[ ٤٧ ]
كل قول قصد به محاكاة شيء ونحي بذلك منحى من الأغراض فإنه يجب ألا يتعرض فيه إلى ما هو أليق بمضاد الشيء المحاكى به وأخص به أو أخص بمناسب مضاده، وألا يتعرض في تخييل حال الشيء المحاكى به إلى ما هو أخص بحال مضاد ذلك الشيء أو مناسب مضاده، وألا يتعرض في القول وما دل عليه إلى ما هو أخص بمضاد الغرض الذي نحي به منحاه أو إلى ما هو أخص بمناسب مضاد ذلك الغرض، وألا يتعرض فيه إلى لفظ له عرف فيما يضاد المعنى الذي دل عليه أو الغرض الذي نحي به منحاه أو الشيء الذي قصدت به محاكاته ولا إلى ما يناسب مضادات جميع ذلك، فإن التعرض في القول لما يضاد معناه مدلوله وغرضه، أو إلى ما يناسب تلك المضادات، أو إلى ما له عرف في شيء من ذلك، ضروب من التدافع.
١- إضاءة: وأكثر ما يقع التعرض في أحد المتضادين إلى ذكر ما هو أليق بالآخر وأخص به إذا كان للمتعرض له علقة بما هو خارج عن غرض القول مما سوى ذلك من أغراض المتكلم أو الموصوف أو المخاطبين، فألم به لأجل تلك العلقة وسها عن كونه قادحا في غرض القول أو فيما يرجع على حال الشيء المحاكي، أو تسومح في ذلك القدر من القدح اختيارا، أو لز على المسامحة فيه اضطرار.
٢- تنوير: فالجهات التي يجب فيها أن يتوقى في الشيء ما هو أخص بمضاده وما جرى مجراها هي جهات التضاد والتخالف في الأفعال والانفعالات والهيئات والأحوال والتمييزات وأغراض الكلام المترامية على أنحاء هذه الأشياء نحو التهنئة والتعزية والمديح والهجاء.
٣- إضاءة: فمن المعاني التي قصد فيها الذم فأورد في العبارة عنها ما هو أليق بالمدح قول الفرزدق: (الطويل -ق- المتدارك)
بأي رشاء يا جرير وماتح تدليت من هامات تلك القماقم
فقال له جرير: "جعلتني أتدلى على قومك".
ومن الأبيات التي وقع فيها سوء أدب حيث يجب حسن الأدب قول جرير: (الرجز -ق- المترادف)
يا بشر حق لوجهك التبشير هلا غضبت لنا وأنت أمير
قد كان حقك أن تقول لبارق يا آل بارق فيم سب جرير
فقال بشر: ما وجد ابن اللخناء رسولا غيري!؟.
٤- تنوير: ومن ذلك أن تأتي العبارة في صورة ما يضاد الغرض، نحو ما حكي من أن بعض الشعراء أنشد الداعي في يوم المهرجان: (الرجز -ق- المتواتر)
تقل بشرى ولكن بشريان غرة الداعي، ويوم المهرجان
فأمر بضربه خمسين عصا وقال: "هذا أبلغ في إصلاح أدبه".
ومن ذلك استفتاح أبي نواس قصدته التي هنى فيها الفضل بن يحي ابن خالد بدار ابتناها فقال: (الطويل -ق- المترادف)
أربع البلى إن الخشوع لباد عليك وإني لم أخنك ودادي
فتطير الفضل من ابتدائه، فلما ختم القصيدة بقوله:
سلام على الدنيا إذا ما فقدتم بني برمك من رائحين وغاد
استحكمت كراهته لما سمع. فما مر أسبوع حتى نكب بنو برمك.
وحكي أن البحتري أنشد محمدا بن يوسف أو غيره من أمراء الثغور: (الطويل -ق- المتدارك)
لك الويل من ليل تطاول آخره ووشك نوى حي تزم أباعره
فقال له الممدوح: "بل لك الويل والحرب". على أن هذا البيت روى بالهاء بدل الكاف في قوله لك وهي أشبه من الرواية الأخرى.
وقد أنكر عبد الملك على جرير ما هو دون هذا حين أنشده: (الوافر -ق- المترادف) "أتصحو أم فؤادك غير صاح"؟ .
فقال له الملك: "بل فؤادك".
