١- محاكاة حالة معتادة ٢- ومحاكاة حالة مستغربة ٣- ومحاكاة معتاد بمعتاد ٤- ومستغرب بمستغرب ٥- ومعتاد بمستغرب ٦- ومستغرب بمعتاد.
ومحاكاة الأحوال المستغربة إما أن يقصد بها إنهاض النفوس إلى الاستغراب أو الاعتبار فقط. وإما أن يقصد حملها على طلب الشيء وفعله أو التخلي عن ذلك مع ما تجده من الاستغراب.
وللنفوس تحرك شديد للمحاكيات المستغربة لأن النفس إذا خيل لها في الشيء ما لم يكن معهودا من أمر معجب في مثله وجدت من استغراب ما خيل لها مما لم تعهده في الشيء ما يجده المستطرف لرؤية ما لم يكن أبصره قبل. ووقوع ما لم يعهده في نفسه موقعا ليس أكثر من المعتاد المعهود.
وفنون الإغراب والتعجيب في المحاكاة كثيرة. وبعضها أقوى من بعض وأشد استيلاء على النفوس وتمكنا من القلوب.
٧- إضاءة: وتنقسم المحاكاة أيضًا -من جهة ما تكون مترددة على ألسن الشعراء قديما بها العهد، ومن جهة ما تكون طارئة مبتدعة لم يتقدم بها عهد- قسمين: فالقسم الأول هو التشبيه الذي يقال فيه إنه مخترع. وهذا أشد تحريكا للنفوس إذا قدرنا تساوي قوة التخييل في المعنيين لأنها أنست بالمعتاد فربما قل تأثرها له، وغير المعتاد يفجؤها بما لم يكن به لها استئناس قط فيزعجها إلى الانفعال بديها بالميل إلى الشيء والانقياد إليه أو النفرة عنه والاستعصاء عليه. وأما المعنى في نفسه فحقيقة واحدة. ولا فرق بالنظر إلى حقيقته بين أن يكون جديدا مخترعا وأن يكون قديما متداولا. وإنما الفضل في المعنى المخترع راجع إلى المخترع له وعائد عليه ومبين عن ذكاء ذهنه وحدة خاطره.
وسيأتي لهذا فضل بيان في المنهج الرابع من هذا القسم إن شاء الله.
٨- تنوير: وتنقسم المحاكاة أيضا، بالنظر إلى محاكاة جزء من معنى بجزء من معنى، أو محاكاة معنى بمعنى، أو محاكاة قصة تتضمن معاني بقصة تتضمن معاني، ثلاثة أقسام، الثالث منها تاريخ.
٩- إضاءة: والتخاييل في المعاني منها محاكيات تقع في أمور من جهة ما ترتبت في مكان وحصل لبعضها وضع ونسبة من بعض، فتحاكى على ما وقعت عليه من ذلك. ومنها محاكيات تقع في أمور من جهة ما ترتبت في زمان ووقع فيه بعضها بنسبة من بعض وانتسب شيء منها إلى شيء، فتحاكى أيضًا على ما وقعت عليه من ذلك.
١٠- تنوير: وإذا خيلت الأمور المترتبة في مكان أو زمان فلا يخلو من أن يتعرض إلى أن ما خيل عليه أمر كلي في ما كان من ذلك الجنس أو مناقضه لمن يعتقد أن ضد ما خيلته المحاكاة حكم كلي. فيستثني المحاكي بعض ذلك الكلي فيخرجه عن ذلك الحكم، أولا يتعرض. فإن تعرض فالقول إن كان متعلقا بأمر للناس به عناية وكان قد خرج في عبارة محكمة حكمة أو مثل أو جار مجرى الحكمة والمثل، وإن لم يتعرض فالقول اختصاص أو غير ذلك.
