطوطة والمنحوتة لذيذة إذا بلغت الغاية القصوى من أشبه بما هي أمثلة له، فيكون موقعها من النفوس مستلذا لا لأنها حسنة في أنفسها بل لأنها حسنة المحاكاة لما حوكي بها عند مقايستها به.
قال هذا أبو علي ابن سينا في كتاب الخطابة من كتاب الشفاء. ثم قال: "وهذا كله للمناسبة بين الصورة مثلا وما يحاكيها. وهذه المناسبات أمور في الطبيعة".