في مُتَشابِهِ شِعْرِهِ بِشِعْرِ غَيْرِهِ
مِنْ قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ، وَعَرَبِيٍّ وَمُولّدٍ، في الّفْظِ وَالْمَعْنَى،
عَلى حَسَبِ طَاقَتِي فِي الإِملاءِ، وَقَد أُخِلُّ مِنْ ذلِكَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ
فَمِنْ ذلكَ قَوْلُهُ:
وقُوفًا بها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ يَقولونَ: لا تَهْلِكْ أَسًى وتَجَمَّلِ
هو كَقَولِ طَرَفَةَ:
وقُوفًا بها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ يَقولونَ: لا تَهْلِكْ أسًى وَتَجَلَّدِ
لَيْسَ بَيْنَهُما إِلَّا حَرْفانِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وإِنَّ شِفَائي عَبْرَةٌ مُهْراقَةٌ فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ؟ !
[ ٢١٦ ]
أَمَّا الشَّطْرُ الأَوَّلُ فَمْعَناهُ الاسْتِشْفَاءُ بالبُكاءِ مِنَ الحُزْنِ، وهو كَثِيْرٌ في كَلامِ النَّاسِ، وشَبِيْهٌ بهِ قَوْلُ أبي تَمَّامٍ:
فَلَعَلَ عَيْنَكَ أَنْ تَجُودَ بمائِها والدَّمْعُ مِنْهُ حاذِرٌ ومُوَاسِ
أَيْ: يُواسِيْكَ بِنَفْسِهِ حَتَّى تَسْتَشْفِيَ به.
وأَمَّا الشَّطْرُ الثاني، ففي مَعْنَاهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
[ ٢١٧ ]
وقَفْنَا فَقُلْنَا: إِيِهِ عَنْ أُمِّ سالِم وما بَالُ تَكْلِيْمِ الدِّيارِ البَلاقِعِ
وهو أَيْضًا كَثِيْرٌ.
ومن ذلكَ قَوْلُهُ:
إذا قامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ منهما البيت
في مَعْنَاهُ قول الأَعْشَى:
إذا تَقومُ يَضوعُ المِسْكُ آوِنَةً والمَنْدَلُ الرَّطبُ مِنْ أَرْدانِها شَمِلُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أصاحِ ترَىَ برَقًْا أُريكَ وَمِيْضَهُ كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الأَعْشَى:
أَمْ هَلْ تَرَى عارِضًا قَدْ بِتُّ أَرْمُقُهُ كَأَنَّما البَرْقُ في حافاتِهِ الشُّعَلُ
[ ٢١٨ ]
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًَا لَدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البَالِي
هو في تَشْبِيهِ شَيْئَيْنِ بِشَيْئَيْنِ مَعَ اللَّفِ والنَّشْرِ والتَّرْتِيْبِ. شَبِيْهٌ بِهِ قَوْلُ بَشَّارٍ:
كَأَنَّ مُثَارَ النَّقعِ فَوْقَ رُؤُوسِنا وأَسيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُه
يُحْكى عَنْ بَشَّارٍ أَنَّه قَالَ: ما زِلْتُ اسْتَعْظِمُ بَيْتَ امرِئِ القَيْسِ، يَعْني هذا، حَتَّى قُلْتُ مِثْلَهُ، يَعْنِي بَيْتَهُ هذا.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشَاشَةُ نَفْسِهِ بِمُدْرِكِ أَطرافِ الخُطُوبِ ولا آلِ
[ ٢١٩ ]
هو كَقَوْلِ الآخَرِ:
تَموتُ مَعَ المرءِ حاجاتُهُ وتَبْقى لَهُ حَاجَةٌ ما بَقِي
وقَوْلِهِ:
وحاجةُ مَنْ عاشَ لا تَنْقَضِي
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
