هدفُهُ أن يكون إمامًا وعميدًا ل «تغريب الثقافة» في بلد «الكتاب والسُّنَّة»، بعد أن ارتكس بين مؤلَّفات مفكري الغرب - ولو كان يعرف الشرق ـ، ثم رأى اغترار الناس به، وكثرة أتباعه المصفقين لسعة اطلاعه على كتب الروايات والمترجمات؛ وبئس اغترارٌ في سبيلِ تفرُّدٍ على مَنْهجٍ فَاسدٍ، حاملٍ لِواء الدعوة؛ والداعي إلى البدعة ليس كالمتلبِّس بها
وليست كثرةُ الأتباعِ دليلًا على صِحَّةِ منهج المتبوع، فلو خَرَجَ مُدَّعٍ للنبوة، لوَجَد له أتباعًا، قال ابن قتيبة - ﵀ - (ت ٢٧٦ هـ): (والناسُ أسرابُ طَيرٍ يتبعُ بعضُها بعضًا؛ ولو ظهرَ لهم من يدَّعي النبوة ــ مع معرفتِهم بأنَّ رسولَ الله - ﷺ - خاتمُ الأنبياء، أو مَنْ يدَّعِي الرُّبُوبيَّةَ ــ؛ لوجدَ على ذلك أتباعًا وأشياعًا!). (١)
أسأل الله أن يكفَّ عن المسلمين شرَّه وأمثاله، ويهدينا وإياهم سواء السبيل، وأن يبصرنا جميعًا بالحق، ويعيننا ويثبتنا عليه حتى نلقاه.
قال العلامة: محمود شاكر - ﵀ -: (إنَّ العار أن يقضي الشاب
_________________
(١) «تأويل مختلف الحديث» - ط. الريان والمكية - (ص ١٥٠).
[ ١٨ ]
من أول نشأته إلى آخر خروجه من دراسته أعوامًا طوالًا، يدرس في أثنائه تاريخ «نابليون» وأمته، وفلانًا وفلانًا من أفذاذ الأمم الغربية، وهو لايعرف من ماضي أمته العربية إلا نتفًا تذهب مع الأيام، هذا الماضي الذي يصوره الذين يتعرضون للتاريخ من مستشرقين يقولون غير مالايعلمون (١)، أو يقولون فيما لايعلمون؛ أو عرب قد فسدت قلوبهم على تاريخهم، فهم يتقيدون لآراء عن تاريخهم كلها بهتان وتدليس، هذا الماضي الذي يصورون في صورة مسخ تاريخي هائل، قد خرج على الدنيا كما يخرج الوباء، ثم انقشع عنها؛ فأعقبها صحة وعافية، أو كما يقولون!). (٢)
وأفاد البشير الإبراهيمي الجزائري (ت ١٣٨٥ هـ) - ﵀ -: أن الغرب يملأ عقول أبنائنا ونفوسهم بعلومهم وتاريخهم، حتى لا يبقى فيها متسع لذكريات ماضينا وأسلافنا، وإن الواحد من هذا الصنف من أبنائنا
_________________
(١) يُنظر في الهدف من كتابات المستشرقين: «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا» لمحمود شاكر (ص ٥٩).
(٢) مقالة كتبها عام (١٣٥٣ هـ/ ١٩٣٥ م)، في مجلة المقتطف، وهي ضمن «جمهرة مقالاته» (٢/ ٧٠٠).
[ ١٩ ]
ليعرف الكثير عن «نابليون»، ولا يعرف شيئًا عن «عمر» - ﵁ -، ويحفظ تاريخ «جان دارك» عن ظهر قلب، ولا يحفظ كلمة عن «عائشة» و«خديجة» - ﵄ - (١)
وقال: (عمد الغرب إلى الشباب المسلم فرموه بهذه التهاويل من الحضارة الغربية، وبهذه التعاليم التي تأتي بنيانه الفكري والعقلي من القواعد، وتحرف المسلم عن قبلته، وتحول الشرقي إلى الغرب؛ وإن من خصائص هذه الحضارة أن فيها كلَّ معاني السحر، وأساليب الجذب، وحسبكم منها أنها تفرق بين المرء وأخيه، والمرء وولده؛ فأصبح أبناؤنا يهرعون إلى معاهد العلم الغربية عن طوعٍ مِنَّا يشبهُ الكُرْهَ، أو عن كُرْهٍ يشبه الطَّوْعَ، فيرجعون إلينا العلم، أشياء أخرى ليس منها الإسلام ولا الشرقية، ومعهم أسماؤهم، وليس معهم عقولهم ولا أفكارهم، وإن هذه لهي المصيبة الكبرى التي لا نبعد إذا سمَّيناها مسخًا، وليتها كانت مسخًا للأفراد، ولكنها مَسخٌ للأمم، ونَسْخٌ لمقوِّمَاتها). (٢)
_________________
(١) «آثاره» (٢/ ٤٦٨).
(٢) «آثاره» (٢/ ٤٧٠). وانظر: «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا» لمحمود شاكر (ص ١٤٨ - ١٤٩، ١٥٤)، و«الابتعاث تاريخه وآثاره» د. عبدالعزيز البداح.
[ ٢٠ ]