ويجب أن يقصد في مدح صنف صنف من الناس إلى الوصف الذي يليق به، وأن يعتمد في مدح واحد واحد ممن يراد تقريظه ما يصلح له من تلك الفضائل وما تفرع منها، وأن لا يجعل لاشيء منها حلية لمن لا يستحقه ولا هو من بابه.
١- إضاءة: فأما مدح الخلفاء فيكون بأفضل ما يتفرع من تلك الفضائل وأجلها وأكملها كنصر الدين وإفاضة العدل وحسن السيرة والسياسة والعلم والحلم والتقى والورع والرأفة والرحمة والكرم والهيبة وما أشبه ذلك. وينبغي أن يتخطى في أوصافهم من جميع ذلك حدود الاقتصاد إلى حدود الإفراط، وأن يترقى عن وصفهم بفعال ما يكون حقا واجبا على تقريظهم بما يكون من ذلك نافلة وفضلا.
٢- تنوير: ومدح الأمراء يكون بالكرم والشجاعة ويمن النقيبة وسداد الرأي والتيقظ والحزم والدهاء وما ناسب ذلك. ويطمح بهم في الأوصاف إلى حيث يليق بمناصبهم وما انتهت غليه ممالكهم حتى تكون رتبة العظماء منهم ثانية عن رتبة الخلفاء، وتتدرج مراتبهم في ذلك على أدنى ما يتميز به الملك عن السوقة.
٣- إضاءة: ومدح الوزراء ومن حل محلهم من الكتاب يكون بالعلم والحلم والكرم وحسن التدبير وتثمير الأموال ونحو ذلك. وينبغي أن يكون المطمح في وصف كل وزير على قدر مستوزره، فيكون لوزراء الخلفاء في ذلك مزية لا تلحق ورتبة لا تسامى حتى إن مراتب كثير من الملوك ربما قصرت عن مراتبهم، ثم تندرج مراتبهم في ذلك على نحو ما ذكرناه في مراتب الملوك.
٤- تنوير: ومدح القضاة يكون بالعلم والتقى والدين والنزاهة والعدل بين الخصوم وإنصاف المظلوم وما جرى ذلك المجرى. ولهم أيضًا مراتب فيما ينبغي أن ينحلوه من الأوصاف، فيطمح بقاء الخلفاء ثم بقضاة الملوك ثم بقضاة الأصقاع الكبار إلى حيث لا يطمح بغيرهم. وينبغي أيضًا أن يكون تعظيمهم على قدر عظمهم في علومهم وأديانهم وعقولهم.
٥- إضاءة: فقد تبين من هذا أن أمداح الخلفاء يجب أن تكون نمطا واحدا ينحى بأوصافها أبدا نحو الإفراط، وأن أمداح الأمراء والوزراء والقضاة ومن جرى مجراهم من كبار العلماء ينبغي أن يكون كل واحد منها ثلاثة أنماط: ينحى بالنمط الأعلى منحى الإفراط، وينحى بالنمط الأدنى منحى الاقتصاد، وتكون أوصاف النمط الوسط اقتصادية مشوبة ببعض إفراط وذلك بحسب ما بيناه من اختلاف درجات الممدوحين في ضخامة الخطط وفخامة الولايات.
٦- تنوير: فعلى هذا الترتيب يجب أن يكون المدح، وأن يحافظ على ما يجب اعتماده في امتداح كل طبقة من الممدوحين. فلا يسمى بها إلى الرتب التي فوقها ولا ينحط بها إلى ما دونها.