مُتَوَسِّدًا عَضْبًَا مضارِبُهُ في مَتْنِهِ كَمَدَبَّةِ النَّمْلِ
شَبِيْهٌ بهِ قَوْلُ ابنُ دُرَيْدٍ:
[ ٢٢٠ ]
وصاحِبايَ صَارِمٌ في مَتْنِهِ مِثْلَ مَدَبِّ النَّمْلِ يَعْلُو في الرُّبى
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
اللهُ أَنْجَحُ ما طَلَبْتُ بِهِ والبِرُّ خَيْرُ حَقِيْبَةِ الرَّحْلِ
شَطْرُهُ الأَوَّلُ شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿فالله خير حافظًا﴾ [يوسف: ٦٤]، وشَطْرُهُ الآخَرُ شَبِيْهٌ بهِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
الخَيْرُ أَبْقَى وإنْ طَالَ الزَّمانُ بهِ والشَّرُّ أَخْبَثُ ما أَوْعَيْتَ مِنْ زادِ
[ ٢٢١ ]
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
ومِنَ الطَّرِيْقَةِ جائِرٌ وهدًى قَصْدُ السَّبِيْلِ وَمِنْهُ ذو دَخْلِ
هو شَبِيْهٌ بقولِهِ ﷿: ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر﴾ [النحل: ٩]، وهذا وَإِن لَمْ يَكُنْ مما عُقِدَ له البَابُ، لكن لا بَأْسَ مِنَ التَّنْبِيْهِ عَلَيْهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إِنِّي لأَصْرِمُ مَنْ يُصارِمُنِي وأُجِدُّ وَصْلَ مَنِ ابْتَغَى وَصْلي
شَبِيْهٌ بِقَوْلِ البَحْرانِيِّ:
لا أَشربُ الماءَ ما لم يَصْفُ مورِدُهُ ولا أقولُ لِمُعْوَجِّ الوِصَالِ صِلِ
[ ٢٢٢ ]
وقَوْلِ لَبِيْدٍ:
تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إذا لم أَرْضَها أو يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفوسِ حِمامُها
وقَوْلِ ابنِ دُرَيْدٍ:
طَعْمِيَ شَرِيٌّ للْعَدوِّ تارةً والأَرْيُ بالرَّاحِ لِمَن وُدِّي ابْتَغَى
وهو مُقْتَضَبٌ مِنْ قَوْلِ ابنِ أُخْتِ تَأَبَّطَ شرًا يَرْثي خَالَهُ:
ولَهُ طَعْمانِ: أَرْيٌ وشَرْيٌ وكلا الطَّعْمَيْنِ قَدْ ذاقَ كُلُّ
وهذا المَعْنَى كَثيرٌ مُسْتَطْرَفٌ.
[ ٢٢٣ ]
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وخَلَائِقِي ما قَدْ عَلِمْتِ وما نَبَحْتُ كِلابُكِ طارقًا مِثْلي
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ:
وإذا صَحَوْتُ فما أُقَصِّر عَنْ نَدىً وكَمَا عَلِمْتِ شَمَائِلِي وتَكَرُّمي
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
حَتَّى تَرَكْنَاهُم لَدَى مَعْرَكٍ أَرْجُلُهُمْ كالخَشَبِ الشَّائِلِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ المُرَقِّشْ يَصِفُ القَتْلَى:
[ ٢٢٤ ]
وآخَرَ شَاصٍ تَرَى رِجْلَهُ كَجِلْدِ القَتَادةِ غِبِّ المَطَرْ
أي: مرتفعًا مُتَجافِيًا:
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
خَلَّتْ لِيَ الخَمْرُ وكُنْتُ امرءًَا عَنْ شُرْبِها في شُغُلٍ شاغِلِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ ابنِ أُخْتِ تأَبَّط شَرًّا:
حَلَّتِ الخَمْرُ وكانَتْ حَرَاما وبِلْأيٍ ما أَلَمَّتْ تَحِلُّ
