وإذا ذيلت أواخر الفصول بالأبيات الحكمية والاستدلالية واتضحت شيات المعاني التي بهذه الصفة على أعقابها - فكان لها ذلك بمنزلة التحجيل - زادت الفصول بذلك بهاء وحسنا ووقعت من النفوس أحسن موقع.
١- إضاءة: ولا يخلو المعنى الذي يقصد تحلية الفصل به وتحجيله من أن يكون متراميا إلى ما ترامت إليه جملة معاني الفصل إن كان مغزاها واحد أو يكون متراميا إلى ما ترامى إليه بعضها، فيورد على جهة الاستدلال على ما قبله أو على جهة التمثيل. ويكون منحوا به منحى التصديق أو الإقناع، مقصودا به إعطاء حكم كلي في بعض ما تكون عليه مجاري الأمور التي للأغراض الإنسانية علقة بها مما انصرفت إليه مقاصد الفصل ونحي بها نحوه. فيكون في ورود البيت الأخير الذي يتضمن حكما أو استلالا على حكم، إثر المعاني التي لأجلها بين ذلك الحكم أو الاستدلال عليه، إنجاد للمعاني الأول وإعانة لها على ما يراد من تأثر النفوس لمقتضاها. فكان ذلك من أحسن ما يعتمد في الفصول وأزينه لها.
٢- تنوير: وهذا الفن من صناعة النظم شريف جدا. وينبغي أن يكون اللفظ والتركيب فيه سهلا جزلا، وأن تورد القافية فيه متمكنة. وإن كانت مراعاة هذه الأشياء واجبة في غير ذلك من أبيات الشعر فإنها في هذه الأبيات التي تجعل اختتامات للفصول ونصولا على عواملها أوجب.
٣- إضاءة: وممن سبق إلى وضع هذه المعاني المذهوب بها مذهب الحكمة والتمثل في نهايات الفصول ومقاطع القول فيها وسبك القول فيها أحسن سبك زهير، نحو ما تمثل به في آخر مذهبته: (الطويل -ق- المتدارك)
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
ونحو ما ختم به آخر فصل من قصيدته اللامية، وذلك قوله: (الطويل -ق- المترادف)
فما يك من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل
ثم جاء أبو الطيب المتنبي فيا لمولدين فولع بهذا الفن من الصنعة وأخذ خاطره به حتى برز في ذلك وجلى وصار كلامه في ذلك منتميا إلى الطراز الأعلى.
[ ٩٧ ]