لما كانت الأغراض الشعرية يوقع في واحد منها الجملة الكبيرة من المعاني والمقاصد، وكانت لتلك المعاني جهات فيها توجد ومسائل منها تقتنى كجهة وصف المحبوب وجهة وصف الخيال وجهة وصف الطلول وجهة وصف يوم النوى وما جرى مجرى ذلك في غرض النسيب، وكانت تحصل للنفس بالاستمرار على تلك الجهات والنقلة من بعضها إلى بعض وبكيفية الاطراد في المعاني صورة وهيأة تسمى الأسلوب، وجب أن تكون نسبة الأسلوب، وجب أن تكون نسبة الأسلوب إلى المعاني نسبة النظم إلى الألفاظ، لأن الأسلوب يحصل عن كيفية الاستمرار في أوصاف جهة جهة من جهات غرض القول وكيفية الاطراد من أوصاف جهة جهة. فكان بمنزلة النظم في الألفاظ الذي هو صورة كيفية الاستمرار في الألفاظ والعبارات والهيئة الحاصلة عن كيفية النقلة من بعضها إلى بعض وما يعتمد فيها من ضروب الوضع وأنحاء الترتيب.
فالأسلوب هيأة تحصل عن التأليفات المعنوية، والنظم هيأة تحصل عن التأليفات اللفظية.
١- إضاءة: ولما كان الأسلوب في المعاني بإزاء النظم في الألفاظ وجب أن يلاحظ فيه من حسن الاطراد والتناسب والتلطف في الانتقال عن جهة إلى جهة والصيرورة من مقصد إلى مقصد ما يلاحظ في النظم من حسن الاطراد من بعض العبارات إلى بعض ومراعاة المناسبة ولطف النقلة.
٢- تنوير: ومما يجب أن يكون حال الأسلوب فيه على نحو ما يكون النظم عليه ملاحظة الوجوه التي تجعلها معا مخيلين للحال التي يريد تخيلها الشاعر من رقة أو غلطة أو غير ذلك.
فإن النظام اللطيف المأخذ، الرقيق الحواشي، المستعمل فيه الألفاظ العرفية في طريق الغزل، تخيل رقة نفس القائل. ولو وقع ذلك مثلا في طريقة الفخر لم تخيل الغرض، بل تخيل ذلك الألفاظ الجزلة والعبارات الفخمة المتينة القوية. وكذلك لطف الأسلوب ورقته ويخيلان لك أن قائلة عاشق، وخشونة الأسلوب وجفاؤه لا يخيلان ذلك نحو أسلوب الفرزدق في النسيب.
٣- إضاءة: وإنما وجب أن يستعمل في كل طريق الألفاظ المستعملة فيه عرفا، لأن ما كثر استعمال في غرض ما واختص به أو صار كالمختص لا يحسن إيراده في غرض مناقض لذلك الغرض، ولأنه غير لائق به لكونه مألوفا في ضده وغير مألوف فيه، وذلك مثل استعمال السالفة والجيد في النسيب، واستعمال الهادي والكاهل في الفخر والمديح ونحوهما، واستعمال الأخدع والقذال فيا لذم.
المنهج الرابع في الإبانة عن المنازع الشعرية وأنحائها وطرق المفاضلة بين الشعراء في ذلك وغيره من أنحاء التصاريف في هذه الصناعة وما يعتبر به أحوال الكلام وأحوال القائلين في جميع ذلك.