فاسْقِنِيْها يا سَوادَةَ بنَ عَمْرٍو إِنَّ جِسْمي بَعْدَ خالِي لَخَلُّ
ومَعْنَى ذلكَ أَنَّهم كانوا إذا كانَ لهم ثَأْرٌ، حَرَّموا الخَمْرَ على أَنْفُسِهم حَتَّى يُدْرِكُوه، وإِلى ذلكَ أَشَارَ الفَرَزدقُ بِقَوْلِهِ:
[ ٢٢٥ ]
غَداةَ أَحَلَّتْ لابنِ أَصْرَمَ طَعْنَةٌ عُمَيْرٍ عَبِيْطَاتِ السَّدائِفِ والخَمْرُ
وهو مِنَ المَقْلُوبِ إِعْرابًا؛ لِأَنَّ الطَّعْنَةَ يَجِبُ رَفْعُها، ونَصْبُ العَبِيْطاتِ والخَمْرِ؛ لِأَنَّهما مَحَلَّانِ مَفْعولانِ، ولكِنَّ المَعْنَى مَفْهومٌ، فَقَلَبَ لِأَجْلِ القَافِيَةِ، ومِنَ المَقْلُوبِ قَوْلُ
[ ٢٢٦ ]
الرَّاجِزِ:
ومَهْمَهٍ مُغْبَرَّةٍ أَرْجَاؤُهُ كَأَنَّ لَوْنَ أَرضِهِ سَماؤُهُ
أيْ: كَأَنَّ لَونَ سَمَائِهِ أَرْضُهُ، وقَوْلِهِمْ: أَدْخَلْتُ الخَاتَمَ في
[ ٢٢٧ ]
إِصْبَعِي، وإِصْبَعي في الخَاتَمِ، وعَرَضْتُ الحَوْضَ على النَّاقَةِ، والنَّاقَةَ على الحَوْضِ، وزَعَمَ بَعْضُهُم أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷿: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧] خُلِقَ العَجَلُ من الإِنْسانِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
بَرَهْرَهَةٌ رَخْصَةٌ رُؤْدةٌ كَخُرعُوبَة البَانَةِ المُنْفَطرْ
أَمَّا لَفْظُ «بَرَهْرَهة» ففي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
بَرَهْرَهَةٌ يَصِرُّ الأَيْرُ فيها صَرِيْرَ الخُفِّ ضَاقَ بِهَ الرِّكابا
[ ٢٢٨ ]
أَمَّا لَفْظُ «خُرْعُوبَة» ففي قَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ:
بانوا بِخُرْعوبَةٍ لها كَفَلٌ يَكادُ عِنْدَ القيامِ يُقْعِدُها
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَتورُ القِيامِ، قَطِيْعُ الكَلَا مِ، تَفْتَرُّ عَنْ ذي غُروبٍ خَصِرْ
[ ٢٢٩ ]
شَبِيْهٌ تَشْطِيْرُهُ الأَخِيْرُ بقَوْلِ الشَّاعِرِ:
يَفْتَرُّ عَنْ لُؤْلُؤٍ رَطْبٍ وعَنْ بَرَدِ وعَنْ أَقَاحٍ وعَنْ طَلْعٍ وعَنْ حَبَبِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لو دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فوقَ الإِتْبِ مِنْها لأَثَّرا
شَبِيْهٌ بِقَوْلِ حَسَّانِ بنِ ثَابِتٍ:
[ ٢٣٠ ]
لَوْ يَدُبُّ الحَوْلِيُّ مِنْ وَلَدِ الذَ ذرِّ عَلَيْها لأَندَبَتْها الكُلُومُ
والمَعْنَى وَاحِدٌ. وَلَعَلَّ حَسَّانَ تَنَاوَلَهُ مِنِ امْرِئِ القَيْسِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
تُطَايِرُ شُذَّانَ الحَصَى عَنْ مَنَاسِمٍ صِلابِ العُجَى، مَلْثُومُها غَيْرُ أَمْعَرا
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الشَّتْفَرى:
إذا الأمعزُ الصُّوَّان لاقَى مَناسِمي تَطَايَرَ مِنْهُ قادِحٌ ومُفَلَّلُ
[ ٢٣١ ]
غَيْرَ أَنَّ هذِهِ صِفَةُ إِنسَانٍ، والأَوَّلُ صِفَةُ نَاقَةٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