١١- إضاءة: ولا تخلو نفوس الأمور بأقوال دالة على خواصها وأعراضها اللاحقة التي تقوم بها في الخواطر هيآت تلك الأمور وتتسق صورها الخيالية، أو تخيل بأن تحاكى بأقوال دالة على خواص أشياء أخر وأعراضها التي بها تنتظم صورها الخيالية في النفس فتجعل الصور المرتسمة من هذه الأشياء المحاكى بها أمثلة لصور الأشياء المحاكاة. ويستدل بوجود الحكم في المثال على وجوده في المثل. فالقول على هذا ينقسم: إلى محاكاة قصص وما جرى مجراه، وإلى محاكاة حكمة، وإلى محاكاة قصص بقصص أو نحوه، وإلى محاكاة قصص بحكمة، ومحاكاة حكمة بحكمة. ولا تحاكى الحكمة بالقصص إلا حيث تكون جزئية لأن الحكمة إذا كانت كلية كانت أعم من القصص، فلا تحاكى لذلك به إلا على جهة الاستدلال التمثيلي. وربما منع من ذلك في بعض المواضع كون الحكمة أشرف من القصص وأجزل موقعا، فلا يفتقر إلى إعانتها بمحاكاة إذا كانت بالغة. فالحكم على هذا إذا استقصيت أركانها وأعرب عنها بلفظ جزل محكم العبارة أنيق النظام خفيف على اللسان مخيل لما دل به عليه محاكاة كانت أمثلة لما قبلها أو لم تكن.
ومعرف دال على طرق المعرفة بأحكام المحاكيات وما يجب أن يعتبر فيها، والاستبانة لمناقل الفكر في التخيلات الشعرية، وكيفية التهدي إلى التحسينات والتقبيحات التي ينحى بالأقاويل المخيلة نحوها.
[ ٣٠ ]
قد قدمت أن المحاكاة تنقسم قسمين: محاكاة الشيء نفسه، ومحاكاة الشيء في غيره. وبقي أن نتبين أحكام هذه وأحكام تلك. فلنقدم أحكام محاكاة الشيء نفسه. فأقول: إن الأشياء منها ما يدرك بالحس، ومنها ما ليس إدراكه بالحس. والذي يدركه الإنسان بالحس فهو الذي تتخيله نفسه لأن التخييل تابع للحس، وكل ما أدركته بغير الحس فإنما يرام تخييله بما يكون دليلا على حاله من هيئات الأحوال المطيفة به واللازمة له، حيث تكون تلك الأحوال مما يحس ويشاهد. فيكون تخييل الشيء من جهة ما يستبينه الحس من آثاره والأحوال اللازمة له حال وجوده والهيئات المشاهدة لما التبس به ووجد عنده. وكل ما لم يحدد من الأمور غير المحسوسة بشيء من هذه الأشياء، ولا خصص بمحكاة حال من هذه الأحوال بل اقتصر على إفهامه بالاسم الدال عليه، فليس يجب أن يعتقد في ذلك الإفهام أنه تخييل شعري أصلا، لأن الكلام كله كان يكون تخييلا بهذا الاعتبار.
١- إضاءة: فأما الأشياء المدركة بالحس فإنها تخيل بخواصها وأعراضها. وكلما كانت الأعراض في ذلك قريبة شهيرة مناسبة لغرض القول كانت أحسن. ولا يخلو الشيء المخيل من أن يقصد تخييله على الكمال أو يقتصر فيه على أدنى ما يخيله. فإن قصد تخييله على الكمال وجب أن يقصد في محاكاته إلى ذكر خواصه وأعراضه القريبة اللازمة له في جميع أحواله أو اللاحقة له في حال ما من جهة هيئته ومقداره ولونه وملمسه. وربما أردف ذلك بمحاكاة هيئته وحركته أو صوته إن كان مما له ذلك. وإن قصد الاقتصار فيه على أدنى ما يخيله كان الوجه أن يقصد إلى بعض خواص الشيء وأعراضه القريبة الشهيرة فيه، كما يقال الضئيلة الرقشاء، فتتخيل منه الحية. ويستحسن في المحاكاة أن يبدأ بالأصل في الشيء والأشهر فيه.
٢- تنوير: وكل شيء حوكي بما تدركه الحواس فلا يخلو من أن يكون متساوي الأجزاء متماثلها، أو متخالفها متفاوتها. وكلاهما لا يخلو من أن يكون على صفة واحدة من جميع أقطاره، أو على صفات شيء في هيئته أو لونه أو ملمسه. وكل ذلك لا يخلو من أن يكون على شكل واحد في حالي حركته وسكونه أو يكون ما يختلف شكله في الحالين. وكل ذلك يجب أن يعتبر في المحاكاة إذا قصد تخييل الشيء على جميع هيآته وأوصافه وفي جميع أحواله. فلا يخلط ما تعلق بوصف حال من ذلك بما تعلق بحال مغايرة لها. وقد يخيل الشاعر الشيء ببعض أوصافه دون بعض، وعلى ما يكون عليه في بعض أحواله.
