إن المعاني قد تكون مفردة الأجزاء ومتضاعفتها، وقد يكون بعض أجزائها مفردا وبعضها مضاعفا. وذلك بحسب تعدد الأفعال الواقعة في المواطن التي يعبر عما وقع فيها أو اتحادها، وبحسب تعدد ما تستند إليه تلك الأفعال أو اتحاده، وبحسب تعدد ما تتوجه لطلبه من المفعولات أو اتحاده.
وما يتركب من جهة التعدد والاتحاد في جميع ذلك، واقتران كل واحد من الأفعال وما تستند غليه، وما تطلبه بالآخر على حال موافقة له في التعدد والاتحاد أو مخالفة، تنقسم ثمانية أقسام: ١- متحد الفاعل، متحد المفعول، متعدد الفعل
[ ٩ ]
٢- أو متعدد الفاعل والمفعول، متحد الفعل ٣- أو متحد الفعل والفاعل، متعدد المفعول ٤- أو متحد الفعل، متعدد الفاعل والمفعول ٥- أو متحد المفعول، متحد الفعل، متعدد الفاعل ٦- أو متحد المفعول، متعدد الفاعل والفعل ٧- أو متحد الجميع ٨- أو متعدد الجميع.
ويحتاج الشاعر أن يكون متنبها لصور التقسيمات والتفصيلات والتقطيعات التي تتدرج في هذه الجملة، ويحسن صوغ الكلام عليها وتفصيله إليها، ومتهديا إلى المآخذ المستحسنة في جميع ذلك.
١- إضاءة: وهذه الأفعال المشترك فيها قد وضعها على أن يصل من الشيء إلى غيره مثل ما وصل إليه من غيره، وقد يتسلسل هذا. ولا ينبغي أن يتجاوز في ذلك المقدار الذي توجب مقاييس البلاغة الوقوف عنده. وقد تقدم ذلك في القسم الأول. ويكون التسلسل أيضًا في الأفعال المتعددة للمرفوعات المتعددة على هذا النحو. ولا تحسن الإطالة في ذلك. بل يجب أن يحتال في تفصيل الكلام إلى مقادير لا تسلسل فيها.
٢- تنوير: وقد يشترك الشيئان أيضًا في فعل ويكون كلاهما متوجها لفعل الآخر. وهذا إذا كان في قضية واحدة خففوا بعض ما يقع فيه من التكرار بالكناية والحذف. فإذا كان في قضايا كثيرة تضاعف المقدار الباقي من التكرار بعد الكناية والحذف، فلم يحسن ذلك، على أنه قد يقع فيعدل إذ ذاك عن العبارة التي وقع فيها التكرار -بكونها جملتين يلزم في إحداهما ذكر ما في الأخرى-إلى عبارة مفردة تفيد ما تفيده تلك. وهي صيغتا الفاعل ونحو تضارب وضارب. فحينئذ لا يثقل تضاعف المعاني التي بهذه الصفة.
٣- إضاءة: وقد يكون الكلام المؤتلف من معان كثيرة مما ذكر للأفعال فيه مفعولات، وقد يكون مما لا ذكر فيه لذلك، وقد يكون مؤتلفا من النوعين.
فأما ما تعددت فيه الأفعال ومرفوعاتها ومنصوباتها وتباينت فيحتاج إلى أن يناسب بين المعاني الواقعة بهذه الصفة في وضع عباراتها وتفصيلها إلى مقادير وصور تكون متلائمة الوضع متناسبة التفصيل ليقع في الكلام بذلك خفة وتناسب.
٤- تنوير: فأما ما تلازمت فيه المعاني وارتبطت فطالت فلا يحسن تضاعفها إلا بعد اقتضاب العبارات وتصييرها إلى صيغ مختصرة. وكلما اختلفت جهات الصيغ، في ما لم يذهب به مذهب مناظرة أو تقسيم أو ما ناسب ذلك، كان أحسن.
٥- إضاءة: وتحسن للكلام، أيضًا بحسب نسب بعض المعاني الواقعة فيه من بعض، من جهة مواقعها في زمان أو مكان ووضع بعضها في ذلك من بعض، ومن جهة التقاذف بالعبارات إلى تلك الأنحاء، صور أخر ربما وجد مثلها في ما تقدم وربما لم يوجد، لأن الشيء يقع مع الشيء في زمان أو مكان أو يقع بناحية منه وفي زمان غير زمانه متقدم عليه أو متأخر عنه. وقد تكتنف الشيء أشياء من جميع نواحيه. وكذلك تقع مكتنفاته في الزمان سابقة له وتالية. تترتب في القرب والبعد، في الزمان والمكان من أقرب ما يمكن إلى أقصى ما يمكن. وقد يقع الشيء في جميع نواحي الشيء في مرار عدة، أو بأن يكون شيئا يعم جهاته وكذلك في الزمان. ويتركب من هذه الأحوال شتى صور من الكلام. وتكون المعاني الواقعة بهذه الاعتبارات بحسب ما قدمته من تعدد الأفعال وتعدد مرفوعاتها ومنصوباتها أو اتحاد جميع ذلك أو اتحاد بعض من ذلك وتعدد بعض. فتتضاعف صور المعاني بذلك تضاعفا يعز إحصاؤه. والتركيبات التي بها هيآت العبارات وما تحتها من المعاني من جهة مواقع بعض المعاني من بعض في الأزمنة والأمكنة على ما تقدم راجعة إلى المعاني التي تقدم التعريف بأنها تقع تحديدات في الأزمنة والأمكنة. وكثيرا ما يتأتى في هذه التركيبات تقسيم الكلام وتفصيله على مقادير متعادلة متناسبة.
