لما كان الإنسان في جميع ما يحاوله ويسعى نحوه إنما يلتمس حظوظا يكون فيها صلاح لنفسه أو حظوظا فيها صلاح لبدنه، وكان استقصاء الإنسان مصالح نفسه وابتغاؤه لها من كل وجه لا يصل منه على غيره مضرة ولا ظلم، وكان استقصاؤه حظوظ بدنه وطلبه لها من كل وجه يؤدي إلى ضرر غيره وظلمه -والظلم قبيح فما أدى إليه قبيح- وجب لذلك أن يكون الفضل في القناعة من حظوظ البدن بما لا يؤدي على مزاحمة ذي استحقاق وفي الرغبة في جميع حظوظ النفس.
وحظوظ النفس هي التي يكون لها خيرات وكمالات بالنظر على نعيمها الباقي، وحظوظ البدن هي التي تكون لها خيرات وكمالات بالنظر على نعيمها الفاني، فالفاضل من آثر نعيم نفسه الباقي على نعيم بدنه الفاني، ومن أنصف غيره من ذوي الاستحقاق فيما فيه نعيم بدنه الفاني أو آثره بذلك على نفسه. والإيثار أفضل ليعتاض بذلك ما يكون له سببا على النعيم الباقي كالأجر أو ما يتنزل في توهمه منزلة النعيم الباقي كالذكر الجميل.
[ ٥١ ]
١- إضاءة: ولما كان للإنسان كمالات في بدنه تحصل عن اعتياد ما يصدر عنها بعد تحصيلها أو ما ينحو نحوها ليحصلها عن اعتياد ما يصدر عنها بعد تحصيلها أو ما ينحو نحوها ليحصلها ملكات تصدر عنها أفعال، وكمالات في نفسه تصدر عنها أو تنحو نحوها أفعال وانفعالات، وكمالات في عقله تصدر عنها تمييزات وإدراكات، وكان الإنسان فيما يصدر عن تلك الكمالات وينحو نحوها لا يخلو من أن يروم حظا يوثر به نفسه على بدنه أو بدنه على نفسه أو غيره على نفسه أو نفسه على غيره، وكان المحمود من ذلك إيثار نفسه على بدنه وإيثار غيره على نفسه، والطرفان الآخران مذمومان، وكانت الأفعال المحمودة والمذمومة من جميع ذلك تختلف رتبها في مقدار ما يجب عليها من الحمد والذم بحسب اختلاف الأحوال المطيفة بها -والأحوال المطيفة بالأفعال هي: الزمان، والمكان، وما منه الفعل، وما إليه الفعل، وما عنده الفعل، وما به الفعل، وما من أجله الفعل. فأخذ أبي دؤاد الحق من ابنه وإقادته بحاره الذي قتله يربي على كثير مما يجل من فواضل الكرم ونوافه، وإن كان ذلك نصفة منه، وجود كعب على النمري بالجرع التي آثره بها على نفسه حتى مات عطشا في المكان الذي كانا فيه أعظم أثرا في الكرم من وجود غيره بكل حظ جليل لا تعود به السماحة عليه بمثل ما عادت على كعب.- وجب أن يكون الفعل معتبرا بتلك الأحوال المطيفة. فيكون بالنسبة إلى حال منها محمودا، وبالنسبة إلى حال أخرى مذموما، ويكون بالنسبة إلى بعض تلك الأحوال في أعلى درجات الحمد، وتارة في أدنى الدرجات من ذلك، ووسطا بين الحالين. وكذلك تختلف أيضًا حاله في درجات الذم بحسب اختلاف تلك الأحوال المطيفة.
٢- تنوير: ولما كانت الأشياء الصادرة عن تكل الكمالات والناحية نحوها منها ما للإنسان أني فعله، ومنها ما ليس إليه أن يفعله بل هو مضطر إليه، وكان ما ليس إليه أن يفعله منه ما يدل على وجود ما للإنسان أن يفعله، ومنه ما لا يدل على وجود ذلك له، والذي يدل على وجود ذلك له ولو بتقوية الظن في ذلك منه ما يدل على وجود الأفعال المحمودة، ومنه ما يدل على وجود الأفعال المذمومة، وجب أن تكون الأشياء التي تدل على وجود الأشياء المحمودة قد تستعمل في الحمد، كما أن الأشياء الدالة على وجود الأفعال المذمومة قد تستعمل في الذم وليت بأصلية في ذلك.
٣- إضاءة: وقد يجري مجرى هذه الأشياء، في كونها يحمد بها لدلالتها على ما يحمد، أشياء أخر خارجة عن أوصاف الشيء المحمود، كذكر كرم الأسرة وشرف السلف لكون فضل الأصل يدل على فضيلة الفرع في كثير من الأمر.
