فمما يمكن المعاني أن توضع مواضعها اللائقة بها المهيأة، وألا توضع موضعا غيرها من المعاني أولى به، وإن كان للمعنى الموضوع أيضًا موقع من ذلك الموضع لأنه مقصر عن موقع غيره من المعاني فيه.
ومن طريف ما ورد في ذلك قول الفرزدق: (الطويل -ق- المتدارك)
وإنك إذ تهجو تميما وترتشي سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغره سراب أذاعته رياح السمائم
وقول ابن هرمة: (المتقارب -ق- المترادف)
وإني وتركي ندى الأكرمين وقد حي بكفي زنادا شحاحا
كتاركة بيضها بالعرا وملبسة بيض أخرى جناحا
فإن معنى بيت الفرزدق الثاني مناسب لمعنى بيت ابن هرمة الأول، ومعنى بيت ابن هرمة الثاني مناسب لمعنى بيت الفرزدق الأول، حتى لو أن الفرزدق قال:
وإنك إذ تهجو تميما وترتشي سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كتاركة بيضها بالعرا وملبسة بيض أخرى جناحا
لكان قد وضع الكلام موضعه الذي يليق به، وكان المعنى صحيحا متمكنا، ولو أن ابن هرمة قال:
وإني وتركي ندى الأكرمين وقدحي بكفي زنادا شحاحا
كمهريق ماء بالفلاة وغره سراب أذاعته رياح السمائم
لكان كلامه صحيحا وتشبيهه واقعا موقعه اللائق به.
١- إضاءة: ومن هذا الباب ما روي أن أبا الطيب أنشد سيف الدولة قصيدته التي أولها (الطويل -ق- المتدارك) على قدر أهل العزم تأتي العزائم فلما انتهى على قوله:
وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم
قال له سيف الدولة: "قد نقدنا عليك يا أبا الطيب ما نقدنا على امرئ القيس في قوله: (الطويل -ق- المترادف)
كأني لم أركب جوادا للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال
فقال له المتنبي: "أيها الأمير، عن البزاز لا يعرف الثوب معرفة الحائك. وإذا صح النقد على امرئ القيس صح علي، وإنما أراد امرؤ القيس أن يقرن ركوب اللذة بركوب اللذة في بيت، وأن يجمع بين الشجاعة والكرم في بيت". فاستحسن سيف الدولة ما قاله، ووصله.
[ ٥٠ ]
٢- تنوير: والنقد الذي أشار إليه سيف الدولة في بيتي المتنبي وبيتي امرئ القيس هو أن صدر البيت الأول من قول امرئ القيس يقضي ظاهر الكلام أن يوصل بعجز البيت الثاني ويوصل صدر البيت الثاني بعجز الأول، وكذلك يظهر في باديء الرأي أن صدر البيت الأول من قول المتنبي يصلح أن يتمم بعجز البيت الثاني ويتمم صدر الثاني بعجز الأول. فيقال في قول امرئ القيس:
كأني لم اركب جوادا ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال
ولم أسبأ الزق الروي للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ويقال في قول أبي الطيب:
وقفت وما في الموت شك لواقف ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة كأنك في جفن الردى وهو نائم
٣- إضاءة: وقد احتج أبو الطيب لامرئ القيس بما أوردناه وبقي أن نبين وجه الحجة في قول أبي الطيب. فنقول: إن أبا الطيب أراد أن يقرن بين أن الردى لا نجاة منه لواقف وبين أن الممدوح وقف ونجا منه، وبين أن الأبطال ريعت وانهزمت وأن سيف الدولة لم يرع ولم ينهزم، وابتسام الثغر وانبلاج الوجه مما يدل على عدم الروع.
٤- تنوير: وإنما قال: "كأنك في جفن الردى وهو نائم" لأنه جعل الردى في هذا الموضع بصورة الناظر المبصر الذي لا يعيب عنه شيء ولا يخفى عليه مقتلو ولأن السبل إلى المهج واضحة له. فلما نجا الممدوح تعجب في سلامته منه وخفائه عنه مع كونه بالموضع الذي يبصر فيه، فقدر سببا لخفائه عنه النوم الشاغل للأجفان عن رؤية ما دنا منها.
وقد يكون عدم التمكن في المعاني من أنحاء أخر قد ذكرت في مواضعها من هذا الكتاب. وإنما نبهت بهذا المعلم على هذا الضرب الواقع في المعاني التي يوضع بعضها بإزاء بعض لنسب تقتضي ذكر المعنى مع ما يناسبه وإيقاعه على جانب ما يليق به.