ولكن لايصل عجبي منها إلى حد الإعجاب بها، أو تذوقها وفهمها.
وكيف أعجب بلوحة ما أرى فيها إلا علب كبريت مكوَّمة أكوامًا، أو حجارة مركومة ركمًا، أو سلمًا مقلوبًا قد تعلق بخطوط متعرجة متداخلة بلا ترتيب ولا نظام ولا دقة ولا إحكام، كأنها خرابيش الدجاج على بقعة من الرمل، ثم أرى تحتها كتابة موضِّحة لها تقول إنها صورة امرأة جميلة، أو مشهد غروب الشمس في البحر وما ثَمَّ شمس ولا بحر، ما هناك إلا الفوضى والعبث!
كهذا المذهب الحديث في الشعر، حيث ترصف كلمات جميلة لايربط بينها رباط يتبينه الفكر، ولا صورة يلذها الذوق، ولا موسيقى تطرب لها الآذان، ما هي إلا معجم، ولكنه معجم قد اختلَّ ترتيبه! قالوا: إن هذا هو الشعر الحديث!
والذي نعرفه أن الألفاظ أوعية المعاني، فإذا خَلَت من المعنى المبتكر، والصورة الحلوة، عادت ألفاظًا فارغة، لها إن قرعتها طنين ورنين، وما فيها فائدة للمستفيدين، وصارت ألاعيب لأدباء ذلك الزمان الذي يدعوه مؤرخو الأدب بعصر الانحطاط؛ كلُّ همِّ رجالِهِ التلاعب بالألفاظ لا يجاوزونها.
[ ٣١ ]
ثم ذكر الطنطاوي - ﵀ - حِفظَ أهل الأدب في زمان الشيخ لمقامات الحريري، وما فيها من التفنن مثل ما جاء في المقامة السادسة: كلمة منقوطة، وبعدها مهملة.
وفي المقامة السادسة عشرة، جمل تقرأ طردًا وعكسًا، من اليمين، ومن اليسار مقلوبة، لاتتغير.
ثم ذكر - ﵀ - تأليفًا ليس فيه حرف معجم منقوط.
وذكر كتابًا فيه خمسة جداول، كل جدول علم من العلوم. يعني به «عنوان الشرف الوافي» للمقرئ.
وذكر أنه كتب في «مجلة الرسالة» (٢٣/رجب/١٣٥٤ هـ) مقالةً فيها وصف لكتاب عجيب، ليس في تراثنا الفكري مثيل، قال: لأنه جاء بشئ مما أُسمِّيه «الترف العقلي»، فقد تعمد أن لايأتي فيه إلا بما هو خطأ محرَّف عن أصله، معدول به عن جادة الصواب، ممال به عن سبيل الحق، فلا بيت ينسب إلى صاحبه، ولاكتاب يعزى إلى مؤلفه، ولا مسألة تورد على وجهها، ولا بلدة توضع في موضعها
وذكر أن اسم الكتاب «اختراع الخُراع» للصفدي (ت ٧٦٤ هـ)، والخُراع: داء يصيب الدابة في ظهرها فتبرك، ولا تستطيع القيام.
[ ٣٢ ]
وقد بنى كتابه على بيتين محرَّفين. ثم شرحهما.
والبيتان هما:
لو كنت بَكْتوت امرأة جارية الفضل * وكان أكل الشعير في البرد مَلْبسكو
لابُدَّ من الطلوع إلى بئرك في * الليل وظلام النهار متضحٍ ًا
علَّق الطنطاوي على البيتين، بقوله: [لعل الله كشف للصفدي طرفًا من مستقبل الأدب، فجعله يقرأ ما ينشر في أيامنا من الكلام على أنه شعر، والذي لايختلف عن هذين البيتين اللذين أوردهما!
هذا الشعر الذي تعب أخونا الأستاذ الفاضل: أكرم زعيتر في وضع الأسماء له.
وكثرة الأسماء ليست دائمًا دليلًا على شرف المُسمَّى، فالقطُّ له أكثر من خمسين اسمًا، ثم لم يكن إلا قطًا، ما صار نَمِرًا ولا أسدًا].
وذكر الصفدي في كتابه أن الناس تعجبوا من هذين البيتين مما تفق فيهما من اضطراب النظم، واختلال القافية، وعدم الإعراب، ومخالفة أوضاع اللغة، وتناقض المعنى وفساده، والتخبيط في التاريخ ، فعلَّق
[ ٣٣ ]
الطنطاوي: [فكيف لو قرؤوا شعر الحداثة الذي تنشره الصحف على أنه هو الشعر (١) لامارواه الرواة وأودعوه الكتب وملؤوا به الدواوين]. (٢)
ومن صور تفنُّنِهم في الموضوعات، وإفرادهم دقائقها ولطائفها في تأليف (٣):
_________________
(١) وانظر للفائدة: «مقالات الطناحي» (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
(٢) نشرها في «مجلة الرسالة» (العدد ٢٠/ص ١٦٩٨)، سنة ١٩٣٥ م وفي «صحيفة الشرق الأوسط» سنة ١٩٨٧ م. ثم نُشرت في «فصول في الثقافة والأدب» من جمع سبط الطنطاوي: مجاهد ديرانية. (ص ١٠٩ ــ ١١٨)، و(ص ٣٠١).
(٣) مجرد الإشارة فيه صعوبة، فكيف بالاختصار ــ وإن المرء ليستحي من التمثيل! لكنها الحاجة لشداة الأدب الغافلين عن تراث أمتهم ـ، وسيكون غالب التمثيل من كتب الأدب والثقافة؛ لأن المفتونين بالكتب الغربية، يدورون حول هذا الاتجاه، زيادة على كتب الفلسفة! وللنظر في باب المؤلفات عمومًا: «كشف الظنون» لحاجي خليفة، «معجم الموضوعات المطروقة» للحِبْشي (مهم)، «المعجم المصنف لمؤلفات الحديث» لخير رمضان يوسف، «دليل المكتبة العقدية» د. محمد الشايع؛ ولشيخي الفاضل: عبدالعزيز بن إبراهيم بن قاسم - حفظه الله - موسوعة كبرى في المؤلفات المفردة على الأبواب الفقهية - يسرها الله طباعتها ـ، وقد بدأ العمل فيها من عام (١٤٠٢ هـ). وللأستاذ: محمد خير رمضان يوسف - حفظه الله - كُتُبٌ عِدَّة حَول غرائب المؤلفات، منها: «كتب نادرة من التراث الإسلامي»، و«نوادر الكتب غريبها وطريفها»، و «الإبحار إلى أعماق التراث، عرض مجموعة من الكتب النادرة».
[ ٣٤ ]