عليها فَتًى لم تَحْمِلِ الأَرْضُ مِثْلَهُ أَبَرَّ بِمِيْثَاقٍ وَأَوْفَى وأَصْبَرا
يَعْنِي: ثِقَةً، هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ حَسَّانَ:
وما حَمَلَتْ من ناقَةٍ فَوْقَ ظَهْرِها أَبَرَّ وأَوْفَى ذِمَّةً من مُحَمَّدِ
وهو أَصْدَقُ مِنِ امْرِئِ القَيْسِ في هذا.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
ألا إنما ذا الدَّهْرُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ وَلَيْسَ على شَيْءٍ قَوِيْمٍ بِمُسْتَمِرّ
شَطْرُهُ الأَوُّلُ شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الهُذَلِيِّ:
[ ٢٣٢ ]
هَلِ الدَّهْرُ إلَّا ليلةٌ ونَهَارُها وإِلَّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها
وشَطْرُهُ الثَّانِي شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
والدَّهْرُ بالنَّاسِ قُلَّبُ
وقَوْلِ الآخَرِ:
وما شَيْءٌ على الحَدَثانِ باقي
وشَبِيْهٌ به أَيْضًا قَوْلُ ابنِ الهَبَّارِيَّةِ:
[ ٢٣٣ ]
لا غَرْوَ إِنْ مَلَكَ ابنُ إس حاقٍ وساعَدَهُ القَدَرْ
فالدَّهْرُ كالدُّولابِ لَيْ سَ يَدُورُ إلا بالبَقَرْ
إذ دَوَرَانُه انتِقالٌ مِنْ حَالٍ إلى حَالٍ، وعَدَمُ استِقْرارِهِ واستِمْرارِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إذا ذُقْتُ فَاهَا قُلْتُ: طَعْمَ مُدَامَةٍ مُعَتَّقَةٍ مما يجيءُ بِهِ التُّجُرْ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ:
وكَأَنَّ فَأَرَةَ تاجِرٍ بِقَسِيْمَةٍ سَبَقَتْ عَوَارِضَها إليكَ مِنَ الفَمِ
ومِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
[ ٢٣٤ ]
لَكِنْ عُوَيْرٌ وَفَى بِذِمَّتِهِ لا عَوَرٌ عَابَهُ ولا قِصَرْ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
أمَّا ابنُ طَوْقٍ فقد أَوْفَى بِذِمَّتِهِ كَمَا وَفَى بِقِلاصِ النَّجْمِ حادِيْهَا
ومن ذلك قَوْلُهُ:
لَنِعْمَ الفَتى تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ طَرِيْفُ بنُ مَلٍّ لَيْلَةَ القَرّ والخَصَرْ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
مَتَى تأتِهِ تَعْشو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
[ ٢٣٥ ]
ألم تَرَ أَنِّي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا وَجَدْتُ بها طِيْبًا وإِنْ لم تَطَيَّبِ
وشَبِيْهٌ بِهِ، وأَبْلَغُ مِنْهُ، قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وتَزِيْدِيَن أَطْيَبَ الطِّبيْبِ طِيْبًا إذ تَمَسِّيهُ، أينَ مِثْلُكِ أَيْنَا؟ !
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَدَامَتْ على ما بَيْنَنا مِنْ نَصِيْحَةٍ أُمَيْمَةُ أم صارَتْ لِقَوْلِ المُخَبِّبِ
وشَبِيْهٌ بِهِ قَوْلُ الآخَرِ:
[ ٢٣٦ ]
أَبِيْني أفي يُمْنَى يَدَيْكِ ترَكْتِنِي فَأَفْرَحَ أَمْ صَيَّرتني في شِمالِكِ؟ !