٥- إضاءة: وقد تكون للعبارة دلالة على أمر مكروه خارج عما جيء بها للدلالة عليه، إما باشتراك وقع في اللفظ، أو بعرف واستعمال حدث فيه ولو للعامة. فيجب أن يتحفظ من ذلك حيث تتهيأ تلك العبارة بنفسها أو مع ما يكتنف بها لأن يفهم منها بحسب الاشتراك الواقع فيها أو بحسب العرف والاستعمال أمر قبيح في حق ممدوح أو مندوب أو منسوب به أو نحو ذلك مما يكره في حقه القبح.
ومن ذلك قول الصاحب في عضد الدولة: (الطويل -ق- المتدارك)
ضممت على أبناء تغلب تاءها فتغلب ما كر الجديدان تغلب
فقال عضد الدولة: " يقي الله! ".
ومما أكد القبح في هذه اللفظة التي هي قوله تغلب وقوعها قافية، فإنها مقطع الكلام وموضع تخلي السامع وتفرغه لتفقد ما مر على سمعه مما وقع فيها. فالسمع أقرب عهدا به، وهو أشد ارتساما فيه. ولو وردت اللفظة التي أنكرها عضد الدولة في أثناء البيت لكان الأمر فيها أسهل.
[ ٤٨ ]
٦- تنوير: ومما يجب التحفظ منه في المواضع التي يجب فيها التباعد عن الفحش وعن كل ما يتطرق به إليه وصون الكلام من جميع ما يكون فيه إذ كان بأمر الريب والرفث، التعرض إلى الأشياء التي يفهم منها ذلك، ولو بعرف عامي أو استعمال لأهل الهزل.
ومما يندرج في هذه الجملة قول المتنبي في أم سيف الدولة: (الوافر -ق-المترادف)
رواق العز فوقك مسبطر وملك علي ابنك في كمال
فلفظة مسبطر بعد قوله للمرأة فوقك قبيحة، ولاسيما بعد أن استعملها ابن حجاج حيث استعملها وعرف ذلك من قوله.
ونحو منه قول مروان ابن أبي حفصة في زبيدة بنت جعفر: (البسيط -ق- المتراكب)
يهزها كل عرق من أرومتها يزداد طيبا إذا الأعراق لم تطب
فلفظة عرق بعد قوله يهزها قبيحة بالنظر على ما هو متعارف عند العامة.
وقد كان بعض الشيوخ الذين أخذت عنهم هذه الصناعة يوصي باجتناب الألفاظ التي يفهم منها على حدتها أو مع ما يكتنفها معنى قبيح ولو بالعرف العامي.
٧- إضاءة: وإذا كان في اللفظة عرف في طريق من الطرق الشعرية فالواجب ألا تستعمل في مضاد ذلك الطريق، وذلك كقول حبيب: (الخفيف -ق- المترادف)
يا أبا جعفر جعلت فداكا بز حسن الوجوه حسن قفاكا
فالقفا ليس يليق غلا بطريقة الذم. وكذلك الأخدع والقذال. فاستعمال هذه الألفاظ في المدح مكروه.
٨- تنوير: ومن وضع الشيء موضع الشيء موضع ما يضاده ما وقع لكثير من تمني البؤس حيث يجب تمني النعيم في قوله: (الطويل -ق- المتدارك)
وددت وبيت الله أنك بكرة هجان، وأني مصعب ثم نهرب
كلانا به فمن يرنا يقل على حسنها جرباء تعدي وأجرب
إذا ما وردنا منهلا صاح أهله علينا، فلا ننفك نرمى ونضرب
فقالت له عزة: "لقد أردت بنا الشقاء! أما وجدت أمنية أوطأ من هذه!؟ ".
ومن أقبح المتمنى وأسوإ المذاهب في ذلك ما ورد في قصيدة أبي صخر في الفصل الذي أوله: "تمنيت من حبي علية، وهو مذكور في أمالي أبي علي وغيرها، فلا وغيرها، فلا معنى للإطالة بإيرادها.
٩- إضاءة: فكل هذه الأشياء، التي نبهنا عليها بهذا المعلم، من وضع ما لا يليق موضع ما يليق. وهو وضع غير مؤثر.
وإنما الوضع المؤثر وضع الشيء الوضع اللائق به، وذلك يكون بالتوافق بين الألفاظ والمعاني والأغراض من جهة ما يكون بعضها في موضعه من الكلام متعلقا ومقترنا بما يجانسه ويناسبه ويلائمه من ذلك.