٤- تنوير: وأكثر ما تعتمد العرب به في المدح الأفعال التي تتجشم الأنفس فيها الضرر لنفع غيرها ممن له أدنى استحقاق أو حاجة على ذلك. ولهذا قال أبو الطيب المتنبي: (البسيط -ق- المترادف)
لولا المشقة ساد الناس كلهم، الجود يفقر، والإقدام قتال
٤- إضاءة: والأمور التي تتجشم فيها النفوس المشقة والضرر لتنفع بذلك غيرها وتريحها: إما أن تكون حقوقا ثابتة قبل المتجشم للمشقة فيها فيكون ذلك منه نصفة وعدلا، وإما أن تكون غير واجبة قبله بل يسمح بها تبرعا ويتفضل بها إيثارا فيكون ذلك منه نافلة وفضلا. وأحسن المدح ما كان بهذا الصنف من الأفعال.
٦- تنوير: وقد فرق الناس بين ما يكون المدح أو الذم حقيقيا، وما ليس بحقيقي من ذلك. وقسموا الفضائل التي يكون بها المدح الحقيقي إلى أربع خلال على ما أنا في ذكره.
فمن ذلك قول أبي الفرج قدامة، وقد سبقه القدماء إلى هذه القسمة قال: "لما كانت فضائل الناس، من حيث هم ناس -لا من طريق ما هم مشتركون فيه مع سائر الحيوان- على ما عليه أهل الألباب، إنما هي العقل والعفة والعدل والشجاعة كان القاصد للمدح بهذه الأربعة مصيبا وبما سواها مخطئا. وقد قال زهير: (الطويل -ق- المتدارك)
أخي ثقة لا تتلف الخمر ما له ولكنه قد يتلف المال نائل
لأنه قد وصفه بالعفة وبقلة إمعانه في اللذات وبأنه لا ينفذ فيها ماله وبإهلاكه ما له في البذل وانحرافه إلى ذلك عن اللذات وذلك هو العدل، ثم قال:
تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
أراد أن فرحه بما يعطي أكثر من فرحه بما يأخذ، فزاد في وصف السخاء منه بأن جعله يهش ولا يحلقه مضض ولا تكره لفعله ثم قال:
[ ٥٢ ]
ومن مثل حسن في الحروب ومثله لإنكار ضيم أو لخصم يحاوله
فأتي في هذا البيت بالوصف من جهة العقل والشجاعة، فاستوفى ضروب الممادح الأربعة التي هي فضائل الإنسان على الحقيقة. وزاد ما هو وإن كان داخلا في الأربعة فكثير من الناس لا يعرف وجه دخوله فيها حيث قال أخي ثقة، فوصفه بالوفاء، والوفاء داخل في هذه الفضائل التي قدمنا.
وقد يتفنن الشعراء فيعدون أنواع الفضائل الأربع وأقسامها، وكل داخل في جملتها، مثل أن يذكروا ثقافة المعرفة والحياء والبيان والسياسة والصدع بالحجة والعلم والحلم عن سفاهة الجهلة وغير ذلك مما يجري هذا المجرى وهي من أقسام العقل، وكذكركم القناعة وقلة الشره وطهارة الإزار وغير ذلك وهي من أقسام العفة، وكذكركم الحماية والأخذ بالثأر والدفاع عن الجار والنكاية في العدو وقتل الأقران والمهابة والسر في المهامة والقفار الموحشة وما شاكل ذلك وهي من أقسام الشجاعة، وكذكركم السماحة والتغابن والانظلام والتبرع بالنائل والإجابة للسائل وقرى الأضياف وما جانس هذه الأشياء وهي من أقسام العدل.
فأما تركيب بعضها مع بعض فيحدث منها ستة أقسام: يحدث من تركيب العقل مع الشجاعة الصبر على الملمات ونوازل الخطوب والوفاء بالوعود، وعن تركيب العقل مع السخاء البر والإنجاز للموعد وما أشبه ذلك، وعن تركيب العقل والعفة التنزه والرغبة عن المساوي والاقتصار على أدنى معيشة وما أشبه ذلك، وعن تركيب الشجاعة مع السخاء الإتلاف والإخلاف وما جانس ذلك، وعن تركيب الشجاعة مع العفة إنكار الفواحش والغيرة على الحرم، وعن تركيب السخاء مع العفة الإسعاف بالقوت والإيثار على النفس وما أشبه ذلك".
قال: "وكل واحد من هذه الفضائل وسط بين طرفين مذمومين".
