فأما ما يجب في المطالع على رأي من يجعلها استهلالات القصائد فمن ذلك ما يرجع إلى جملة المصراع. وهو أن تكون العبارة فيه حسنة جزلة، وأن يكون المعنى شريفا تاما، وأن تكون الدلالة على المعنى واضحة، وأن تكون الألفاظ الواقعة فيه لاسيما الأولى والواقعة في مقطع المصراع مستحسنة غير كريهة من جهة مسموعها ومفهومها. فإن النفس تكون متطلعة لما يستفتح لها الكلام به. فهي تنبسط لاستقبالها الحسن أولا، وتنقبض لاستقبالها القبيح أولا أيضا.
١- إضاءة: ومن ذلك ما يرجع إلى الكلمة الواقعة في مقطع المصارع. ويجب أن تكون مختارة متمكنة حسنة الدلالة على المعنى تابعة له. ويحسن أن يكون مقطعها مماثلا لمقطع الكلمة التي في القافية، وأن يكون ما بين أقرب ساكن منها إلى المقطع من الحركات عدد ما بين أقرب ساكن من كلمة القافية وبين نهايتها من الحركات أيضا، وأن يكون ملتزما فيها من حركة المجرى أو التقييد أو التأسيس والردف والوصل بالضمائر وحروف الإطلاق وغير ذلك مما يلزم القوافي مثل ما التزم في كلمة القافية وسائر قوافي القصيدة التي ذلك المصراع أولها، ليكون البيت بوجدان الشروط التي ذكرت مصرعا.
فإن للتصريع في أوائل القصائد طلاوة وموقعا من النفس لاستدلالها به على قافية القصيدة قبل الانتهاء إليها، ولمناسبة تحصل لها بازدواج صيغتي العروض والضرب وتماثل مقطعها لا تحصل لها دون ذلك. وقد قال حبيب: (الطويل -ق- المتدارك)
وتقفو إلى الجدوى وبجدوى وغنما يروقك بيت الشعر حين يصرع
٢- تنوير: ويجب أن لاحظ فيها جميع ما يجب أن يلاحظ في الكلمة الواقعة قافية على ما أذكره بعد، إن شاء الله.
ويكره أن يكون مقطع المصراع الأول على صيغة يوهم وضعها أنها مصراع ثم تأتي القافية على خلاف ذلك، فيخلف ظن النفس في القافية لذلك. وقد سمي هذا تجميعا.
فهذه إشارة إلى ما يجب في اللفظة الواقعة في مقطع المصراع.
٣- إضاءة: فأما ما يرجع إلى مفتتح المصراع فأن يكون دالا على غرض القصيدة، وأن يكون مع ذلك عذب المسموع، ولا يكون ذلك مما تردد على ألسنة الشعراء فيا لمطالع حتى أخلق وذهبت طلاوته كلفظة خليلي، أو مما اختص به شاعر ولم يتعرض أحد لأخذه منه، كقول امرئ القيس: (قفا نبك) .
[ ٩١ ]