٣- إضاءة: وكل ما تختلف أجزاؤه وأقطاره وأشكاله وهيئاته في حال حال من شؤونه فإن المحاكاة فيه لا تخلو من أن تفصل بحسب الأجزاء والأقطار والأشكال والهيئات وتجعل هذه الأشياء أركانا للكلام تقسم التخاييل إليها، وتبنى المحاكاة عليها كقول امرئ القيس: (المتقارب -ق- المتدارك) إذا أقبلت قلت سر عوفة وقول الأسعر الجعفي: (الرجز -ق- المتدارك) أما إذا استقبلته فتقول هذا مثل سرحان الغضا أو تجعل الشيء المخيل بحسب تباين أجزائه وأقطاره وأشكاله قطبا لمدار الأوصاف المخيلة لهيئة جزء جزء وقطر قطر من أجزاء الشيء وأقطاره، ولكل ما تتنوع إليه أشكاله وهيئاته بحسب اختلاف أحوالها مقرونة بمخيلاتها وما هي محاكاة له في الحقيقة على سبيل التخصيص أو مستغنى عن ذلك. فيكون الكلام على هذا متناسقا متسلسلا، وعلى الوجه الآخر مفصلا مقسما. وكلما كثرت التخاييل زاد التفصيل حسنا.
[ ٣١ ]
٤- تنوير: وإذا حوكي الشيء جملة أو تفصيلا فالواجب أن تؤخذ أوصافه المتناهية في الشهرة والحسن إن قصد التحسين، وفي الشهرة والقبح إن قصد التقبيح. ويبدأ (في الحسن) بما ظهور الحسن فيه أوضح وما النفس بتقديمه أعنى، ويبدأ في الذم بما ظهور القبح فيه أوضح والنفس بالالتفات إليه أيضًا أعنى، وينتقل من الشيء إلى ما يليه في المزية من ذلك. ويكون بمنزلة المصور الذي يصور أولا ما جل من رسوم تخطيط الشيء، ثم ينتقل إلى الأدق فالأدق. وهذا في تخييلات الأشياء المقصود تخييل جزء جزء منها واجب، مثل أن يبدأ بتخييل أعالي الإنسان ويختتم بتخييل أسفله، لاسيما إذا كانت المحاكاة تفصيلية. فإن كانت الأوصاف المخيل بها متفاوتة لم يحسن الجمع بينهما كيفما رتبت إلا باستئناف أحدهما في حيز من الكلام منفصل عن حيز الآخر أو بمنزلة المنفصل، لأن النقلة من الأدنى إلى الأعلى المفاوت طفرة، ومن الأعلى إلى الأدنى المفاوت سقوط وانحطاط. فأما إذا تناسبت الأوصاف فالوجه تقديم ما عناية النفس به أكبر وهو عندها أشهر في الشيء وأظهر فيه بالنسبة على غرض الكلام.
فهذا هو الوجه في المحاكيات والأوصاف إذا تناسبت، وأن يقال منا قال حبيب: (الكامل -ق- المترادف)
إنا غدونا واثقين بواثق بالله شمس ضحى وبدر تمام
وكما قال المتنبي: (البسيط -ق- المتراكب) شمس ضحاها هلال ليلتها ويحبون عكس هذا، لكن هذا هو الوجه الذي كثر في فصيح كلام العرب.
فأما قول القائل: (الرجز -ق- المتدارك)
تالله لا كلمتها ولو أنها كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي
فإنما كان النسق ههنا على سبيل الترقي لأن أو يذهب بها حيث يقصد تعجيب المخاطب من زيادة الشيء تعظيما بعد تعظيم أو تحقيرا بعد تحقير مذهب من تخطى الشيء على ما هو أبلغ منه في المعنى. فحسن هذا لما كان هذا المذهب مناسبا لمعنى (أو) وما ينحى بها نحوه.
