إذا كان الشاعر مقتدرا على النفوذ من معاني جهة إلى معاني جهة أو جهات بعيدة منها من غير ظهور تشتت في كلامه، وكان حسن المأخذ في ما يعضد به المعاني التي هي عمدة في كلامه من الأشياء التي يحسن اقترانها بها، بصيرا بأنحاء التدرج من بعض الأغراض والمعاني إلى بعض، بالغا الغاية القصوى في التهدي إلى أحسن ما يمكن أن تكون بنية غرضه وكلامه عليه من المعاني الشديدة العلقة بغرضه والانتساب إلى مقصده وإلى أحسن ما يمكن أن يزين به تلك المعاني المعتمدة ويبهيها مما يكون فيه إفادة مناسبة لما أفادته تلك المعاني فيكون في ذلك تقوية وتكميل لما اعتمد من المعاني الأول أو حياطة لها من الضعف والنقص. ويكون مع ذلك موفيا للمعاني المعتمدة وما ني عليها وألحق بها حقها من المبالغات وحسن الوضع، وكان مع ذلك مقتدرا على وضع العبارات عن جميع ذلك على أحسن ما يمكن أن توضع عليه حتى يتناصر إبداعه في المعاني بإبداعه في العبارات عنها، قبل فيه إنه بعيد المرامي. وهذا إنما يتفق بقوة العارضة ومعانة الطبع وكمال تصرف الفكر. وهؤلاء هم المقصدون من الشعراء المقتدرون على تعليق بعض المعاني ببعض واجتلابها من كل مجتلب.
١- إضاءة: فأما من لا يقوى من الشعراء على أكثر من أن يجمع خاطره في وصف شيء بعينه ويحضر في فكره جميع ما انتهى إليه إدراكه من صفاته التي تليق بمقصده ثم يرتب تلك المعاني على الوجه الأحسن فيها ويلاحظ تشكلها في عبارات منتشرة ثم يختار لتلك العبارات من القوافي ما تجيء فيها متمكنة ثم ينظم خارجة عن موصوفها، فهذا لا يقال فيه بعيد المرامي في الشعر، وهؤلاء هم المقطعون من الشعراء.