[ ١٠ ]
٦- تنوير: وتتضاعف صور العبارات بما يوقع في معانيها من تحديدات ترجع إلى ما تكون عليه في نفوسها، من كونها عامة أو خاصة، كلية أو جزئية. وتتضاعف أيضًا بحسب الأحكام الواقعة في المعاني بعد تحديداتها، من نفي وإثبات ومساواة أو ترجيح أو غير ذلك، ومن جهة كيفيات المخاطبات في المعاني وكون ذلك يكون تأدية أو اقتضاء ونحو ذلك. وكل واحد من هذه له صيغ شتى يعبر بها عنه، فمع أن المعاني تتضاعف صورها بحسب ما تقدم فإن هذه الأشياء أيضًا مما تتضاعف بها الصيغ والعبارات عن تلك المعاني فيؤدي تنوع صور المعاني والعبارات- بجميع ذلك وبما قد ذكر أيضًا في غير هذا الموضع من هذا الكتاب مما تتكاثر به صور المعاني- إلى وقوع المعاني على هيآت وصور يعز حصرها ولا يتأتى استقصاؤها لكثرتها. وإنما يعرف صحتها من خللها أو حسنها من قبحها بالقوانين الكلية التي تنسحب أحكامها على صنف صنف منها، ومن ضروب بيانها. ويعلم من تلك الجمل كيفية التفصيل. ولا بد مع ذلك من الذوق الصحيح والفكر المائز بين ما يناسب وما لا يناسب وما يصح وما لا يصح بالاستناد إلى تلك القوانين على كل جهة من جهات الاعتبار في ضروب التناسب وغير ذلك مما يقصد تحسين الكلام به.
٧- إضاءة: وللأفكار تفاوت في تصرفها في ضروب المعاني وضروب تركيبها من جميع هذه الجهات التي ذكرت. ويتقوى على ذلك بالطبع الفائق والفكر النافذ الرائق، وبالمعرفة بجميع ما يحتاج إلى معرفته في هذه الصناعة من حفظ الكلام والقوانين البلاغية التي تضمن هذا الكتاب جملة كبيرة منها.
٨- تنوير: وصور المعاني ضربان: صور متكررة وصور غير متكررة. والتكرار لا يجب أن يقع في المعاني إلا بمراعاة اختلاف ما في الحيزين اللذين وقع فيهما التكرار من الكلام. فلا يخلو أن يكون ذلك إما لمخالفة في الوضع: بأن يقدم في أحد الحيزين ما أخر في الآخر، أو بأن تختلف جهات التعلق في الحيزين، أو بأن يفهم المعنى أولا من جهة من جهات الإبهام ثم يورد مفسرا من الجهة التي وقع فيها الإبهام، أو بأن يجمل ثم يفصل -وهذا يجتمع مع ما قبله من جهة ويفارقه من جهة- أو بأن يفصل ثم يجمل الضرب من المقاصد، أو بأن يورد على صورة من الجمع والتفريق كما يقال: أنت وزيد بحران لكن أنت للعذوبة وذلك للزعوفة أو بأن تبان الجهتان اللتان توافى بهما الضدان على الشيء كقوله: (الطويل -ق- المتدارك) يخشى ويتقى يرجى الحيا منه وتخشى الصواعق فعلى هذه الأنحاء وما ناسبها يقع التكرار في المعاني فيستحسن. وكثيرا ما تقع التفصيلات والتفسيرات والتقسيمات في المعاني التي تكون من هذا القبيل.
٩- إضاءة: فمن أحكم التصرف في هذا الضرب من المعاني المتكرر والضرب الآخر، وتصرف فيهما من جهات أنواع التركيبات التي أشرنا إليها في ما تقدم من هذا المعرف، كان كلامه ممتعا من كل فن من فنون البلاغة، وكان حسن الموقع من النفوس.
ومن كان له ذهن يتمكن به -له أن يفصل ما أجملت في هذا الباب ويفرع ما أصلت- انتفع بهذا الباب نفعا كثيرا في هذه الصناعة، إذ لم يمكنا نحن أن نتفرع إلى تفريع ذلك وتفصيله وتمثيله. فإن ذلك محوج إلى إطالة كثيرة. وإنما نتحرى أن نعل بين الأبواب أو نقارب العدل في ما نذكره، ليكون كل باب قد تضمن قسطا مقنعا مما يجب. فأما ما وراء الإقناع. فلا يمكن استقصاء ذلك في باب، فإن ذلك يضاعف حجم الكتاب، ويؤدي إلى إقطاع هذه الصناعة من عناية النفس فوق ما يجب لها إذ قدر العناية بالشيء إنما يجب أن يكون بإزاء قدر المستفاد منه، وفائدة هذه الصناعة بحسب ما سحب عليها الزمان من أذيال الإذالة وألحفها من معرة الخمول قليلة نزرة، بل غنما غاية محكمها إذاية أهل الفدامة له ممن يظن أن له قدما في الفصاحة، وهو منها بمنزلة الحضيض من السماك. فلذلك كان خليقا أن تكون العناية بهذه الصناعة غير بالغة أو تصرف عنها العناية بالجملة. ولا توفيق إلا بالله.