٥- إضاءة: وإنما قدمت العرب أدنى المعنيين على الآخر في مواضع معلومة من كلامها لمعان أخر: إما لأن الأحقر من جهة ما متقدم على ما هو أجل منه من جهة أخرى، أو لأن أحدهما في ضمن الآخر ويخيل بعض ما خيل لا يكون بينهما تباين إلا من جهة الأزيد والأنقص والأعم والأخص. فذكر القاصر منهما بعد الآخر فضل، فلا يمكن أن يقون به إلا بتقديمه عليه، أو لأن الأحقر بالنسبة إلى غرض الكلام أبلغ نحو قولهم: ما أخذت منه قليلا ولا كثيرا لأن إنكار القليل أبلغ من جهة الجحود فكان القليل لذلك أولى بالتقديم، أو لأن الأحقر يكون فيه استدراج لذكر الأجل وتسبب له، ولمعان أخر يطول ذكرها. وكذلك التغليب في مثل القمرين إنما يغلب الأرجح من جهة الفصاحة أو البلاغة لفظا أو معنى. وهذه جملة تحتاج إلى تفصيل، قد أغنى عن ذكره هنا ما أوردناه ونورده بعد إن شاء الله من قوانين الفصاحة والبلاغة. فهذا هو القانون الذي يجب أن يعتبر في ترتيب التخييل والأوصاف.
[ ٣٢ ]
٦- تنوير: وإنما وقع الغلط في هذا لقوم من القدماء كانوا فقراء من علم البلاغة على غنائهم من الرواية، ولقوم من أبناء هذا الزمان هم أفقر خلق الله من تلك وهذه، ولمن يريد أن يستنبط قوانين هذه الصناعة من صناعة أخرى لعله لا يحسنها بله هذه، وذلك غير ممكن، فإنما يستنبط الشيء من معدنه ويطلب في مظنته، أو لعل من هذه صفته قد رأى يوما أحدا ممن تكلم في علم البلاغة قد عاب الانحطاط من الصفة إلى ما يوافقها في نسق واحد من الكلام. فهذا لا يخلو من أن يكون غير عارف بهذه الصناعة مثله، فهو جدير أن يظن أن ضد ذلك حسن وهو البدء بالشيء الأحقر والصيرورة منه إلى الأعظم المفاوت له في غرض يتراميان فيه إلى تحسين شيء واحد أو تقبيحه، أو يكون عارفا بالصنع فيكون قد عاب ما هو جدير بالعيب، وهو يعتقد أن ضده معيب أيضًا كذلك لأن كلا الموضعين من وضع التنافر. وما أكثر ما يقع الغلط للناس في هذه الصنعة من هذا الباب! لأن وجوه النظر في ما يحسن ويقبح في هذه الصنعة لا تحصى كثرة. وكل ما يستحسن ويستقبح فإن له اعتبارات شتى بحسب المواضع وما يليق بواحد منها. وبحسب الأغراض والأحوال وتباين المقاصد في جميع ذلك تتشعب طرق الاعتبار في هذه الصناعة إلى ما يعز حصره، فيطالع بعض من لم يتفرغ لهذه الصنعة ولا في طبعه أن يعلمها لو تفرغ لها الشيء التافه من الأقاويل في هذه الصناعة، فيبني نظره فيها على ذلك، وهو قد حفظ شيئا وغابت عنه أشياء.
٧- إضاءة ويجب في محاكاة أجزاء الشيء أن ترتب في الكلام على حسب ما وجدت عليه في الشيء لأن المحاكاة بالمسموعات تجري من السمع مجرى المحاكاة بالمتلونات من البصر. وقد اعتادت النفوس أن تصور لها تماثيل الأشباح المحسوسة ونحوها على ما عليه ترتيبها. فلا يوضع النحر في صور الحيوان إلا تاليا للعنق وكذلك سائر الأعضاء فالنفس تنكر لذلك المحاكاة القولية إذا لم يوال بين أجزاء الصور علة مثل ما وقع فيها، كما تنكر المحاكاة المصنوعة باليد إذا كانت كذلك. فإن وقعت محاكاة على هذا النحو من فساد الترتيب فالواجب أن يعتقد فيها أنها صور جزئية إذا كان كل جزء منها قد خيل على حدته على ما يجب فيه لا صورة كلية لأن المجموع ليس له نظام المجموع، فيجب لهذا أن تعتبر المحاكاة تفاريق.