والوضع الذي لا يؤثر يكون بالتباين بين الألفاظ والمعاني والأغراض من جهة ما يكون بعضها في موضعه من الكلام متعلقا ومقترنا بما يناقضه ويدافعه وينافره.
ولهذه الجملة تفاصيل قد وقعت الإشارة إليها في مواضع كثيرة من هذا الكتاب فليتأمل ذلك في مظان ذكره، وبالله التوفيق. و- معرف دال على طرق المعرفة بما تكون عليه المعاني من كمال أو نقص.
فأما الكمال في المعاني فباستيفاء أقسامها واستقصاء متمماتها وانتظام العبارات جميع أركانها حتى لا يخل من أركانها بركن ولا يغفل من أقسامها قسم ولا يتداخل بعض الأقسام على بعض.
١- إضاءة: وقد تقدم الإلماع بطرف من ذكر المتممات. ونحن نذكر في هذا الموضع كيف تقع المعاني كاملة باستيفاء أقسامها وانتظام العبارات جميع أركانها ومتمماتها حتى لا يقع فيها نقص ولا تداخل. فمن المعاني التي وردت القسمة فيه تامة صحيحة قول نصيب: (الطويل -ق- المترادف)
فقال فريق لا، وقال فريقهم نعم وفريق قال ويحك ما ندري
ومن المعاني التي وقع التقسيم فيها تاما صحيحا قول الشماخ: (الطويل -ق- المتدارك)
متى ما تقع أرساغة مطمئنة على حجر يرفض أو يتدحرج
لأن الحجر إن كان رخوا ارفض، وإن كان صلبا تدحرج. وليس لقائل أن يقول: إنه غادر قسما ثالثا، وهو أن تكون الأرض رخوة فيسوخ الحجر فيها، فإن الأرض إذا كانت بهذه الصفة لم يقع الحافر عليها وقوع اطمئنان واعتماد، فبقوله مطمئنة صحت القسمة وكملت.
ومن المعاني التي قسمت أتم تقسيم على جهة من التدريج والترتيب قول زهير: (البسيط -ق- المتراكب)
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
[ ٤٩ ]
ومن أمثلة ذلك في النثر قول بعضهم: "فلم تخل فيما بدأتني به من مجد تأثلته، أو شكر تعجلته، أو أجر ادخرته، أو متجر اتجرته، أو من أن تكون جمعت ذلك كله".
٢- تنوير: ومما انتظمت فيه العبارة جميع أركان المعنى واستوفت غايات المقصد قو الشاعر: (الطويل -ق- المتدارك)
أناس إذا لم يقبل الحق منهم ويعطوه، عاذوا بالسيوف القواضب
فاستوفى ركني المعنى بقوله: يقبل الحق منهم ويعطوه، فتم المعنى وكمل. ومما ورد المعنى فيه مستوفى من جميع أركانه متمما من جميع جهاته قول ابن الرومي: (البسيط -ق- المتراكب)
عفى كلوم زماني ثم قلمه عني فأحفاه، ثم اقتص ما اجترحا
فلم يغادر ركنا من أركان المعنى إلا ذكره، فتم المعنى وجاء في نهاية البلاغة.
٣- إضاءة: ومن المعاني التي وقعت قسمتها ناقصة قول جرير: (البسيط -ق- المترادف)
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم من العبيد وثلث من مواليها
فهذه قسمة ناقصة لأنه أخل بالقسم الثالث. وقيل: إن بعض بني حنيفة سئل: من أي الأثلاث هو من بيت جرير؟ ! فقال: من الثلث الملغى.
ومما نقصت قسمته من المعاني بتداخل قسم على قسم قول أبي تمام: (الكامل -ق- المترادف)
قسم الزمان ربوعها بين الصبا وقبولها ودبورها أثلاثا
فتداخلت القسمة لأن القبول هي الصبا على ما ذكره جماهير أهل اللغة. ومما تداخلت قسمته أيضًا من المعاني قول الآخر: (المتقارب -ق- المتدارك)
أبادر إهلاك مستهللك لما لي أو عبث العابث
فأما قول هذيل الأشجعي: (الطويل -ق- المتدارك)
فما برحت ترمي إليه بطرفها وتومض أحيانا إذا خصمها غفل
فيحتمل أن يكون من القسمة المتداخلة لن الإيماء بالطرف والإيماض به سواء. ويحتمل ألا يكون في الكلام تداخل بأن يريد بقوله تومض تبتسم، وهذا الوجه أولى بأن يحمل البيت عليه ليسلم الكلام بذلك من الخلل.