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فإِنكَ لم يَفْخَرْ عَلَيْكَ كَفَاخِرٍ ضَعِيْفٍ، ولم يَغْلِبْكَ مِثْلُ مُغَلَّبِ
شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَهُنَّ شَرُّ غالِبٍ لِمَن غَلَبْ
وبِقَوْلِ الآخَر:
[ ٢٣٧ ]
هِيَ الضِّلَعُ العَوْجَاءُ لَسْتَ تُقِيْمُها أَلا إِنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ انْكِسَارُها
أَتَجْمَعُ ضَعْفًا واقَتْدارًا عَلَى الفَتَى أَليسَ عجيبًا ضَعْفُها واقْتِدارُها
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
تلاقَيْتُها والبُومُ يَدْعوُ بها الصَّدَى وقد أُلْبِسَتْ أَفْرَاطُها ثِنْيَ غَيْهَبِ
شَبِيْهٌ بِقَوْلِ ذي الرُّمَّةِ:
قَدْ أَعْسِفُ النَّازحَ المجهولَ مَعْسِفَةً في ظِلِّ أَغْضَفَ يدعو هامَةَ البُومِ
مَعْنَاهُما جَمِيْعًَا، أَنَّهُ خَاضَ الفَلَاةَ لَيْلًا، والبُومُ فيها يتَجاوَبُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إذا ما رَكِبْنا قال ولِدْانُ أَهْلِنا: تَعَالوا إِلى أن يأتيَ الصَّيْدُ نَحْطبِ
معناهُ: أَنَّهُمْ قَدْ وَثِقوا مِنْهُ بِعَادَةٍ لا يُخْلِفُها، فهو كَقَوْلِ
[ ٢٣٨ ]
النَّابِغَةِ:
إذا ما سَرَى بالجَيْشِ حَلَّقَ فَوْقَهُ عَصائِبُ طَيْرٍ تَهْتَدي بِعَصائِبِ
جوانِحَ قَدْ أَيْقَنَّ أَنَّ رَعِلْيَهُ إذا ما التَقَى الجَمْعَانِ أَوَّلُ غالِبِ
وقَولِ مُسلِمٍ:
قَدْ عَوَّد الطَّيْرَ عاداتٍ وَثِقْنَ بها فهي تَتْبَعُه في كُلِّ مُرْتَحَلِ
[ ٢٣٩ ]
وقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وتَرَى الطَّيْرَ على آثارِنَا رَأْيَ عَيْنٍ ثِقَةً أَنْ ستُمَارُ
وقَوْلِ أبي نواسٍ:
تَتَأَيَّا الطَّيْرُ عن وَعْدٍ ثِقَةً بالوَعْدِ من جُزرهُ
[ ٢٤٠ ]
ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ:
نَمُشُّ بِأَعْرَافِ الجِيَادِ أكُفَّنا إذا نَحْنُ قُمْنَا عَنْ شواءٍ مُضَهَّب
هو كَقَوْلِ عَلْقَمَ:
ثُمَّتَ قَمْنَا إلى جُرْدٍ مُسَوَّمَةٍ أعرافُهُنَّ بِأَيْدِيْنا مَنَادِيْلُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَلا يا لَهْفَ هِنْدٍ بَعْدَ قَوْمٍ هُمُ كانوا الشِّفاءَ فَلَمْ يُصابوا
[ ٢٤١ ]
وَقَاهُمْ جَدُّهم بِبَني أَبِيْهِمْ وبالأَشْقَيْنَ ما كانَ العِقابُ
شَبِيْهٌ بِهِ قَوْلُ المُتَنَبِّي:
وجُرْمٍ جَرَّهُ سُفهاءُ قَوْمٍ فَحَلَّ بِغَيْرِ جَانِيْهِ العِقَابُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَرانا مُوْضِعِيْنَ لِحَتْمِ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
شَبِيْهٌ بقولِ لَبِيْدٍ:
فإن تَسْأَلِيْنَا فيم نَحْنُ فإِننا عَصَافِيُر مِنْ هذا الأَنامِ المُسَحَّرِ