٨- تنوير: ولا يخلو الشيء من أن يحاكى بأوصاف له شهيرة أو صفات خاملة أو بمجموعها. ولا تخلو من أن تقع التخاييل في جميع أجزاء الشيء أو في بعضها. والمخيل الذي تقع التخاييل في بعض أجزائه لا يخلو أن تقع في طرف واحد منه، أو في كلا طرفيه، أو فيهما معا وما بينهما. وأحسن التخاييل ما اشتهرت الأوصاف فيه وعمت.
٩- إضاءة: فالمحاكاة التامة في الوصف هي استقصاء الأجزاء التي بموالاتها يكمل تخييل الشيء الموصوف. وفي الحكمة استقصاء أركان العبارة عن جملة أجزاء المعنى الذي جعل مثالا لكيفيات مجاري الأمور والأحوال وما تستمر عليه أمور الأزمنة والدهور. وفي التاريخ استقصاء أجزاء الخبر المحاكى وموالاتها على حد ما انتظمت عليه حال وقوعها، كقول الأعشى: (البسيط -ق- المترادف)
كن كالسموءل إذ طاف الهمام به في جحفل كسواد الليل جرار
إذ سامه خطتي خسف، فقال له: قل ما شاء، فإني سامع حار
فقال: غدر وثكل أنت بينهما فاختر وما فيهما حظ لمختار
فشك غير طويل، ثم قال له اقتل أسيرك، إني مانع جاري
فهذه محاكاة تامة، ولو أخل بذكر بعض أجزاء هذه الحكاية لكانت ناقصة، ولو لم يورد ذكرها إلا إجمالا لم تكن محاكاة ولكن إحالة محضة.
١٠- تنوير: فأما طريق التهدي إلى تحسينات الأشياء وتقبيحاتها بالمحاكاة فإنه لما كان المقصود بالشعر إنهاض النفوس إلى فعل شيء أو طلبه أو اعتقاده أو التخلي عن فعله أو طلبه أو اعتقاده بما يخيل لها فيه من حسن أو قبح وجلالة أو خسة وجب أن تكون موضوعات صناعة الشعر الأشياء التي لها انتساب إلى ما يفعله الإنسان ويطلبه ويعتقده. والأقاويل الدالة على تلك الأشياء من حيث تخيل بها تلك الأشياء. فتحسين المحاكاة وتقبيحها إما يتعلقا بفعل أو اعتقاد، أو يتعلقا بالشيء الذي يفعل أو يعتقد.
وطرق تعلقها بالشيء أو فعله أو اعتقاده أربعة:
[ ٣٣ ]
١- إما أن يحسن الشيء من جهة الدين وما توثره النفس من الثواب على فعل شيء أو اعتقاده وتخاف من العقوبة على تركه وإهماله وإما أن يقبح من ضد ذلك.
٢- وإما أن يحسن من جهة العقل وما يجب أن يوثره الإنسان من جهة ما هو عاقل ذو أنفة من الجهل والسفاهة وإما أن يقبح من ضد ذلك.
٣- وإما أن يحسن من جهة المروءات والكرم وما توثره النفس من الذكر الجميل والثناء عليه أو يقبح من ضد ذلك.
٤- وإما أن يحسن من جهة الحظ العاجل وما تحرص عليه النفس وتشتهيه مما ينفعها من جهة ما توثر من النعمة وصلاح الحال أو يقبح من ضد ذلك.
فوقوع التحسينات والتقبيحات في التخاييل الشعرية إنما يسلك به أبدا طريق من هذه الأربعة وهي: الدين والعقل والمروءة والشهوة.
ويتعلق التحسين والتقبيح أبدا إما بالشيء الذي يراد الميل إليه أو النفرة عنه، وإما بفعله أو اعتقاده. فإذن التحسينات المتعلقة بالشيء بالنسبة على هذه الطرق أربعة، وبفعله أو اعتقاده أربعة، فتلك ثمانية جهات يتفقدها الشاعر إذا أراد تحسين شيء.