٧- إضاءة: وإذ قد حكينا كلام أبي الفرج قدامة فلنتبع ذلك بإشارة إلى بيان قوله: "إن كل واحد من هذه الفضائل وسط بين طرفين مذمومين". فأقول: إن الفعل العائد بمنفعة ما إنما يحمد ما لم يعد الإفراط فيه بمضرة وما لم يكن من القلة والتقصير بحيث لا يغني، فإذا وقع وسطا بين هذين الطرفين كان محمودا، ولذلك قال ﵊: "خير الأمور أوساطها". ألا ترى أن الكرم إذا أفرط عد سرفا وتبذيرا، والإقدام إذا أفرط فهجم بصاحبه على المتالف في كل حين وموطن عد ذلك تهورا وهوجا، وإذا وقع التقصير عن الإقدام والبذل بالجملة أو وقع من ذلك ما لا اعتداد به عد ذلك بخلا وجبنا. وقد تكون قلة الشيء بحيث لا يوجب عليه حمدا ولا ذما.
٨- تنوير: وجميع تلك الأفعال ونقائصها إنما تعد فضائل أو رذائل فيستوجب عليها الثناء عليها الثناء المطلق أو الذم المطلق، ويعتقد في صاحبها أنه خير أو شرير، إذا حصلت له فيها ملكة وصارت له عادة لا يفارقها إلى ما ناقضها. فإن وقع الفعل المسمى فضيلة منه ولم يتبعه بمثله ولا تمادى عليه لم يستحق أن يسمى فاضلا ولا أن يثنى عليه الثناء المطلق. وعلى هذا يجب أيضًا أن يكون الاعتبار في وقوع الفعل المسمى رذيلة، فاعلم ذلك.
٩- إضاءة: وكان أبو الفرج قدامة يذهب إلى أن المدح بالحسن والجمال والذم بالقبح والدمامة ليس بمدح على الحقيقة ولا ذم على الصحة، ويخطئ من يمدح بهذا ويذم بذلك. ويستدل بانكار عبد الملك بن مروان قول ابن قيس الرقيات: (المنسرح -ق- المتراكب)
يأتلق التاج فوق مفرقه على جبين كأنه الذهب
وقد رد عليه هذا الآمدي، وتابعه الخفاجي في الرد عليه. فقال: "إن كان قدامة يعتقد أن ذلك ليس بفضيلة، لما كان الإنسان قد خلق عليه، فهذا حكم الفضائل النفسانية. فإن الكريم قد خلق كريما والشجاع شجاعا. فكما لا يقدر القبيح الوجه أن يستبدل صورة غير صورته، فكذلك الجاهل لا يقدر أن يستفيد عقلا فوق عقله".
[ ٥٣ ]
واعتراضه هذا غير صحيح لأن الحكماء المتكلمين في الفضائل قد أنفقوا على أن الإنسان قد يقدر على أن يكتسب بعض الفضائل بالتطبع وأن يستكمل كثيرا مما نقصه من ذلك بالاعتياد والرياضة ومجاهدة النفس، فينتقل برياضة النفس في ذلك حالا فحالا حتى يصير الصعب قبل التطبع والارتياض سهلا بعدها. وما زال الناس يروضون أخلاقهم بالتأدب والتدرب، فتترقى بذلك في مراتب الفضل درجاتهم وتتهذب بعد الجفاء أخلاقهم. قيل للأحنف ابن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عصم. ولا بد في حصول هذا التطبع من سباق استعداد لتحصيله بالطبع، فيخرج إلى الفعل بعد كونه في القوة.
فأما خلقة الإنسان وصورته فليس في قدرته نقل شيء منها عما وجد عليه. فحمد الإنسان بما يستحسن من هذا القبيل مخادعة له، وذمة بما يستقبح من ذلك تحامل عليه. ويشهد لهذا ما حكاه الرواة من أن المغيرة ابن حبناء وزيادا الأعجم لم يزالا يتهاجيان حتى غيره زياد بعلل كانت أصابت بعض أهل بيته. فقال المغيرة: "ما ذنبنا فيما ذكره، هذه أدواء، وإنما يعير المرء بما اكستبه".
١٠- تنوير: فقد تبين أن رأي من رأى أن المدح بما ليس للإنسان فيه تصرف ولا له قدرة على تغييره عما هو عليه مما هو خارج عن الفضائل الأربع موافق لما حكي عن العرب في ذلك. وإنما يمدح بما هو خارج عن الفضائل الأربع إذا كان مما شأنه أن توجد الفضائل أبدا بوجوده، فتورد كالأدلة على ذلك.