ومع تميز التراث الإسلامي، وتأثيره في الحضارات الأخرى؛ ومع تعالي وغرور الإفرنجيين (١) وإنكارهم التأثر والاستفادة وقيام حضارتهم - سابقًا - من حضارة المسلمين؛ نجد عددًا من الإفرنج المنصفين أدركوا هذه الحقيقة، واعترفوا بها، قال العلامة عبدالسلام هارون - ﵀ -: «فاعترف العلماء الأوربيون بقيمة التراث العربي، واستولت عليهم الدهشة إزاء ظهورهم على ما صنع أسلافنا في مختلف زوايا العلم والمعرفة، فالتراث العربي غني في الكيفية، وغني في الكمية، ولا تزال آثار هؤلاء الأسلاف في التشريع، والعلوم الفلسفية، والرياضية، والفنية، وغيرها معدودةً في قمة الإنتاج الفكري العالمي، ولا تزال النظريات الفلسفية (٢) والاجتماعية لعلماء العرب وفلاسفتهم أصلًا وجذرًا من جذور علم الاجتماع والفلسفة المعاصرة». (٣)
«لقد اضطلع الأدب العربي بتغيير ذوق الأوربيين في فترة العصر
_________________
(١) انظر: «أباطيل وأسمار» لمحمود شاكر (ص ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٢) فائدة: انظر تجربة الطنطاوي في دراسة الفلسفة: «ذكرياته» (١/ ٣٤١).
(٣) «قطوف أدبية» لعبدالسلام هارون (ص ٢٩)، وانظر: «علوم العرب والمسلمين وأثرها في حضارة الغرب» لعبدالكريم نصر (ص ٣٤٦ - ٣٥٥)، وما سبق في (ص ٤٠) من هذا البحث.
[ ٤٣ ]
الوسيط، كما اضطلعت العلوم العربية بتغيير عقليتهم، ويتفق مؤرخو الأدب الأوربي عامة على التأثير الحاكم الذي أحدثه الأدب الأندلسي في تطور القصة الأوربية في العصر الوسيط؛ فلم يعرف الغرب الأوربي من فنون الآداب قبل احتكاكه بالعرب إلا القصص الخرافية، والملاحم الحماسية ». (١)
قال البشير الإبراهيمي الجزائري (ت ١٣٨٥ هـ) - ﵀ -: (إن كثيرًا من العلوم التي بنيت عليها الحضارة الغربية لم تصلها إلا عن طريق اللغة العربية بإجماع الباحثين منا ومنهم، وإن المنصفين منهم ليعترفون للغة العربية بهذا الفضل على العلم والمدنية، ويوفونها حقَّها من التمجيد والاحترام، ويعترفون لعلماء الإسلام بأنهم أساتذتهم في هذه العلوم، عنهم أخذوها، وعن لغتهم ترجموها، وإنهم ليحمدون للدهر أن هيأ لهم مجاورة المسلمين بالأندلس، وصقلية، وشمال أفريقيا، وثغور الشام؛ حتى أخذوا
_________________
(١) «حركة الترجمة من اللغات الشرقية إلى اللغة اللاتينية» د. إيمان سقيو (ص ٢٩٧)، وقد أحالت إلى: «المدنية الإسلامية» لسعيد عاشور (ص ٧٧)، و«أثر الأدب الأوربي على القصة الفرنسية في العصر الوسيط» للشوباشي (ص ٧٠)، و«بحوث في تاريخ وحضارة الإسلام» للسيد عبدالعزيز (ص ٣٠٩).
[ ٤٤ ]