وللتقبيحات أيضًا بالنسبة إلى تلك الطرق فيما تعلق بالشيء أربعة مذاهب، وفيما تعلق بفعله أو طلبه أو اعتقاده أربعة أيضا. فهذه أيضًا ثماني جهات.
والجهات المزدوجة وهي التي يتعلق التحسين والتقبيح فيها بالشيء وفعله أو اعتقاده معا بالنسبة على تلك الطرق الأربعة أيضًا ثمان.
فحصل من هذه الأنحاء التي تتفرع غليها التحسينات والتقبيحات أربع وعشرون صورة. وإذا اعتبر تحسين الشيء نفسه أو تقبيحه بالنظر إلى ما يكون عليه في نفسه وما يرجع إليه، أو بالنسبة على ما يكون منه بسبب مما هو خارج عنه، ومن جهة ما يقع منه أو به فعل، تضاعفت القسمة.
١١- إضاءة: والتحسين والتقبيح يتعلقان بالفعل من جهة ما هو عليه في نفسه، ومن جهة ما تكون عليه الأحوال المطيفة به. والأحوال المطيفة بالفعل هي: ١- الزمان ٢- والمكان ٣- وما منه الفعل ٤- وما إليه الفعل ٥- وما به الفعل ٦- وما من أجله الفعل ٧- وما عنده الفعل.
فقد يكون الفعل حسنا أو قبيحا في نفسه، وقد يكون الحسن والقبح من جهة بعض هذه الأحوال المطيفة. فكل فعل قصد تحسينه أو تقبيحه من جهة ما يرجع غليه في نفسه، أو من جهة ما يرجع إلى الأحوال المطيفة به فإنما يكون التحسين والتقبيح فيه من جهة ما يكون وفقا لبعض تلك الأشياء التي كأنها غايات تترامى إليها مطالب الناس، أو من جهة ما لا يكون وفقا لها. وتلك الأشياء التي عليها مدار التحسينات والتقبيحات هي: الورع والعقل والمروءة والشهوة في الحظ العاجل. فتحسين الفعل وتقبيحه يقع في كل ركن من هذه الأركان من ثمانية أنحاء على ما تقدمت الإشارة إليه من حيث إن الفعل تطيف به أحوال سبعة.
١٢- تنوير: وإنما جعلت التحسين والتقبيح ينصرفان طورا على الشيء نفسه، وتارة على فعله أو اعتقاده أو طلبه، وتارة إلى مجموع ذلك كله، لأن الشيخ إذا عشق جارية جميلة وأردنا أن نصرفه عنها بالأقاويل الشعرية اعتمدنا ذم الفعل وعيب التصابي في حال المشيب وما ناسب هذا. فإن كانت قبيحة أو ممن يجوز تخييل القبح فيها أضفنا إلى ذم تصابي الشيخ ذم قبح الفتاة. فإن كان العاشق شابا اعتمدنا ذم ما في المرأة من قبح خلق وخلائق نحو ما يوصف النساء به من الغدر والملالة وغير ذلك. ولم نقبح عليه العشق في الشباب إلا من جهة عقل أو نحو ذلك.
١٣- إضاءة: والتحسينات والتقبيحات الشعرية تميل على أشياء وتنصرف عن أشياء وتكثر في أشياء وتقل في أشياء بحسب ما يكون عليه الشيء من التباس بآداب البشر، وما يكون عليه من نفع أو ضرر، أو لا يكون له التباس يعتد به في تأثر النفوس له من جهة نفع أو ضرر. وقد تقدم التنبيه على أحوال المعاني في جميع ذلك. فليتصفح هنالك، والله الموفق.
[ ٣٤ ]
١٤- تنوير: فأما كيفيات مناقل الفكر في التخييلات التي يرام بها إيقاع التحسينات والتقبيحات، وفي التخيلات التي يقصد بها أن تكون أعوانا على إيقاع ذلك فيحصل باقتفاء الخواطر مناقلها في جميع ذلك، بوضع ما يجب في حيز حيز من تلك المناقل على ما يجب من الأجزاء التي منها التئام هذه الصناعة لفظا ومعنى كمال هذه الصناعة على الوجه الذي تكون به مهيأة لحصول الغاية المقصودة بها فهي أن للمخيلين في التخييلات التي يحتاجون غليها في صناعتهم أحوالا ثمانية. لكل واحدة منها في زمان مزاولة النظم مرتبة لا تتعداها.