ومَعْنَاهُما: أَنَّنا مَسْحورونَ بالطَّعامِ والشَّرَابِ، غافِلُونَ عَمَّا يُرادُ بِنَا، [وما] نَحْنُ مُسرِعُونَ إليه من المَوْتِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وقد طَوَّفْتُ في الآفَاقِ حَتَّى رَضِيْتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بالإيَابِ
[ ٢٤٢ ]
وشَبِيْهٌ به قَوْلُ الطُّغْرَائي:
والدَّهرُ يَعْكِسُ آمالي ويُقْنِعُنِي مِنَ الغَنِيْمَةِ بَعْدَ الكَدِّ بالقَفَلِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وعَنْسٍ كَأَلْواحِ الإرانِ نَسأْتُها على لاحِبٍ كالبُرْدِ ذي الحِبَراتِ
هو كَقولِ طَرَفَة:
وعَنْسِ كَأَلْواحِ الإِرانِ، نَسَأْتُها على لاحِبٍ، كَأَنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ
[ ٢٤٣ ]
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فلا تُنْكِرونِي إِنَّنِي أَنَا جَارُكُمْ لَيَالِيَ حَلَّ الحَيُّ غَوْلًا فَأَلْعَسَا
فيه شَبِيْهٌ بِقَوْلِ المُتَأَخِّرِ:
لي حُرْمَةُ الضَّيْفِ القديمِ ومَنْ أَتَاكُمُ وَكُهُولُ الحَيِّ أطفالُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَرَاهُنَّ لا يُحْبِبْنَ مَنْ قَلَّ مَالُهُ ولا مَنْ رَأَيْنَ الشَّيْبَ فِيْهِ وقَوَّسا
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الأَعْشَى:
وأرى الغَوَانِيَ لا يُواصِلْنَ امْرَءًا فَقَدَ الشَّبَابَ، وقد يَصِلْنَ الأَمْرَدَا
وقَوْلِ [ابنِ] التَّعَاوِيْذِي:
[ ٢٤٤ ]
أَنْكَرَ الغَانِيَاتُ قُرْبِي وَمَا أَنْكَرْنَ مِنِّي إلا بَيَاضَ القَتِيْرِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وأُنازِلُ البَطَلَ الكَرِيْهَ نِزَالُهُ وإِذا أُناضِلُ لا تَطِيْشُ سِهامِي
شَبِيْهُ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ:
ومُدَجَّحٍ كَرِهَ الكُماةُ نِزَالُهُ لا مُمْعِنٍ هَرَبًا ولا مُسْتَسْلِمِ
جَادَتْ يَدَاي لَهُ بفاصِلِ طَعْنَةٍ وَرَشَاشِ نَافِذَةٍ كَلَوْنِ العَنْدَمِ
[ ٢٤٥ ]
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وَإِذا أُذِيْتُ بِبَلْدَةٍ وَدَّعْتُها ولا أُقِيْمُ بِغَيْرِ دارِ مُقَامِ
فيه زِحَافٌ صَعْبٌ، وشَبِيْهٌ به قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِنِّي كذاكَ إِذا ما ساءَني بَلَدٌ يَمَّمْتُ صَدْرَ بَعِيْري غَيْرَهُ بَلَدا
وقَوْلُ الآخرِ:
وإِذا سَاءَكَ مَنْزِلٌ فَتَحَوّلِ
وقَوْلُ البَحْرَانِي:
إذا الدِّيَارُ تَغَشَّاكَ الهَوَانُ بِها فَخَلِّها لضعِيفِ العَزْمِ واغْتَرِبِ
[ ٢٤٦ ]
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَقَرّ حَشَا امرئِ القَيْسِ بنِ حُجْرٍ بنو تَيْمٍ مَصَابِيْحُ الظلامِ
يَعْنِي بِأَخْذِهِمْ لَهُ بِثَأْرِ أَبِيْهِ. وهو كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ:
ولَقَدْ شَفَا نَفْسِي وأَبْرَأَ سُقْمَهَا قَوْلُ الفَوارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدمِ
على بُعْدٍ تَأْتِي المُشَابَهَةُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
لِمَن طَلَلٌ أَبْصَرْتُهُ فَشَجانِي البيت
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ:
لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ؟ ! أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ دَهْرِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
[ ٢٤٧ ]
لَيَالِيَ يَدْعُونِي الهَوَى فَأُجِيْبُهُ وأَعْيُنُ مَنْ أَهْوَى إِليَّ روانِي
هو شَبِيْهٌ بِقَوْل ذي الرُّمَّةِ:
لَيَالِيَ اللَّهْوِ تَدْعوني وأَتْبَعُهُ كَأنَّنِي ضَارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِبُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَسَحَّتْ دموعي في الرِّداءِ كَأَنَّها كُلًى من شُعَيْبٍ ذَاتِ سَحٍّ وتَهْتَانِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ ذي الرُّمَّةِ:
ما بالُ عَيْنِكَ منها الماءُ يَنْسَكِبُ كَأَنَّه مِنْ كُلَى مَفْرِيَّةٍ سَرِبُ
وفراءَ غَرْفِيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزُها مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْهُ بَيْنَها الكُتُبُ
ومَعْنَاهما جَمِيْعًا تَشْبِيْهُ الدَّمْعِ بِمَاءِ القِرْبَةِ، إِذا سَالَ مِنْ خَرْقٍ فيها.
[ ٢٤٨ ]
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إِذا المَرْءُ لم يَخْزُنْ عَلَيْهِ لِسانَهُ فَلَيْسَ على شَيْءٍ سِواُه بِخَزَّانِ
هو كَقَوْلِ طَرَفَةَ:
وإِنَّ لِسانَ المرءِ ما لم يَكُنْ لَهُ حَصَاةٌ، عَلَى عَوْرَاتِهِ لَدَليلُ
بَلْ كَقَوْلِ الآخَرِ:
إِذا ضَاقَ صَدْرُ المَرْءِ عَنْ كَتْمِ سِرِّهِ فَصَدْرُ الَّذي يُسْتَوْدَعُ السِّرَّ أَضْيَقُ
هذا أَشْبَهُ بِبَيْتِ امْرِئِ القَيْسِ مِنْ بَيْتِ طَرَفَةَ، وفي كلاهما نَظَرٌ سَبَقَ بِهِ القَلَمُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
[ ٢٤٩ ]
فَإِمَّا تَرَيْنِي في رِحالَةِ جابِرٍ على حَرَجٍ كالقَرِّ تَخْفِقُ أَكْفَانِي
شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الآخَرِ:
فإمَّا تَرَيْنِي كابْنَةِ الرَّمْلِ ضَاحِيًا على رِقَّةٍ أَحْفَى ولا أتَنَعَّلُ
وَلْيَكُنْ هذا آخِرُ البَابَ.
وقد بَلَغَنا أَنَّ أبا الحَسَنِ بنَ عُصْفورٍ النَّحْويَّ جَمَع كِتَابًَا في تَنَاولاتَ الشُّعَراِء بَعْضِهْم مِنْ بَعْضٍ، ولم أَقِفْ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ بالواجِبِ أَنَّ فِيْهِ فوائِدَ كَثِيْرَةً، مِنْ مَعْرِفَةِ أَقاوِيْلِ الشُّعراءِ وتَنَاولِهِمْ، وتَوارُدِ خَواطِرِهِمْ، وتَمْرِيْنِ الذِّهْنِ في إِدْراكِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ كَلَامِهِمْ، كما سَبَقَ التَّنْبِيْهُ عَلَيْهِ.
[ ٢٥٠ ]