الحالة الأولى: يتخيل فيها الشاعر مقاصد غرضه الكلية التي يريد إيرادها في نظمه أو إيراد أكثرها على ما أبينه في القسم الثالث إن شاء الله.
الحال الثانية: أن يتخيل لتلك المقاصد طريقة وأسلوبا أو أساليب متجانسة أو متخالفة ينحو بالمعاني نحوها ويستمر بها على مهايعها. وسيأتي الكلام في الأساليب في القسم الرابع أن شاء الله.
الحال الثالثة: أن يتخيل ترتيب المعاني في تلك الأساليب. ومن أهم هذه التخيلات موضع التخلص والاستطراد.
الحال الرابعة: أن يتخيل تشكل تلك المعاني وقيامها في الخاطر في عبارات تليق بها ليعلم ما يوجد في تلك العبارات من الكلم التي تتوازن وتتماثل مقاطعها ما يصلح أن يبني الروي عليه. وفي هذه الحال أيضًا يجب أن يلاحظ ما يحق ما يحق أن يجعل مبدأ ومفتتحا للكلام، وربما لحظ في هذه الحال موضع التخلص والاستطراد.
١٥- إضاءة: فهذه أربع أحوال في التخاييل الكلية.
والحال الخامسة، وهي أول حال من التخاييل الجزئية: أن يشرع الشاعر في تخيل المعاني معنى معنى بحسب غرض الشعر.
الحال السادسة: أن يتخيل ما يكون زينة للمعنى وتكميلا له. وذلك يكون بتخيل أمور ترجع إلى المعنى من جهة حسن الوضع والاقترانات والنسب الواقعة بين بعض أجزاء المعنى وبعض، وبأشياء خارجة عنه مما يقترن به ويكون عونا له على تحصيل المعنى المقصود به.
والحال السابعة: أن يتخيل، لما يريد أن يضمنه في كل مقدار من الوزن الذي قصد، عبارة توافق نقل الحركات والسكنات فيها ما يجب في ذلك الوزن في العدد والترتيب بعد أن يخيل في تلك العبارات ما يكون محسنا لموقعها من النفوس.
الحال الثامنة: أن يتخيل، في الموضع الذي تقصر فيه عبارة المعنى عن الاستيلاء على جملة المقدار المقفى، معنى يليق أن يكون ملحقا بذلك المعنى، وتكون عبارة المعنى الملحق طبقا لسد الثلمة التي لم يكن لعبارة الملحق به وفاء بها. ومن هذا قول المتنبي: (الطويل -ق- المتدارك)
نهبت من الأعمار ما لو حويته لهنئت الدنيا بأنك خالد
ولا يتفق هذا إلا في بعض المواضع. وهذه الأحوال كلها قد ألمعت في هذا الكتاب بما يجب في كل واحدة منها بحسب ما توسع له هذا الموضوع، إذ لتفصيل القول في جميع ذلك طول كثير، وفي ما ذكرته وأذكره من ذلك إن شاء الله مقنع.
١٦- تنوير: فعلى هذا النحو من الانتقال أصل منشأ الشعر. وقد يحصل للشاعر بالطبع البارع وكثرة المزاولة ملكة يكون بها انتقال خاطره في هذه الخيالات أسرع شيء حتى يحسب من سرعة الخاطر أنه لم يشغل فكره بملاحظة هذه الخيالات وإن كانت لا تتحصل له إلا بملاحظتها ولو مخالسة. وكانت هذه الملكة نحوا من ملكة الخاطر، فإنه وإن كان أصل تعلمه القراءة تتبع الحروف وحركاتها وسكناتها مقطعة، فإنه تحصل له ملكة لا يحتاج معها إلى ذلك التتبع. بل يعلم عندها يقع بصره على مجموع الحروف المختطة أي لفظ يدل عيه ذلك المجموع. هذا على أن صناعة مؤلف الكلام كصناعة الناسج تارة ينسج بردا من يومه وتارة حلة من عامه، ولكل قيمته. وإنما يظن أن ليس بين أنماط الكلام هذا التفاوت من جهل لطائف الكلام وخفيت عليه أسرار النظم.